لا شك في أن الاستقبال العربي للأعمال التي تكتب بلغات أخرى ما زال يعاني من تأخر الترجمة نتيجة عوامل عدة تتعلق بحجم ما يُنشر في اللغات الأخرى، بالإضافة إلى إشكالية توجيه أولوية الترجمة، ومن هنا تعدّ جائزة نوبل، وغيرها من الجوائز موجّهات تجعلنا على وعي بقيمة بعض الأسماء، ومنها الروائي التنزاني البريطاني عبد الرزاق قرنح الذي وصفت الجائزة أعماله بأنها «تخلو من أي مساومة لآثار الاستعمار، ومصير اللاجئين العالقين بين الثقافات والقارات» غير أنّ هذه الأعمال لا تعلق بالموضوعة ما بعد الكولونيالية التي تنهض على جدل اكتشاف الذات المستعمَرة على ضوء النظرية ما بعد الكولونيالية فحسب، إنما يمكن أن نضيف وقائع الاستعمار- من منظور المستعمَرين- الذي لا ينطوي على تجانس الرؤية، فثمة من يرى في الاستعمار نموذجاً إيجابياً، غير أنّ هذا سياقي كما يتضح في هذه الرواية.
المنطلق… وغايات أخرى
في الرواية التي حملت عنوان «ما بعد الموت» Afterlives نواجه قيمة سردية تَعمد إلى قدر كبير من التخييل، الذي لا ينازع التكوين المقصدي للثيمة ما بعد الكولونيالية، بل ينهض بها ضمن آليات تعتمد المتعة الحكائية، مع التركيز على الذوات الإنسانية، وعذاباتها، وأحلامها، بما في ذلك الحب، وتمثيل الثقافة المحلية، إذ يستغرق القارئ في تتبع حيوات الشّخصيات التي تتقاسم واقع النبذ، أو الهروب، وهذا يتماثل مع خلفية الروائي، الذي فرّ من بلده «زنجبار» بعد معاناة من الجوع والفقر، كما ويلات الاستعمار.
ولعل شخصيات العمل، تبدو أقرب إلى صدى الذات الكاتبة، ومنها «إلياس» الذي يهرب من عائلته، ومن ثم يختطفه جندي ألماني ليعمل، ويدرس في مدارس الألمان، والأهم يتعلم لغتهم، إذ يحتمل هذا إشارة قوامها أن «إلياس» بات مؤمناً بوجود الفكرة الاستعمارية، بل إنه يشترك معهم في الحرب عن قناعة تامة، غير أنهم يتخلون عنه لاحقاً، فيعتقل ويُحاكم لزواجه من امرأة تنتمي إلى العرق الآري، بعد أن تضع الحرب أوزارها، وهناك شخصية «حمزة» الذي ينتهي جندياً مع الألمان بعد أن دفع به والده لأحد التجار سداداً لدين، في حين تبرز شخصية «عافية» – زوجة حمزة التي تعاني من اليتم، كما يتخلى عنها شقيقها «إلياس» فتتعرض للتعذيب من لدن العائلة التي ترعاها، قبل أن ينتشلها خليفة صديق شقيقها إلياس. هكذا تصبح هذه الشخصيات جزءاً من اختزال لوقائع النموذج، ومع كل استغراق تتبلور قناعة بأن هذه الذات لم تكن سوى نتاج تجربة الاستعمار، التي ألقت ظلالا كئيبة على الذّات، نتيجة فعل الاستلاب، الذي برز جزء من الخطاب العام للنموذج السّردي القائم على التّخييل ضمن التجربة الاستعمارية المريرة.
يسعى «قرنح» إلى تأثيث الذات المستعمرة عبر تكوينها المستلب بالكلية، والخاضع في جزء منه إلى الهيمنة التي تتخذ مظاهر، حيث يكوّن الفضاء الافريقي حيز الرواية، ونعني شرق افريقيا بوصفها جزءاً من صراع القوى الاستعمارية الأوروبية، وأهمها ألمانيا وبريطانيا بدءاً من مطلع القرن التاسع عشر، ولعل هذا ما يجعل من أعمال عبد الرزاق قرنح، على قدر من الأهمية كونها تختزل فضاءات هذه الأحياز ضمن بناء سردي يتسم بالكثير من المتعة والتّشويق، لكننا في غمرة الانكباب على ملاحقة الشخصيات، وتتبع ما تعانيه على خلفية الصّراع بين القوى الاستعمارية نلاحظ ارتهان بعض الذوات المستعمَرة للتعلق بالمستعمِر كما في شخصية «إلياس» غير أنّ السّكان المحليين يستنكرون هذا حين يفضّل الألمان على الإنكليز، حيث جاء في الرواية: «اسمع، لطف ألماني واحد تجاهك لا يغير ما وقع هنا. كل هذه الأعوام، خلال الثلاثين عاماً أو نحوها التي احتل فيها الألمان هذه البلاد ذبحوا أعداداً لا تحصى من الناس، حتى إن الأرض مفروشة بالجماجم والعظام، والتراب مرتو بالدماء. أنا لا أبالغ». وبين ثنايا ذلك تتبع الرواية مآلات الإمبراطوريات بين الحضور والغياب، وأثر ذلك على الفضاء المهيمن عليه الذي يخضع لتجاذبات متعددة، ويعاني نتيجة ذلك عبر إشارات إلى الثقل الاستعماري البغيض في هذه القارة، فكل جزء منها يخضع لحكم الأوروبيين، فهناك شرق افريقيا البريطانية، وشرق افريقيا الألمانية، وشرق افريقيا البرتغالية، وشرق افريقيا البلجيكية.
قيمة التخييل
في سياق تقاطع الشّخصيات نقرأ أن مصير «حمزة» – الذي يستأثر بجزء كبير من السّرد- يتقاطع مع شخصية عافية شقيقة «إلياس» التي تختبر تجربة مريرة هي الأخرى كما زوجها «حمزة» كما شقيقها «إلياس» الذي تمتصه القوى الإمبريالية، على الرغم من أنه يختفي من المشهد السردي على مستوى الحدث، لكن أثره الدلالي يبقى قائماً. لقد تخلى «إلياس» عن شقيقته بداعي الإيمان بالرسالة الاستعمارية، ومنها خدمة السّادة، ومع ذلك، فإن أثره الدلالي يكاد يساوي قيمة حضور شخصية حمزة التي تستأثر بقيمة كبيرة من الصّياغات السردية التي يتركها قرنح دون إصدار أحكام على اختيارات الشخصيات لأفعالها، ومنهم إلياس، وحمزة اللذان حاربا إلى جانب الألمان، ومن ثم تخلوا عنهما.
تبدو الرواية نسيجاً حكائياً متقدماً جداً، فعلى الرغم من عُمق النموذج الخطابي الفكري للعمل، ووجهاته المتعددة، غير أنّ مقولاته تنشأ من جمالية الحبكة، والأحداث، وثراء الشّخصيات، وقيم التشويق، مع محاولة النأي عن تركيب جمل على لسان الشّخصيات مباشرة كي تنهض بفعل تأطير المقولة الفكرية للعمل، أو المقصد، فعبد الرزاق قرنح يقع في موقع متقدمٍ من ناحية تمكنه من أدواته السّردية، بحيث نكاد نغرق في الحكائية، ودفئها، حتى إننا نتناسى أننا أمام رواية، بل إزاء كائن سردي يستغرقنا بالكلية. فالقدرة على بناء الشخصيات، والاستغراق في موضعتها ضمن سياق الحيز المكاني كما الإطار الزمني يعدّ من عوامل نجاح هذه الرواية، فضلاً عن الأثر العميق لاستبطان دواخلها، في حين أنّ الانتقال في المنظور السردي، وتضمين المرويات، أضفى على الرواية حيوية، ولاسيّما من ناحية الاستهلال الذي تمركز على تأطير شخصية «خليفة» وما سيحمله وجوده من أثر على مصير الشّخصيات، ومن ذلك شخصية «عافية» كما حمزة فقد شهدا تجارب مؤلمة فجاء لقاؤهما تعويضاً عن العذاب، بغض النظر عن السبب. لقد عانت عافية من سوء المعاملة كما الضرب والتعذيب على يد أبناء جلدتها، خاصة العائلة التي كانت ترعاها قبل أن يأخذها «خليفة» وزوجته «عائشة» في حين أن «حمزة» عانى نتيجة خدمته في الجيش الألماني الذي كان يستخدم السّكان المحليين بوصفهم جنوداً وحمالين، أو خدماً.
تحظى شخصيات العمل السردي بتكوينها الدلالي لا من قيمة حضورها على المستوى الكمي، أو من حيث الإسناد للفعل – وهي الصيغة التي تكثفت عبر شخصية «حمزة» الذي يخضع لوقائع الهيمنة الاستعمارية، بوصفه جندياً في فرقة المتطوعين أو المجبرين من الافارقة للقتال إلى جانب الألمان- إنما من قيمة هذه الشّخصية التي تتحدد بفكرة التابعية للضابط الألماني الذي اتخذ حمزة خادماً له، وما يعبر عنه الضابط من موقف تجاه المستعمَرة، التي يصفها بالبالوعة، وعن حق الأوروبي بالهيمنة حيث يقول: «ولدت في أسرة عسكرية، وهذا هو واجبي. لهذا أنا هنا – كي أحوز ما هو حق لنا لأننا الأقوى. نحن نتعامل مع أناس بربريين متخلفين، والسبيل الوحيد لحكمهم هو إيقاع الرعب في قلوبهم وقلوب سلاطينهم التافهين». مع إشارات إلى تأطير جنسي، ولغوي ثقافي، فيتحول حمزة إلى قيمة مستلبة، حين يقوم الضباط الألماني بتعلميه اللغة الألمانية، ولا يخفى على القارئ ما يكمن في هذه الصيغة من دلالة واضحة، ولاسيما رغبة الضابط بأن يتمكن حمزة من قراءة الشاعر والمسرحي الألماني «شيلر» بوصفه نصاً متعالياً، لكنه يعني أيضاً تأكيداً لخطاطات النموذج الاستعماري الثقافي الذي يأتي رغبة في ملء فراغ ثقافي لوجود الآخر، لا يُعترف به إلا بوصفه مصدراً من مصادر تحقيق غايات وظيفية للسّيد الأوروبي الذي طالب شعوب تلك المنطقة بزراعة القطن للتصدير، ونتج عن ذلك اختلالات اقتصادية، واجتماعية أدت إلى ثورة «ماجي ماجي» التي تعدّ نواتجها جزءاً من عمليات الإبادة التي ارتكبتها القوات الألمانية، حين وصل عدد القتلى إلى أكثر من (250) ألف ضحية.
جرائم الإمبراطورية
لقد خلف مرور كتل الإمبراطوريات على شرق افريقيا الكثير من الدمار، والمعاناة لشعوب تلك المنطقة، ويمكن الاستنتاج أن كل قوة تسعى لأن تؤسس وجودها لا على المستوى العسكري فحسب، إنما من خلال تأطير خلق بنى تمكنها من السّيرة من ذلك بناء المدارس والإرساليات، وغير ذلك… بل إن حساسية العلاقة بين حمزة والضابط الألماني تحتمل الكثير من الدلالات، التي تختزل كثيراً من ثيمات النظرية ما بعد الكولونيالية في الأدب، ولاسيما على مستوى الذات المهيمنة، التي ترى في الآخر تابعاً، أو متوحشاً همجياً بربرياً، لا يمكن أن يكون حضارياً إلا إذا تعلم لغة السّيد، وثقافته. لقد ارتكبت القوى الاستعمارية الكثير من الفظاعات والبشاعات في تلك القطاعات المستعمرة، بل إنها حالت دون تحقيق تطورها الحتمي، كما قطعت السّيرورة الطبيعية للتطور، ولعل هذا المسلك يعدّ من أشد الجرائم التي لا يمكن للتاريخ أن يتجاوزها، لأن خطايا الاستعمار لا تنتهي بالتقادم، فثمة ضحايا، وثمة بلدان ما زالت تعاني من تبعات هذا الفعل.
في كلا التمثيلين لذاتين خضعتا للهيمنة، نرى أن إلياس كان مؤمنا بالذات الأوروبية، وأن وجودهم كان خيراً، بل إنه بعد انتهاء الحرب يغادر إلى ألمانيا كي ينضم إلى بعض الأحزاب اليمينية أو النازية التي تطالب باستعادة المستعمرات، وهنا يصيب قرنح معنى مسلك الذات في تشوه وعيها؛ ما يعني أنه ينقل لنا أثر الاستعمار الذي يحضر ضمن تأثير فكري يتجاوز البعد المادي على الذّات المستعمرة، في حين أنّ حمزة يعدّ نتاجا للذات التائهة في إدراك حقيقة الأشياء كونه ضحية، كما هي شخصيات عافية، وخليفة، وزوجته عائشة. وفي ظلال هذا الجدل في تمثيل الأثر الكولونيالي، فالرواية لم تهمل حساسية الأنا على مستوى البِنى الثقافية، في ظلال التجربة الاستعمارية، من حيث تصوير المجتمع في طيبته، وقسوته، بالإضافة إلى الجهل، كما التّخلف، ومقاومة التعليم، فضلاً عن الإيمان بالخرافات، كما الجشع، والاحتيال، وغير ذلك من السّلوكيات التي ترتبط بالبشر، ونتجت عن بعض وقائع الاستعمار، إذ يضعها في إطار خلفية بلد يعاني من فوضى نتيجة هذا الصراع، كما أنّه يقدم لنا إشارات تتصل بالدين، بالتّوازي مع أثره على تفسير العالم…
ختاماً يشير إلى أنّ جهود الإمبراطوريات لتأسيس بعض المدارس والإرساليات بهدف خلق نخب تتمكن من حكم البلاد، وتدين بالولاء للمستعمِر، أو من أجل توفير أيد عاملة، وجنود، وهي خلاصة الفعل الاستعماري.
كاتب أردني فلسطيني