الذباب الثقافي

حجم الخط
2

يتقاطع مصطلح الذباب الثقافي مع ما يُطلَق عليه اسم «الذباب الإلكتروني» الذي بات متداولًا في المجال الرقمي في السنوات الأخيرة. يستغل الذباب الإلكتروني منصات التواصل الاجتماعي من خلال إغراق الفضاء الأزرق بمنشورات وتغريدات وإعجابات تفرض على المتابعين وجهة نظر معينة دون غيرها. ولعل الذين وضعوا هذا المصطلح رأوا أنّ الذبابة أكثر حشرة مزعجة للإنسان فاختاروه بناء على ذلك. ويُستخدَم هذا المفهوم على المستوى السياسي بين دولٍ في حالة نزاع؛ إذ يحاول كل طرف التأثير في الرأي العام وكسب مؤيدين أو متعاطفين مع قضيته، وقد يظهر على مستوى التنافس الصناعي بين الشركات، أو على المستوى الثقافي كما سيرد في هذه العجالة.
في البداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الذباب الإلكتروني عبارة عن برمجيات تقوم بإنشاء عدد كبير من الحسابات الوهميّة التي تنفّذ الغرض المطلوب منها بالتغريد أو التعليق أو الإعجاب، بينما الذباب الثقافي أفراد من خلفيّات ثقافية مختلفة من الكتّاب والقرّاء يجمعهم هدف محدد ولهم أجندة خاصة لرفع قيمة المنتج الثقافي لجهة ما أو مهاجمة منتج آخر على أسسٍ أقل ما يُقال عنها إنّها غير موضوعيّة.

اللياقة اللفظيّة

غياب المعيار الأسلوبي أمر لافت في تنفيذ أهداف الذباب الثقافي، إذ يعمد المغرّدون إلى لغة لا تحقّق أدنى درجات اللياقة اللفظيّة والأسلوبيّة، وقد نلحظ هذا عندما تشتدّ المنافسة بين كاتبَين على جائزة عربيّة مهمّة، وربما وصلت هذه اللغة إلى مستوى سوقيّ مخجل وهاجمت شخصَ الكاتب وليس المكتوب، ذلك أنّهم ليس في مقدورهم نشر مقالة أو مادة موضوعيّة يعبرّون فيها عن وجهة نظرهم في منصّة لها اعتبارها عند المهتمّين.

الذباب الثقافي لا يقرأ

هذا ملمح آخر للذباب الثقافي؛ وهو عدم الاطلاع على الأعمال مدار الاهتمام، سواء تلك التي يروّجون لها وتلك التي يناهضونها، مما يؤدّي إلى أميّة مقنّعة يغلّفها التعصّب الأعمى وحالة متقدمة من النرجسيّة المقيتة، وإذا حدث وكان هناك من قرأ العمل فإنها تكون قراءة ذات نيَّة مبيَّتة لإخراج النص من سياقه ومهاجمته من خلال البتر والاجتزاء.

الشلليّة في زمن التواصل الاجتماعي

هل الذباب الثقافي شللٌ بصبغة تكنولوجيّة؟ ربّما.. في الماضي كانت الشلل تنكفئ في مكان مغلق ويمارس أفرادها فعل الثرثرة والقيل قال، وعدد قليل منهم تمكّن من نشر هجومه على هذا الشاعر أو ذاك الروائي في مجلة أو صحيفة ما. وكان هناك حد أدنى من الأخلاقيّات لم يتجاوزه أحد في التعاطي مع هذه الصراعات التي كانت في الأغلب ذات توجه حزبي. كما تجدر الإشارة هنا إلى المساجلات التي كانت تدور بين كبار الكتّاب وتحوّلت بعد حين إلى نصوص أدبية راقية عبّر فيها كل طرف عن رأيه بحريّة مسؤولة.
على أيّ حال، ما يهمّنا في هذه الجزئيّة هو أنّ الوصول والتأثير في ذلك الوقت انحصرا في دائرة محدودة وضيّقة، لكن ما يميّز الشلليّة الجديدة هو الوصول إلى مستخدمين كثر في الفضاء الأزرق، وبالتالي يصبح التأثير في غير المطّلعين على تفاصيل المشهد أمرًا محتملًا. هنا تكمن الخطورة التي تؤدي إلى تكوين صورة سلبيّة عن بعض الأعمال الجيدة، وصورة إيجابيّة عن أعمال هابطة لا تستحق الإشادة. الشلليّة تنطلق من هواجس فردية تدور في أغلبها حول الذات وأحقيتها في الشهرة والجوائز والظهور على الفضائيّات والمنصّات المهمة، وترى أنّ ما يحدث في غير هذا السياق الذاتي خلل فادح يجب تصويبه، ونتيجة لهذه الضغوط الداخليّة لا يجدون غير هذا الأسلوب الفج للفضفضة والتعبير عن سخطهم.

معي أو ضدي

هذا هو المقياس الذي يعتمده الذباب الثقافي سواء في الفعل أو رد الفعل، ولا يقبل الآخرين الذين لهم رأي مختلف ولا يرغبون في الانجرار إلى هذه المعارك الـ»فيسبوكيّة»؛ لذلك يعمد هؤلاء الأشخاص إلى حذف من تكون تعليقاتهم على غير ما يحبّون من قائمة الأصدقاء، وقد يتحول الأمر إلى ممارسة التّنمّر الثقافي وتعرّض المتنمَّر عليهم لمنشورات وتعليقات صريحة أو مبطّنة بقصد الحط من شأنهم، وبالتالي رفع كفّة الجهة الأخرى.

شِيخة ثقافية

عند البحث في أسباب هذه الظاهرة ودوافعها قد يتبادر للذهن الغيرة والحسد، لكن هناك أشياء كثيرة كلّها تدور حول نوازع فرديّة مكشوفة، وسنستعرض بعضها هنا: إذ قد تكون من باب افتعال الإثارة على مواقع التواصل الاجتماعي لجلب الأنظار والحصول على الانتباه الذي يشعرهم بالرضا، وربما تكون ردة فعل لأشياء متوهَّمة ليست موجودة سوى في خيال بعضهم من خلال التحليل التشكيكي لمنشورات عادية تزدحم بها منصّات التواصل الاجتماعي، لكنَّ الدافع الذي يظهر أكثر من غيره برأيي هو أنّ هناك رغبة ملحّة عند بعضهم في الحصول على مقعد في الصفوف الأمامية في المشهد الثقافي؛ وهو ما أسمّيه (شِيخة ثقافية)، وقد نسي هؤلاء أنّ الشيخة لها مستحقّات كثيرة قبل البحث في مغانمها؛ منها أنّ (الشيخ) إنسان متنور وذو عقل راجح يستوعب الجميع ويقف على مسافة واحدة منهم، ومنها أنّه رجل مقدّر ومعروف بين الناس بصفاته الفاضلة مثل الجرأة والمروءة، وليس الطعن في الظهر والإنكار عند المواجهة.

ما الحل؟

الحل أن نتقبّل وجودهم في المشهد الثقافي، خاصة إن كانوا من أصحاب الأقلام الواعدة؛ فلعلّهم يتخلّون عن هذه التصرّفات في قادم الأيام، على أن ندرك تمام الإدراك وجودهم وشخوصهم ودوافعهم حتى نقرأ منشورهم ونفهم مغازيهم ثم نسحب السبّابة للأعلى بحثًا عن منشور مفيد.

كاتب من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية