عملية «كريات ملاخي» واقتراب رمضان يعيدان القدس إلى صدارة المشهد

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: بإعلان استشهاد الشاب الأربعيني فادي جمجوم من مخيم شعفاط شمالي القدس، إثر تنفيذه عملية إطلاق نار، الجمعة، أسفرت عن مقتل إسرائيليين وإصابة أربعة آخرين، أحدهم وصفت حالته بأنها ميئوس منها، فإن القلق الإسرائيلي يكون قد تضاعف، وهو ما انعكس على هجمة شرطة الاحتلال على مخيم شعفاط حيث دارت مواجهات مع شبان المخيم لساعات متواصلة.
ونفذ جمجوم عمليته في محطّة حافلات قرب “كريات ملاخي” شرق أسدود، وهي منطقة أقرب إلى غزة وقريبة من قواعد جوية وعسكرية إسرائيلية وذلك بعد توقف في عمليات المقاومة الموجعة لأسابيع رافقه تراجع اقتحامات جيش الاحتلال لمدن الضفة ومخيماتها الرئيسية مثل مخيم جنين ومخيمي طولكرم ونور شمس.
وبعد العملية المؤلمة مكانا وتوقيتا اقتحم جيش الاحتلال مخيم شعفاط وداهم منزل الشهيد جمجوم، وقام الجنود بتحطيم أثاث المنزل، كما داهموا بيت عزاء الشهيد في وقت لاحق في مدينة الخليل حيث أجبروا عائلة جمجوم على إغلاقه تحت تهديد السلاح حيث اندلعت مواجهات بين الجنود والشبان.
كما استدعى الاحتلال زوجة الشهيد جمجوم ووالده وشقيقه إلى التحقيق ولم يتم الإفراج عنهم حتى ساعات متأخرة من مساء أمس.
وكان الحدث الأبرز بعد العملية اندلاع مواجهات في مخيم شعفاط، أطلق خلالها الشبان الألعاب النارية والحجارة على الجنود، بينما أطلق الجنود قنابل الغاز بكثافة.
كما وأغلقت قوات الاحتلال حاجز مخيم شعفاط ومنعت الدخول والخروج من المخيم، وسط اندلاع مواجهات مع قوات الاحتلال التي داهمت عددا من المنازل. ورافق ذلك إغلاق الاحتلال حاجز الزعيم شرق القدس المحتلة، ما تسبب بأزمة مرورية خانقة.
فيما اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس، العملية، من دون أن تتبناها، “ردا طبيعيا على جرائم الإبادة في غزة وجرائم الاحتلال ومستوطنيه في الضفة والقدس” مؤكدة أن النضال والمقاومة ستتواصل “حتى تحرير أرضنا ومقدساتنا”.
كما باركت حركة الجهاد الإسلامي العملية، وقالت إنها “رد طبيعي على حرب الإبادة في غزة والضفة” مطالبة بتكثيف العمليات و”إيلام العدو”. وأشادت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالعملية “النوعية” وأكدت أنها “رد طبيعي على استمرار جرائم الاحتلال وحرب الإبادة”. وكذلك الأمر مع حركة المجاهدين التي قالت: “نبارك هذه العملية النوعية، وهي امتداد طبيعي لمعركة طوفان الأقصى وضربة جديدة للمنظومة الأمنية الصهيونية، وعلى الاحتلال أن يتوقع المزيد من العمليات في كل مكان”.

تحذيرات وقف الحرب

وبحسب الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية الدكتور مصطفى البرغوثي فإن ما جرى في عملية “كريات ملاخي” يفسر معنى التحذيرات بضرورة وقف الحرب على غزة، وأن على نتنياهو أن يتوقف عن المماطلة وأن يدخل في صفقة مع حماس لتبادل الأسرى.
وقال البرغوثي إن ما يلفت الانتباه في العملية ان من نفذها هو شاب عمره أربعين عاما، وليس فتى مندفعا، وهذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن العملية تأتي ونحن على اعتاب حلول شهر رمضان المبارك.
وتابع: “جرت العملية في ظل تعاظم الصور التي تتكاثر يوميا على شاشات التلفزة من قتل وتنكيل وإجرام إسرائيلي في غزة والضفة الغربية والقدس أيضا”.
واعتبر أن الأرقام التي تقول إن غزة وقع فيها نحو 35 ألف شهيد وأكثر من 68 ألف جريح يعني أن 5 في المئة من سكان القطاع شهداء، إلى جانب أن ظروف الحياة هي غاية في القسوة حيث لا تفسير لما يجري إلا باستخدام كلمة الإبادة الجماعية، “وهو ما يستفز مشاعر الفلسطينيين حيث ظروف الحياة في القطاع تعكس حالة إنسانية غاية في القسوة”.
وشدد أن العملية تفسر معنى التحذيرات التي أطلقت وشددت أن على نتنياهو أن يتوقف عن المماطلة، ويدخل في صفقة، وأن يوقف الحرب وإلا يمكن للضفة الغربية أن تشتغل وكذلك الجبهة في الشمال التي تشهد تصاعدا متزايدا مع المقاومة ممثلا بحزب الله.
واعتبر البرغوثي أن المسؤول الأول عن كل إسرائيلي يموت هو نتنياهو والفاشيين في حكومته اليمينية المتطرفة، مضيفا: “السياسة الإسرائيلية تشبه بالضبط وصف كلمة الجنون بعينه. حيث هناك تكرار عمل سياسات القمع والتنكيل، وهي سياسة ترى أن كل الفلسطينيين قتلة، أما ما يقوم به جيش الاحتلال فهو عمل نبيل”.
وأرسل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “تعازيه القلبية” إلى عائلات القتلى في الهجوم عند مفرق رام، و”أصلي من أجل السلام للجرحى”.
وقال تصريحا تصعيديا وينذر بمزيد من الإجراءات في الضفة الغربية والقدس حيث شدد نتنياهو: “هذا الهجوم يذكرنا بأن البلاد كلها هي جبهة وأن القتلة الذين لا يأتون من غزة فقط، يريدون قتلنا جميعا. سنواصل النضال حتى النصر الكامل بكل قوتنا، على كل الجبهات وفي كل مكان، حتى نعيد الأمن والسلام لجميع مواطني إسرائيل”.
أما الخبير في الشؤون الإسرائيلية الكاتب مهند مصطفى فاعتبر أن عملية “كريات ملاخي” أثبتت فشل حكومة نتنياهو وسياسة بن غفير القاضية بتسليح الإسرائيليين لتحقيق أمنهم الشخصي.
وقال إن العملية يمكن تناولها ضمن مستويين الأول وهو الأهم المستوى العام للعملية، حيث يظهر فشل حكومة نتنياهو التي أصبح ينظر لها على أنها من أكثر الحكومات الإسرائيلية فشلا في تاريخ إسرائيل، حيث أن العملية تؤكد هذه المقولة وتصل لنفس النتيجة.
وتابع حديثه: “الحكومة اليمينية جاءت لتحقيق هدفين مركزيين لليمين الإسرائيلي، الأول، إحداث تغيرات دستورية في المنظومة القضائية الإسرائيلية، والثاني، تحقيق الأمن الشخصي والقومي للإسرائيليين، ويبدو أن الحكومة فشلت في تحقيق الهدفين معا، حيث نرى أنه على المستوى الأمني قتل منذ 7أكتوبر وحتى اليوم نحو 35 إسرائيليا، في حيث قتل 31 إسرائيليا خلال عام 2022.
ويرى الكاتب مصطفى أن هذا يؤكد فشل الحكومة وسياساتها، كما يثبت فشل الوزير المتطرف ايتمار بن غفير بشكل شخصي.
وحسب المحلل فإن بن غفير الذي يعتبر وزيرا شعبويا، جاء تحت لافتة تحقيق الأمن الشخصي بعد 7 أكتوبر، حيث قام بتسليح الإسرائيليين، كما أقام حوالي 750 فرقة حراسة داخل المجتمع الإسرائيلي، ومع ذلك لم ينجح كل ذلك في تحقيق الأمن الشخصي ومنع العملية التي تعتبر رد فعل طبيعيا على القتل والقمع في الضفة والقدس والقطاع.
وكعادة بن غفير، حضر إلى مكان العملية وهناك أطلق شعاره وكرره ومفاده أن “السلاح ينقذ الأرواح” وتعهد بالعمل على توسيع سياسته في إتاحة السلاح لمواطني “دولة إسرائيل”.
وقال إن جهاز الشرطة يعمل بشكل رائع، ولكنه غير موجود في كل مكان.
وأعلن وزير الأمن القومي بن غفير أنه سيسهل القوانين التي تسمح للمستوطنين بحمل السلاح.
وقال خلال تفقده موقع إطلاق النار: “السلاح ينقذ حياة الناس، سأوسع وأزيد القوانين للسماح للمواطنين بتسليح أنفسهم. فقط بخط حازم يمكننا محاربة الإرهاب سواء في غزة أو في لبنان”.
ويرصد مصطفى ان المعطيات تشير إلى أن العملية جزء من الإطار العام للحكومة التي فشلت في كل محطاتها منذ تأسيسها وحتى الآن، والنتيجة المتوقعة هو أن الإسرائيليين، وكعاتهم بعد كل عملية، يكثرون من المقولات والدعوات التحريضية على الفلسطينيين، حيث تظهر النزعة الانتقامية التي عبر عنها نتنياهو في تصريحاته بعد العملية حيث برز خطاب المستعمر الذي لا يرى أعماله بل ينظر للفلسطينيين على أنهم قتلة.

القدس تعود للواجهة

وبالعودة إلى القدس حيث يعيش منفذ العملية، وهو ما يعيد التأكيد على المخاوف الإسرائيلية المرتبطة بالانفجار القادم من المدينة المحتلة التي تشهد أوسع عمليات الهدم والاعتقال والتضييق على المصليين وتحديدا في أيام الجمع إلى جانب عمليات القتل للشبان الصغار والأطفال.
وكشفت القناة 12 الإسرائيلية، مساء الجمعة، أن حكومة الاحتلال ستناقش في الأيام المقبلة مسألة دخول المصلين إلى المسجد الأقصى في شهر رمضان، وسط خلاف في الرأي بين المستويين السياسي والأمني.
وأوضحت القناة 12 أن جيش الاحتلال وجهاز الشاباك طلبا تحديد عمر الفلسطينيين من الضفة الغربية الذين سيسمح لهم بالدخول إلى المسجد الأقصى في رمضان بـ45 عامًا فما فوق، في حين طلبت الشرطة أن يكون العمر 60 عامًا فما فوق.
وأضافت، أن بن غفير، وزير الأمن القومي، يريد منع جميع الفلسطينيين من الضفة الغربية من دخول المسجد الأقصى، غير أن الجيش والشاباك يحذران أن هذا القرار قد يؤدي لاشتعال الميدان في مناطق كاملة، وتحول المسجد الأقصى لمكان تتوحد حوله الساحات.
النقاش “المتفجر” كما وصفته القناة 12 حول المسجد الأقصى لا يقتصر على الفلسطينيين من الضفة الغربية، بل هناك أيضًا مطالباتٌ بتقييد دخول الفلسطينيين من داخل الخط الأخضر إلى المسجد الأقصى، فالوزير الإرهابي ايتمار بن غفير يريد أن يكون العمر المسموح له بدخول المسجد الأقصى 70 سنة فما فوق، بينما تطلب الشرطة أن يكون دخول المسجد الأقصى مقتصرًا على الذين تزيد أعمارهم عن 45 سنة، بينما يرفض جهاز الشاباك أي قيود على وصول فلسطينيي الداخل إلى المسجد الأقصى.
وبعد السابع من أكتوبر العام الماضي، أغلقت سلطات الاحتلال المسجد الأقصى بالكامل ومنعت حتى إقامة صلاة الجمعة لأكثر من شهر، ثم سمحت بالصلاة لأعداد لا تزيد عن خمسة آلاف شخص فقط في يوم الجمعة، قبل أن يزيد العدد في الجمع الأخيرة عن 12 ألف شخص، ويصل يوم الجمعة 17 شباط/فبراير إلى 25 ألف مصل للمرة الأولى منذ 133 يومًا.
وتخشى المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وكذلك الإدارة الأمريكية، من أن يشهد شهر رمضان انفجارًا في الوضع الأمني الذي يقف على حافة الهاوية في القدس والضفة، وإذا كان الشهر الفضيل قد شهد بالفعل في السنوات الماضية مواجهات عنيفة وعمليات إطلاق نار، فإن الأحداث التي شهدها مخيم شعفاط طوال ساعات مساء الجمعة وبعد عملية جمجوم في “كريات ملاخي” حيث المواجهات الحامية مع مئات الشبان تحمل دلالة أن الشرارة موجودة، وقد يكتب أن يكون رمضان المقبل سريعا سببا في إطلاقها بفعل سياسات الاحتلال وجرائمه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية