الناصرة ـ «القدس العربي»: تسلط ورقة عمل لمؤسسة الدراسات الفلسطينية على الاستهداف الإسرائيلي المدعوم من الغرب الصحافة والصحافيين في فلسطين بصورة ممنهجة ومقصودة نظراً إلى كونهم حملة السردية الفلسطينية، ومدونيها، وموثقيها، لما هم عليه كشهود أوائل على أحداثها. ويعود هذا التقرير البحثي للسياق التاريخي فيقول إن عمل الصحافة الفلسطينية واكب مراحل تطور القضية الفلسطينية بمنعطفاتها التاريخية والسياسية منذ ما قبل سنة 1908 وهي السنة التي يُشار إليها بعام الصحافة الفلسطينية. ونظراً إلى الدور الذي اضطلع به رؤساء التحرير والصحافيون في حينه؛ من إفراد مساحات كبيرة ورئيسية على صفحات جرائدهم لنقد السياسات العثمانية، ومن ثم سياسات الانتداب البريطاني لاحقاً، والممارسات الصهيونية خلال الفترتَين، فقد تعرضوا لكثير من المضايقات، سواء من قبيل الملاحقة والاعتقال أم عبر إغلاق الصحف أو التسبب باحتجابها، كما حدث مع صاحب امتياز جريدة “الكرمل” ورئيس تحريرها، نجيب نصار أو كما حدث مع صاحب امتياز ورئيس تحرير صحيفة “فلسطين” عيسى العيسى، الذي اعتُقل ونُفي هو الآخر. ومع قيام إسرائيل في إثر نكبة فلسطين سنة 1948 دُمّر الجسم الصحافي في سياق عملية تدمير الكيانية الفلسطينية، وخضع قطاع الإعلام الفلسطيني بعد النكبة لمعامل الشتات، كما خضع للإدارات التي حكمت الضفة الغربية وقطاع غزة إبان الحكمَين الأردني والمصري، وظل الخبر الفلسطيني بدلالاته الهوياتية ملتبساً حتى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964؛ إذ شهد العمل الإعلامي حينها نهضة أُخرى فيما وصف حينها بإعلام الثورة، وذلك حتى قرار توحيد أجهزة الإعلام الفلسطيني ومؤسساته المتعددة لدى الفصائل الفلسطينية في جهاز واحد، هو “الإعلام الموحد”.
دور حاسم
أدى الإعلام الفلسطيني خلال تلك الفترة دوراً مهماً وحاسماً في تشكيل رواية الثورة الفلسطينية، وتثبيت الهوية الوطنية، كما كان له دور فعال في تعبئة الشعب الفلسطيني وتنظيمه، سواء أكان داخل الأرض المحتلة أم في الشتات، وهو ما أزعج القادة الإسرائيليين. لكن مقدرة قيادات الثورة الفلسطينية، في حينها، على إعادة صوغ الرواية الفلسطينية، فضلاً عن المقدرة على ترويجها، جعل من هذه الرواية وحملتها مستهدفين بسلسلة من الاغتيالات التي سطرت تاريخ الثورة الفلسطينية والعمل الصحافي الفلسطيني، فكان الكتاب والأدباء والمثقفون والإعلاميون كالفدائيين، يتواجدون على قائمة الاغتيالات الصهيونية، فشهد الإعلام الفلسطيني سلسلة من اغتيالات مسؤوليه والناطقين باسم الثورة أو رؤساء تحرير صحف فصائلية مهمة، ككمال ناصر، وماجد أبو شرار، وكمال عدوان، ووائل زعيتر، وغيرهم.
وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقات أوسلو سنة 1994 شهد قطاع الإعلام في فلسطين نهضة ازدهر خلالها العمل الصحافي، إذ سُمح في تلك الفترة بإنشاء المؤسسات الإعلامية الفلسطينية الرسمية والخاصة، فأُنشئت هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، وأُطلقت وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” من فلسطين، وقد تزامن ذلك مع ازدهار قطاع الإعلام المسموع عبر المحطات الإذاعية الخاصة، وإنشاء الصحف الفلسطينية. وفي الفترات اللاحقة، ابتداء من سنة 2005 ازدهرت صحافة المواقع الإلكترونية والمنتديات والمدونات عبر الشبكة العنكبوتية إلى جانب الصحافة التقليدية، وأُطلقت وكالات أنباء إلكترونية خاصة، واستمر الحال هكذا حتى سنة 2011 التي شهدت ازدهار مواقع التواصل الاجتماعي. ويمكن الزعم أن الفلسطيني، في تلك الفترة، أصبح قادراً على صوغ روايته وسرديته بصورة أكبر، سواء أكانت سردية فلسطينية رسمية، أم سردية مضادة لسردية السلطة الفلسطينية، كما أصبح قادراً بموجب الثورة الاتصالية والمعلوماتية على تحدي السردية الاستعمارية التي تقلب الحقائق وتزيّفها، فعاد الصحافي الفلسطيني وقطاع الإعلام ليكونا مستهدفَين من جديد؛ فبعد انتفاضة الأقصى سنة 2002 عادت دولة الاستعمار الصهيوني إلى نهجها القصدي والممنهج في استهداف الصحافيين الفلسطينيين فقامت بتدمير مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني، بالإضافة إلى عدة مقرات إعلامية خاصة في مناطق السلطة الفلسطينية، واستمرت في ملاحقة الصحافيين واعتقالهم، وإغلاق المكاتب الإعلامية بحجج وذرائع متعددة، وخصوصاً في أوقات العدوان المتكرر على قطاع غزة، أو الهبّات الفلسطينية؛ كـ “انتفاضة القدس” سنة 2015 و “هبّة باب الأسباط” سنة 2017 وأحداث الشيخ جراح وحرب غزة سنة 2021 وما تخللها من أحداث اقتحامات واجتياحات للمخيمات والمدن الفلسطينية، والتي كانت شاهدة على استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة سنة 2022.
استهداف الشهود على 7 اكتوبر
وحسب التقرير لا يمكن فصل ما يحدث من استهداف للقطاع الإعلامي وللصحافيين الفلسطينيين بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن السياق العام المشار إليه سابقاً، والذي يتبنّى منظومة من الأدوات الاستعمارية التي تستهدف محو الفلسطيني عبْر محو سرديته، بحيث يتم استهداف شاهدية الشهود على الفظائع والجرائم عن طريق الاستهداف المتعمد للجسم الصحافي الفلسطيني بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، وهو ما وصل في توصيف ما يحدث في قطاع غزة إلى كونه “الأكثر فتكاً وقتلاً للصحافيين” أو باعتباره “مقتلة للصحافيين الفلسطينيين عبر استهدافهم ومقار عملهم بشكل ممنهج في مسعى لفرض تعتيم إعلامي حقيقي وشامل على القطاع بأكمله”. إذ اغتالت ماكينة الحرب الصهيونية حتى 1 شباط/فبراير 2024 أي مع مرور 118 يوماً من الحرب، 122 صحافياً، أي ما يعادل قتل صحافي واحد يومياً، وهو عدد يتخطى، في بعض التقديرات، عدد القتلى من الصحافيين خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، والتي امتدت على الفترة 1939 – 1945 والتي وُصفت بأنها الأكثر دموية في تاريخ البشرية الحديث، إذ قُتل خلالها 69 صحافياً.
ولم يتوقف الأمر عند استهداف الصحافيين وحسب، بل أيضاً شمل عائلاتهم، كما حدث مع صحافيَي “قناة الجزيرة” وائل الدحدوح ومؤمن الشرافي، بالإضافة إلى استشهاد مراسل “تلفزيون فلسطين” محمد أبو حطب، مع 11 فرداً من أسرته، والصحافي في “وكالة وفا” محمد أبو حصيرة، مع أكثر من 40 فرداً من عائلته، في قصف استهدف منزلَيهما. وامتدت هذه الاستهدافات لتشمل كذلك مقار الهيئات والوكالات والمؤسسات الإعلامية العاملة في القطاع، ومنها مكاتب قناة “الجزيرة” و”وكالة الأنباء الفرنسية” وقناة “الشرق” ووكالة “وفا” وصحيفة “الأيام” ووكالة “شهاب” فبلغ عدد المقار المدمرة، كلياً أو جزئياً، حتى تاريخ 1 شباط/فبراير 2024 أكثر من 70 مقراً. كما شمل الاستهداف ممارسات قمعية أُخرى، تندرج في إطار الجرائم الدولية، عبر الاختفاء القسري، كما حدث مع الصحافيَين، نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، اللذين رفضت محكمة الاستئناف العليا الإسرائيلية طلباً تقدمت به نقابة الصحافيين الفلسطينيين للكشف عن مصيرهما بعد فقدان آثارهما بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في أثناء عملهما عند حاجز بيت حانون. وقد شمل هذا الاستهداف التهديد والترويع والترهيب، كإرسال رسائل تهديد بالقتل؛ كما كشف الصحافي أنس الشريف، الذي يعمل لمصلحة قناة “الجزيرة” في قطاع غزة، والذي تلقى تهديدات من ضباط إسرائيليين لوقف تغطيته للحرب الإسرائيلية على القطاع أو كما حدث مع مراسل صحيفة “الحدث” مثنى النجار، الذي تم تعميم صورته على وسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية مع تهديدات بالملاحقة والقتل بسبب تغطيته أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر من داخل المستوطنات المحاصرة لقطاع غزة.
الضفة الغربية
ولم يقتصر استهداف الصحافيين على قطاع غزة فحسب، بل أيضاً شمل الضفة الغربية، إذ شنت آلة الحرب الصهيونية حملة شعواء ضد الصحافيين والعمل الصحافي، اعتُقل فيها الصحافيون، وأُغلقت مؤسسات ومقار إعلامية، فبحسب تقرير لنقابة الصحافيين الفلسطينيين، اعتُقل 50 صحافياً منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، وتخلل ذلك اقتحام المنازل وتحطيم الأثاث ومصادرة المعدات وأجهزة الاتصال الخلوي والاعتداء بالضرب عليهم.
ويشير التقرير إلى أن أغلبية الصحافيين المعتقَلين لا يزالون قيد الاعتقال من دون محاكمة، بينما يتعرض العديد منهم للتنكيل والتعذيب، إذ أشار نادي الأسير الفلسطيني إلى أن الصحافي معاذ عمارنة، المعتقل لدى إسرائيل منذ 16 تشرين الأول/أكتوبر 2023 يعاني جرّاء أوضاع اعتقال صعبة، ويتعرض للتعذيب والتنكيل، ولديه صعوبة في الرؤية وغباش في عينه اليمنى، وكان عمارنة قد فقد عينه اليسرى قبل 4 سنوات عند تغطيته للمواجهات مع قوات الاحتلال في الضفة الغربية. بينما تعرض أكثر من 16 صحافياً للاستدعاء من جانب استخبارات الاحتلال، وعُرض 57 أيضاً على المحاكم العسكرية، وفُرضت بحق بعضهم غرامات مالية باهظة. وهو انتهاك صارخ لضمانات المحاكمة العادلة التي تشكّل بحد ذاتها، علاوة على الانتهاكات الجسيمة السابقة الذكر، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وبروتوكولها الأول، وبموجب أحكام النظام الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.
شمال فلسطين
وطبقا لتقرير مؤسسة الدراسات الفلسطينية فقد طال الاستهداف أيضاً الصحافيين العاملين على تغطية الأحداث في شمال فلسطين التاريخية والجنوب اللبناني، فاستشهد الصحافي اللبناني عصام عبد الله، الذي يعمل في وكالة “رويترز” في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأصيب معه 6 صحافيين آخرين من “وكالة الصحافة الفرنسية” و”الجزيرة” و”رويترز” وذلك بعدما استهدفتهم قذيفتان في أثناء رصدهم الأحداث فوق تلة في الجنوب اللبناني في علما الشعب، بينما كانوا بعيدين عن أي موقع عسكري، وكانوا يضعون إشارات للتعريف بهم بصفتهم صحافيين. كما استشهد الصحافيان العاملان في قناة “الميادين” فرح عمر وربيع المعماري، في غارة إسرائيلية استهدفتهما في بلدة طير حرفا جنوبي لبنان في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2023. واستهدفت القذائف الصاروخية الإسرائيلية فرقاً إعلامية في بلدة يارون الحدودية جنوبي لبنان، وهو ما أسفر عن إصابة مصور “الجزيرة” عصام مواسي، بجروح طفيفة، وتضرُر عربة البث، وذلك في أثناء جولة ميدانية بتاريخ 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 للاطلاع على أضرار ناتجة عن القصف الإسرائيلي الذي استهدف البلدة في اليوم السابق.[15] وهو ما يؤكد الاستهداف الممنهج والواسع النطاق للصحافيين خلال العدوان على قطاع غزة، ويشكّل أدلة قوية على جرائم دولية استهدفتهم واستهدفت وسائل الإعلام خلال العدوان.