تمّ في القاهرة وضمن فعاليات وأنشطة معرض القاهرة للكتاب، في دورته الخامسة والخمسين الاحتفاء بصدور الأعمال الشعرية للشاعر هاشم شفيق، في أمسية تحت عنوان «اللقاء الشعري» وقد ساهم فيها الشاعر شفيق بقراءة بعض قصائده، فقرأ للحاضرين في مستهل الندوة قصيدة «الأخطل التغلبي» ثم تبعها بقصيدة «عودة يوليسيس» وتنوّعت القراءات ما بين القصائد العاطفية والوجدانية وصولاً الى قصائده الجديدة عن مصر، من ديوانه الجديد عن مصر «ناي لجنوبها… أغنية لدلتاها».
تحدّث في البدء الشاعر المصري أحمد الشهاوي، مشيراً الى أهم محطات الشاعر ضمن سيرته الشعرية، تلاه مقدّم الأمسية بأسئلة حوارية لافتة من الشاعر هاني الصلوي، لتليه ورقة نقدية من الشاعر والصحافي المصري عيد عبد الحليم تناولت تجربة الشاعر المحتفى به.
هنا جزء من مقدمة الأعمال الشعرية في طبعتها الجديدة، مع قصيدة «يوليسيس» وهي من جو الأمسية الأدبية التي أقيمت في الرابع من الشهر الحالي:
منذ تفتّحتْ عيناي على الحياة ورأيتُ الدنيا، رأيت الشعر، لم أرَ أحداً سواه، رأيته في قطرات الحليب التي كانت تنزل في فمي من الأم، رأيته في قبلات رعاية الأب، وحنوّه وشقائه، وسيره نحو النهايات، رأيته في عيون الأطفال والأمهات والنساء المتلفّعات بالسواد، رأيته في عيون البنات العاشقات، وفي قلوب المُحبّين، رأيته يسير معي في حي فقير، ويداري شقائي وفاقتي، ويعدني بأنّ الأحوال لا بدّ أن تتغيّر، ولا بدّ أن أشبّ وأقوى، لأشق الطريق، مهما كان صعباً، فالشعر قد يساعد ويخفف العبء، ولذلك سرت معه، كحبيب دائمي، وأنا صبي في الرابعة عشرة، كنت أختلي به في الغرف المتقشّفة، والسطوح المشمسة، والزوايا الظليلة، لكي أمتح منه، دون كلال، ودون ملال، فهو الشيء الوحيد الذي ظللتُ معه طوال حياتي ولم أفترق عنه، أو أملّه كشريك لي، أو كرفيق ورديف ونظير لي في حياتي أبداً، بل كلما تقدّمتُ في السن، زاد تعلقي به أكثر، لقد أخلصتُ له، ولم أحب أحداً سواه، بل سرت معه ومشيت، فخاطرنا معاً، وتجاوزنا الصعاب، عبرنا أسلاكاً وأسواراً وحدوداً، واخترقنا الممنوع، وتمرّدنا على كلّ وصية ومسلك وسبيل، لم نرغب السير فيه، فتعدّيناه، الى ما نبتغي ونريد ونُحبّ كلانا، لقد جعنا وبردنا وتشرّدنا، وسهرنا ونمنا معاً في سرير واحد، وأكلنا من صحن واحد، وشربنا من كأس واحدة، ولم نمل من بعضنا، كان أكبر من اقتران، وزواج وحب عابر أو مؤقت، كان هو العشق ذاته، والوجدان ذاته، والمشاعر ذاتها، وهو كان كل الأحاسيس والشهوات واللذات. كان في الحقيقة حباً كبيراً وعظيماً، فاق كل تصوّر، فهو تارة يتشبه بحبيبة، بابنة، بابن، بزوجة، بعاشقة، بأمٍّ وبأبٍ وجَدٍّ، فهو كل هذه التسميات، وهو أكبر من أن يوصف أحياناً، ولهذا ذهبت معه الى آخر الأشواط، سافرنا وتشرّدنا وتسكّعنا، وجلنا في كل مكان، هاجرنا وطوردنا ومُنعنا، لكننا لم نتخلّ عن بعضنا، كون الشعر بالنسبة لصاحبه هو القدر نفسه، لا بل هو الحياة ذاتها، بكل تجلياتها ومذاهبها وأشكالها وطبيعتها، فهو علّمني فنّ الحياة، علّمني كيف أُحبّ الحب، كيف أُحب الطبيعة والبشر، وكيف أميّز بين الشر والخير، بين الموبقات والحسنات، بين التافه والنافع، بين الحجر والخبز، فالشعر ولا أريد أن أكفّر نفسي، هو مذهبي وديني وإلهي الخاص، من هنا كنت أنحاز للإنسانية، للصحيح والجميل والحسّي، ومنه هنا كنت مع الله، وأرأف أحياناً بالشيطان، مهما تشيطن معي، فالشعر هو أكثر دهاء وحنكة منه، وأكثر لمعاناً من الأوصياء، ومن يدّعون احتكار الحقائق، ومن يتسيّدون على البشرية، دون مشورة منهم، ومن يستغلون الحياة ويجرحونها، ومن يقتلون تحت اليافطات، ويسجنون تحت أسباب واهية، وغير منطقية وظالمة، ومن يتصوّرون على أنهم خُلقوا ليكونوا أسياداً على الآخرين، لاعقين الوهم والخرافة ومحولينها الى تراب.
لهذه الأسباب كلها دخلني الشعر ودخلته، لأكون هو ويكون أنا، في بيت شعري لي، من إحدى قصائدي أقول: «أنا الشعر» ليس تبجّحاً، ولا مراءاة، أو نرجسية، بل إني مجرد عاشق له، وهناك مثلي مئات من الشعراء، لهم التصوّرات ذاتها، والمفاهيم ذاتها، وحتى النظريات ذاتها، وأقصد الأنسقة، والرؤى والتشاكيل والأساليب والمعاني، هي هي تطاردهم ويطاردونها، في كلّ زمان ومكان، وفي كل بلدة وقرية ومعمورة من هذا العالم. هناك شعراء، يدارون الحياة ويحنون عليها، يشفون جروحها، حادبين على مسارها، لكي يستمرّ الشعر مع النبض والنفَس والشهقة للإنسان، مع النظرة الأولى التي تقع على الشجرة، على نجمة في السماء، على شامة لفتاة، وخلخال لسيدة، له رنّة الشعر وإيقاعه على الأرض، حين يدقّ ويسير ويُصدر الخلخلة، الشعر خلخلة للوجود، وللكون، ولا أريد أن أبالغ لأقول إنه الكون ذاته.
عودة يوليسيس
يوليسيسُ أنا
قضّيتُ حياةً كاملةً،
أبحث فيها
عن شيءٍ مفقودٍ،
عن سرٍّ ما،
عن معنىً لوجودي،
قلّبتُ العالمَ في كفيَّ،
نضوتُ مدائنَ عني
وتفحّصتُ حواضرَ شتى،
في كلِّ الحاناتِ ثملتُ
وبين كراسي الحانةِ نمتُ
وفي الآخرِ شِختُ
أمام النُّدْلِ
وروّادِ الحانِ
ولم يأتِ الى المنفى نبأٌ من بلدي
فظللتُ طَوال حياتي
أشربُ نفسي وأئنُّ
أنا يوليسيسُ،
أخيراً عدتُ من المنفى
فوجدتُ طلولاً
وطبولاً
ودماً مهدوراً في الطرقاتِ
فصرتُ لمنفايَ أحنُّ.