يرتبك المذيع وتتغير نبرة صوته. تعقد الصدمة لسانه فيردد غير مصدق… «من؟ رئيس الجمهورية؟ يبدو لي أن معنا رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي». إن المتصل المفاجئ والاستثنائي على خط الاذاعة الرسمية في تونس هو بالفعل صاحب الفخامة. لقد رفع الرئيس أخيرا سماعة الهاتف وتدخل مثل باقي المستمعين في برنامج مباشر بثته المحطة من محافظة جندوبة في الشمال الغربي للبلاد. كان اختيار المحافظة مقصودا، بعد أن صارت معظم بلداتها بفعل امتلاء السدود واستمرار هطول الامطار مدنا وقرى عائمة ومنكوبة، أما الاتصال فكان بدوره مخططا بعناية. وها هو الباجي يجيب منتقديه ومن أقاموا الدنيا ولم يقعدوها حين توارى عن الانظار، في عز كارثة السيول التي ضربت تلك المناطق، بأنه ما يزال موجودا وقادرا على المسك بسماعة الهاتف ومشاركة المستمعين في تدخلاتهم ومواقفهم على الهواء، وبعث إشارة رمزية لمن أعطوه أصواتهم بكثافة ورأوا فيه المنقذ والمخلص، على انه يتابع معهم فصول المأساة الإنسانية التي تتكرر كل عام مع هطول الامطار بغزارة وامتلاء السدود واقتراب شبح الفيضانات.
هل كان الامر تكتيكا ذكيا وبارعا من فريق اعلامي متمرس، عرض الفكرة عليه واقنعه بها، أم تصرفا فرديا لتسعيني عاصر اول رئيس تونسي وخبر شغفه بأمرين نادرين ومهمين للتواصل في عصره، وهما الهاتف والراديو؟ لا أحد يعلم بالتحديد، فقد أحاطت بساكن قرطاج الجديد، وبعد دخوله القصر في اعقاب «الفتح الانتخابي» المبين كتيبة من المستشارين لم يكن من السهل الاقتراب منها، وسرت منذ الايام الاولى قصص كثيرة حول تزايد نفوذها وتأثيرها على الرجل وحتى على مواقفه وقراراته. وفي اواخر يناير الماضي، أي قبل انقضاء الشهر الأول على استلامه المنصب، بدأت اولى التسريبات بالخروج على لسان محاميه الخاص، وهو ايضا قيادي بارز في حزبه «حركة نداء تونس»، واشارت صراحة إلى أن «البجبوج» مثلما لقبه انصاره صار محاصرا داخل قصره. لقد غيرت «جماعة القصر»، كما وصفها ارقام هواتفه و»عزلته عن محيطه الطبيعي»، بحسب ما صرح به إلى موقع «حقائق اون لاين» في السابع والعشرين من يناير الماضي. حتى اختيار الفريق الحكومي الاول لرئيس الحكومة المكلف الحبيب الصيد، الذي لم يصمد طويلا وسقط سريعا في الماء بعد رفض حركة النهضة وتململ وغضب اطراف نافذة من حزب نداء تونس نفسه كان، وفق ما يتداول في تونس، من تخطيط الجماعة. لكن هل مجرد تغيير ارقام الهواتف وصعوبة الحصول على موعد مع الرئيس تكفي للدلالة على انه محاصر لا حول له ولا قوة له، وان « جماعة» المستشارين النافذين هي صاحبة القرار الحقيقي والقول الفصل داخل القصر وخارجه بالضرورة؟
هناك جانب مهم في القصة، وهو علاقة الرئيس بحزبه قبل وبعد الانتخابات، فحزب نداء تونس توليفة عجيبة وهجينة من الدستوريين، أي المنتمين للحزب الحاكم المنحل واليساريين والنقابيين، تلك التوليفة توصف عادة بالروافد، وتفخر قيادات الصف الاول في الحزب، الذي لم يعقد مؤتمره الانتخابي الاول إلى الان، بانه حزب مفتوح ومتعدد الرؤى والافكار. لكن الحقيقة عكس ذلك تماما، فالخيط الذي ربط «الشامي بالمغربي» في السابق كان التخلص من الغريم اللدود، اي حزب حركة النهضة وازاحته من السلطة. ولاجل ذلك كان الهدف مرسوما بدقة منذ البداية والادوار موزعة وجاهزة على المقاس، أما قائد الاوركسترا فكان حاضرا للمهمة وغير مستعد ولا قابل لاطلاع الباقين على التفاصيل. أما بعد الفوز في الانتخابات وتصدر النداء، ثم دخول الباجي قصر قرطاج فقد ذاب الخيط تماما وتقطع، ولم يعد هناك من رابط بل صارت الروافد ذئابا منفردة تتقاتل علنا على شاشات التلفزيونات، وتصدر البيانات والمواقف الاحتجاجية ضد بعضها بعضا، من اجل افتكاك نصيبها من كعكة السلطة.
خلف الكواليس كان الباجي يبذل جهودا محدودة لادارة ما بدا ازمة تعصف بالحزب الحاكم الجديد، وتوشك أن تحوله إلى شظايا واشلاء متناثرة، لكن تلك الجهود لم تكن حاسمة لرأب الصدع، فهوة الخلافات بدت كبيرة بين القابلين لوجود الاسلاميين طرفا في الحكم والرافضين لهم بشدة. والشره المحموم إلى المناصب والمسؤوليات العليا داخل مفاصل الدولة صار مكشوفا وزائدا عن الحد. كل ذلك كان منتظرا ومتوقعا بالنسبة لقائد الاوركسترا. فمن الطبيعي أن يحصل اضطراب داخل الفرقة في غياب المايسترو وانشغاله بشؤون المنصب الجديد وافتقاد الاعضاء لنوتة موحدة ظلوا يعزفونها بحماس وانضباط طوال الشهور السابقة. لكن بقاء الحزب قد لا يعني الشيء الكثير للباجي، فما يهمه في المقام الاول هو انه حقق حلمه وطموحه الشخصي في أن يصبح خليفة للرئيس، الذي عمل معه في مواقع مختلفة منذ السنوات الاولى للاستقلال. لقد قال لصحافي التلفزيون التونسي الذي جاء لاجراء المقابلة الاولى معه بعد استلامه المنصب بانه لطالما جاء سابقا إلى المكتب الذي جرى فيه اللقاء، لكنه لم يجلس ابدا في كل تلك الزيارات على الكرسي الذي صار بوسعه الجلوس عليه الان، اي كرسي الرئيس وتجاربه جعلته يعرف القصر ويخبر المؤامرات التي تحاك باستمرار داخله، ويدرك ايضا تقلب المحيطين بالرجل الاول وتملقهم وزيفهم، وهو لاجل ذلك قد لا يجد حرجا على الاطلاق في أن يوصف بالمحاصر، الذي لا يملك حولا ولا قوة، بل ربما يستمتع في قرارة نفسه بذلك الوصف، ويرى فيه تشبها وتماهيا مقبولا ومطلوبا بالزعيم الراحل بورقيبة في اواخر ايام حكمه، رغم انه لا يفضل بالطبع أن يعرف المصير والنهاية القاسية التي عرفها الزعيم. استحضار صورة بورقيبة المحاصر يضمن للباجي الحفاظ على موقع البطل الاسطوري، الذي يصارع رغم تقدمه في السن اعداء شرسين، ويتلقى في الظهر طعنات الاصدقاء، لكنه يستمر رغم كل ذلك بالصمود، وهو ما يجنبه إلى حد كبير مظاهر سخط الناس وضجرهم من فشل السلطة في تحقيق انتظاراتهم ومطالبهم. لكن لعبة الحصار لا تستهوي الرئيس وحده في تونس، فها هو رئيس نقابة الصحافيين يطلق بدوره نداء استغاثة من حصار اخر يراه على وشك الاطباق على انفاس صاحبة الجلالة وخنق حريتها. النقيب يقول إن صحافيين اشتكوا له من أن مصالح رئاسة الجمهورية تتصل بهم بالهاتف وتحاول التدخل في «الخط التحريري خاصة في المؤسسات الإعلامية العمومية»، وهو يضيف أيضا في تصريحات إلى راديو موزاييك أن المصالح ذاتها «قد اتصلت بالمسؤولين عن المؤسسات الإعلامية من اجل طلب الحاق صحافيين اثنين عن كل مؤسسة واقامة فريق للعمل داخل القصر من اجل تلميع صورة الرئيس»، وان الدعوات إلى مرافقة الرئيس في رحلاته الخارجية تتم بصفة انتقائية. إذا اضفنا إلى ذلك بيان النقابة وموقفها من مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات الحاملة للسلاح والمعروض حاليا على مجلس نواب الشعب، الذي قال عنه النقيب في تصريح اعلامي بأنه «يهدف للتضييق على الصحافيين اثناء اداء عملهم، ويجيز حصانة مفرطة لأعوان الأمن وحملة السلاح بوجه عام» فاننا نكون بصدد طرفين فقط في الصورة، صحافيين وإعلاميين حرفيين ونزهاء يبذلون الغالي والنفيس لاجل عيون الحقيقة، واشرار متربصين بحرفيتهم ونزاهتهم موجودين فقط وحصريا داخل السلطة. تلك الصورة السطحية والمبسطة تدفعنا للتساؤل إن كان الباجي ومن حوله بحاجة بالفعل إلى رفع سماعة الهاتف واعطاء التعليمات بشكل يومي ومستمر، أم أن قسما واسعا من الصحافيين الذين يحتكرون القطاع منذ عقود لا يستطيعون الاستغناء عن رحلات الرئاسة ولا الابتعاد عن سحر السلطة وبركاتها وعطاياها؟
سوف لن نتحدث عن الكتابات ولا عن البرامج الاذاعية والتلفزيونية، ولكن من يتابع المؤتمرات الصحافية في تونس سوف يكتشف حقيقة صادمة، وهي الغياب المفزع للصحافيين الجادين والحرفيين. والإشكال الحقيقي هو ان معظم هؤلاء لم يناضلوا في السابق لاجل افتكاك حرياتهم، فقد جاءتهم على طبق من ذهب وفضة ولانهم اعتادوا على أن ترن هواتفهم ويخاطبهم رجال السلطة آمرين وناهين، فمن الطبيعي أن يشعروا بالحاجة مجددا إلى أصواتها بدل اصوات الضمير وضوابط الخط التحريري التي يتحدث عنها النقيب.
فهل نلوم بعد ذلك المذيع على ارتباكه امام صوت الرئيس، أم نلوم الاخير على دهائه وقدرته على تسويق صورته ولو بأسلوب تقليدي وبسيط؟ لن يكون اللوم مجديا للطرفين، مادام حصارهما الوهمي لا يغير شيئا من حقيقة الحصار الذي لم يذق طعمه أحد حتى الان في تونس سوى البسطاء والفقراء المنسيين على اختلاف العصور والاسماء.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية