تناسى كثير من المصريين محنتهم الاقتصادية مؤقتا فور تزايد التقارير التي تتحدث عن اقتحام إسرائيلي وشيك لمدينة رفح حيث يقيم قرابة مليون وخمسمئة ألف فلسطيني يواجهون حرب إبادة وسط صمت عالمي مهين منذ نحو خمسة أشهر .. وبينما تستمر جرائم الحرب على مدار الساعة تزايدت المخاوف من استمرار خذلان الحكومات العربية والإسلامية للمقاتلين الذين يرابطون دفاعا عن مقدسات الأمة، فيما المؤامرات التي تستهدف انتزاع كامل فلسطين من يد أصحابها حال تهجير الغزيين خارج وطنهم لا تتوقف بدعم أمريكي لاينقطع. وحول تأثير الحرب والوضع الاقتصادي الحرج قال الرئيس السيسي إن الدولة المصرية كانت تفقد من 9 لـ10 مليارات دولار سنويا، نتيجة البنية الأساسية والطرق الموجودة، متابعا: خلال 7 سنوات أقدر أقول بمنتهى التواضع قدرنا نتغلب على هذه المشكلة، بس أنفقنا أموالا ضخمة جدا. وأضاف السيسي خلال افتتاح معرض مصر الدولي السابع للطاقة “إيجبس 2024”: إذا لم يتوفر التمويل اللازم للدول صاحبة الاقتصاد المتواضع، هتعمل إيه؟ وكنا في مؤتمر باريس وكان فيه 100 مليار دولار هيتم ضخهم للدول دي، ولم يتم ضخ أموال وفقا للتعهدات اللي تمت من الدول الكبيرة. وأكد الأهمية التي توليها الدولة لتيسير عمل الشركات العالمية والقطاع الخاص في مجال الغاز والبترول. وأثنى على النشاط المميز للشركة، وحجم استثماراتها المتنامي في مصر، ومشروعاتها الاستكشافية في قطاعي الغاز والبترول، والتي تتسق جهود تحول مصر إلى مركز إقليمي لإنتاج وتداول الطاقة. كما أشاد بعمل شركة بريتش بتروليوم في مجال التحول للطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات، مشيرا إلى اتساق وتوافق الرؤى بين الجانبين فيما يتعلق بالتحول العادل للطاقة، وتطلع مصر لتعزيز التعاون القائم مع الشركة البريطانية، وخاصة في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر، سعيا لتعظيم استفادة الدولة من مواردها لصالح الأجيال الحالية والمقبلة..
ومن التقارير الرياضية: وصل مجلس إدارة النادي الأهلي إلى مقر نادي الزمالك لتلبية دعوة مجلس إدارة القلعة البيضاء برئاسة حسين لبيب بزيارة مقر النادي الأبيض.. وكان جميع أعضاء مجلس إدارة نادي الزمالك في استقبال وفد مجلس إدارة النادي الأهلي. ورحب مجلس إدارة نادي الزمالك بوفد الأهلي فور وصوله لمقر القلعة البيضاء. وتأتي زيارة مجلس إدارة النادي الأهلي لمقر نادي الزمالك لترسيخ قيم الروح الرياضية والتنافس الشريف مع الجميع، ونبذ التعصب، في إطار الحرص الكامل على الروابط الأخوية بين أطراف المنظومة الرياضية وجهود الدولة التي تهدف إلى المزيد من التكاتف لرفع المستوى الرياضي في مصر.
لا أحد يحاسبها
هى المرة الأولى التي تواجه فيها إسرائيل العالم كله .. لقد تمادت إسرائيل في وحشيتها وتصر، وفقا لرأي فاروق جويدة في “الأهرام”، على القضاء على الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه.. والغريب أن تتحدى إسرائيل العالم كله بما في ذلك أمريكا الدولة التي تقدم لإسرائيل كل ألوان الدعم عسكريا واقتصاديا وسياسيا وإعلاميا. لكن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي ترفض مطالب أمريكا.. إن إسرائيل لم تعترف بمجلس الأمن ولا محكمة العدل الدولية ولم تسمع أصوات الملايين الذين خرجوا في عواصم العالم ينددون بوحشية إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة.. كثير من الناس يتساءلون: من أين جاءت إسرائيل بهذه القوة رفضا ووحشية؟! وكيف لا تسمع أوامر أمريكا، وكيف لا تعمل حسابا للملايين من شعوب أوروبا وهم ينددون بها في كل عواصم العالم؟ وما هي الجهة القادرة على ردع إسرائيل؟ لقد تمادت في وحشيتها وتحاول تهجير شعب كامل من أرضه وترفض إقامة دولة فلسطين. وبعد خمسة أشهر من صمود المقاومة مازالت إسرائيل تقدم للعالم أسوأ ألوان القتل والدمار والتعذيب.. لكن حماس مازالت صامدة تقاوم ومازال الشعب الفلسطيني يقاوم، وإسرائيل لا تجد من يحاسبها أمام عالم أدمن الموت واحترف الدمار.. إلى أي مدى يصل الخلاف بين أمريكا وإسرائيل؟ وماذا يفعل العالم العربي في قضية فلسطين وهي تتعرض الى مواكب القتل والدمار؟ وما هي أطماع إسرائيل في الدول العربية بعد أن تلغى فلسطين من خريطة العالم وتتفرغ لبقية الدول العربية؟ لقد خرجت إسرائيل من درس غزة خروجا مهينا أمام حالة من الكراهية من كل شعوب العالم.. وقد تكشفت حقيقة هذا الكيان الهمجي أمام شعوب العالم في لحظة تاريخية فريدة.
اتجاه معاكس
اكتشف عمرو الشوبكي هذه المفارقة في الحرب التي نعيشها: الخطاب الإسرائيلى في مواجهة حماس لا يحاسبها مطلقا على سلبياتها، إنما على إيجابياتها، وتحديدا الجانب المقاوم فيها، ويصفها بأنها إرهابية وأسوأ من داعش. هو بالتأكيد خطاب تحريضي لا علاقة له بالحقيقة، حتى لو اختلف البعض على عملية 7 أكتوبر وعلى جزء أو كل أساليب حماس. يواصل الكاتب في “الأهرام”: لقد روجت إسرائيل على مدار أكثر من 4 أشهر لخطاب إعلامي وسياسي يقول إن حماس إرهابية، وهي أسوأ من داعش، وردد معها الغرب بصيغ مختلفة مقولة إنها وداعش وجهان لعملة واحدة. والمؤكد أن خبرة داعش هي بالأساس خبرة إرهابية، وجانب كبير من دوافعها انتقامي، فقد استهدفت كل الأديان والمذاهب، وقتلت من المسلمين أكثر مما قتلت ممن تسميهم الكفار والمرتدين، كما أنها انتعشت في بلاد عانت حروبا أهلية وانقسامات مجتمعية، ولم تطرح بديلا واحدا قابلا للتحقيق، فقد تحدثت عن دولة الخلافة، دون أن تمتلك القدرة على الوصول إليها، ولم تتبن حتى خطة عمل، ولو بعيدة المدى، لتحقيقها. والحقيقة أنه حتى الجانب العقائدي والفكري لحركة حماس مليء بأفكار عن الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة لم تسْعَ لتطبيقها لأن هدفها الأساسي كان مقاومة الاحتلال، وهنا سنجدها لا تتعامل مع إسرائيل باعتبارها دولة كافرة، ولا تعتبر أن مشكلتها مع اليهود لأنهم يهود، إنما لأنهم محتلون.
سنة وشيعة
حماس، والكلام مازال لعمرو الشوبكي، اختلفت مع نظم كثيرة، واختلفت معها قوى وتيارات سياسية فلسطينية وعربية، كما صنفتها الدول الغربية جماعة إرهابية، ومع ذلك لم تقم بعملية إرهابية واحدة في مواجهة هذه الدول، وكان يمكن أن تقول: «بما أنهم يصنفوننا في كل الأحوال كإرهابيين، فلا يوجد ما يمنع من استهداف اليهود في فرنسا أو أمريكا أو داعمي الاحتلال الإسرائيلي أيا كانت ديانتهم، وهو ما لم يحدث».
أما تنظيم “الدولة” (داعش) فقد استهدف مختلف دول العالم، ووصف المسلمة منها بالمرتدة أو الطواغيت، وحارب مسلمين ومسيحيين وسُنة وشيعة، ولم يُضبط التنظيم مرة واحدة متلبسا بمحاربة إسرائيل في أي مكان. بنية حماس العقائدية ليست بنية تكفيرية، وهذا لا يعني الاتفاق مع مشروعها الفكري والسياسي، إنما يعني التأكيد على أنه حين نكون أمام حركة مقاومة في مواجهة دولة احتلال، فإن النقاش يجب أن يكون حول صحة أدواتها وأساليبها المقاومة من عدمه، وحول ما إذا كان النموذج الذي قدمته فى إدارة قطاع غزة منذ سيطرتها عليه في 2007 نموذج نجاح أم لا، وما دورها في المستقبل؟
كل هذه الأسئلة مشروعة، ومطلوب النقاش حولها، أما اعتبار إسرائيل حركة حماس إرهابية مثل داعش، فهذا خارج أي فهم علمي لظواهر جماعات الإسلام السياسي، والأهم أنه يعطي لدولة الاحتلال غطاء لكي ترتكب ما تشاء من جرائم، وأن تعتبر قتالها في غزة هو «حرب ضد الإرهاب».
هوس القتل
يعرف نتنياهو قبل غيره، على حد رأي جلال عارف، زيف ما يكرره هو وحلفاؤه في حكومة الإرهاب عن أن إسرائيل ستنقل مليون ونصف مليون فلسطينى من «رفح» إلى «مناطق آمنة» في الشمال قبل أن ترتكب جريمة اقتحام المدينة.. فلا يوجد مكان آمن في كل غزة بعد حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل منذ أربعة شهور، ولا مجال، وفق ما أشار اليه الكاتب في “الأخبار” إلا لمذبحة إسرائيلية غير مسبوقة يرفضها العالم كله ولن تكون لها نتيجة إلا تفجير الموقف في كل المنطقة ونسف ما تبقى من ركائز الاستقرار ومن آمال السلام.
ويعرف نتنياهو أن إسرائيل لا تستطيع تحمل تكلفة اقتحام غزة وهي المنهكة عسكريا واقتصاديا والمعزولة دوليا.. ومع ذلك، ورغم الضغوط الداخلية والخارجية، فإنه سيفعل المستحيل لكي يستمر في حرب الإبادة التى يشنها على الفلسطينيين، حتى وهو يعرف أن اقتحام غزة لا يعني فقط فقد الرهائن والمزيد من الخسائر العسكرية وإضافة فشل جديد لسلسلة الفشل في كل شيء إلا في القتل والتدمير. نتنياهو مستعد لأن يشعل المنطقة ويحرق العالم كله.. ليس فقط لكي يهرب من مصير ينتظره بعد الحرب وخروج مهين من الحكم إلى المحاكمة والسجن.. ولكن لأنه يعرف أن استحقاقات اليوم التالي للحرب ستكون نهاية لحلمه الصهيوني الذي يتشارك فيه مع زعماء عصابات اليمين الإرهابي الذي يرفض الاعتراف بأي حقوق للشعب الفلسطيني، بل وبأي وجود فلسطيني فيما يعتبره أرضا لليهود فقط في كل حدود فلسطين التاريخية.
سيفعل المستحيل
قد يناور نتنياهو مع الجميع، لكنه حسب جلال عارف، ليس بعيدا عن كل حلفائه في حكومة الإرهاب الذين وصفوا الفلسطينيين بأنهم حيوانات بشرية «!!» والذين طالبوا بإلقاء القنبلة النووية على غزة «!!» والذين لا يعرفون مستقبلا للفلسطينيين إلا القتل أو التهجير«!!».. لقد عاش نتنياهو سنوات يحلم بمثل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة التي كان تشكيلها – في حد ذاته – إعلانا بحرب مقبلة حتى ولو لم يحدث 7 اكتوبر «!!» ولو بقيت غزة هادئة لكان الانفجار قد بدأ في القدس والضفة التي لم تتوقف فيها يوما العربدة الصهيونية!! لهذا سيفعل نتنياهو المستحيل لكي يستمر في حرب الإبادة ولإفشال كل جهود التهدئة.. ولهذا أيضا نرى هذه «الهستيريا» الصهيونية التي انفجرت على ما تم تداوله عن إقرار من أمريكا وحلفائها في الغرب بأنه لابديل عن اعتراف دولي كامل بالدولة الفلسطينية، وبأن مقترحا أمريكيا يتم إعداده بهذا الشأن تسابق وزراء نتنياهو في رفض أي حديث عن «الدولة الفلسطينية» وسبقهم نتنياهو نفسه الذي ذهب في العام الماضي لأمريكا حاملا خريطة تشطب فلسطين من الوجود، مؤكدا أن فكرة الدولة الفلسطينية تتعارض مع أمن إسرائيل، وأنه لن يسمح بها مطلقا! مازال مبكرا الحكم على مقترحات أمريكا التي لم تعلن رسميا لكن الهستيريا الإسرائيلية مفهومة لأنها تدرك أن أوهام تصفية القضية الفلسطينية قد سقطت، وأن العالم يسلّم الآن بأن قيام دولة فلسطين لا يمكن أن يكون رهينة لدى «الفيتو» الإسرائيلي أو الأمريكي، ولأن الرهان على الصفقات المشبوهة والتطبيع المجاني ثبت فشله. ويبقى الأهم في تأكيد عربي جديد بأن دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 67 وعاصمتها القدس هي شرط الأمان والاستقرار للمنطقة وللعالم.
فرصة لو صدقوا
نداء وجهه الدكتور أسامة الغزالي حرب لشعبنا الأبي: هذه أيها الفلسطينيون لحظة تاريخية مهمة، عليكم اقتناصها لإنجاز الهدف العظيم الذي ناضلتم من أجله طويلا… بناء دولتكم الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة. تابع الكاتب في “الأهرام” لقد أصبح حل الدولتين الآن محلا لتوافق دولي، أكثر من أي وقت مضى نتيجة لنضالكم العظيم، والتضحيات الهائلة، بدمائكم وأرواحكم وممتلكاتكم! نعم، هو حل ترفضه القوى اليمينية العنصرية الحاكمة الآن في إسرائيل، ولكنه أصبح مقبولا أكثر من أي وقت مضى من المجتمع الدولي، ومن الرأي العام في العالم كله، من الأمريكتين إلى أوروبا والشرق الأوسط وحتى بلدان إفريقيا وآسيا واستراليا، وعبرت عنه مظاهرات تهتف الحرية لفلسطين. بعد أن شهدوا عبر شاشات التلفزيون وكل وسائط الإعلام، الرسمية والاجتماعية، جثامين آلاف الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ، الذين اغتالتهم العنصرية الإسرائيلية. لقد أسهمت كل تلك التطورات، في أن تدفع الولايات المتحدة الأمريكية – الراعية والداعمة الأولى لإسرائيل، اقتصاديا وعسكريا وسياسيا – إلى أن تطرح اليوم – أكثر من أي وقت مضى – حل الدولتين! الذي يكتسب اليوم دعما دوليا متزايدا! هنا أتساءل: نحن نعرف الدولة الأولى القائمة الآن فعليا واسمها إسرائيل! فما هي أفكاركم ومقترحاتكم بشأن الدولة الثانية، دولة فلسطين أو الجمهورية الفلسطينية كاملة المؤسسات، وكاملة السيادة..؟ أليست تلك الآن هي اللحظة الحاسمة لكي تنصهر الكيانات الفلسطينية المتعددة من منظمات وجبهات وكتائب وألوية وسرايا، فضلا عن حكومة مؤقتة، في مشروع دولة واحدة، ديمقراطية وعلمانية تقدمونه للمجتمع الدولي، وتقولون له هذه دولتنا؟ من يحاسب إسرائيل؟!
أقرب للحقيقة
بصورة أو بأخرى يرى عبد الله السناوي أن كلا من محمد حسنين هيكل وأدوارد سعيد تشاركا، كل بطريقته ومن موقعه، في كشف حقيقة أوسلو وعملية السلام كلها. تابع الكاتب في “الشروق”: لم يكن ذلك رجما بالغيب.
النبوءات السياسية تكتسب صدقيتها من ملامسة الواقع بلا تزييف وقراءة الحسابات والتوازنات والمصالح ونصوص الاتفاقيات وما خلفها دون أوهام. كان إدوارد سعيد أول من لمح الخلط الواقع في الصف الفلسطيني وشخصه، وشاركنا معا في اجتماع خاص في جنيف سنة (1988) هدفه بحث الخيارات المطروحة على القيادة الفلسطينية، مع لحظة تعرضت فيها لضغوط شديدة لكي تقدم ما يطلق عليه «تنازلات».. ثم توافقنا فيما بعد بغير اتفاق على ردة فعل إزاء موقف واحد من اتفاقية أوسلو، وشرحت موقفى لأول مرة فى محاضرة فى الجامعة الأمريكية، لكن إدوارد فى أمريكا كان يتحدث إلى العالم، فقد رفع صوته صافيا، متصاعد الإيقاعات، معبرا بحيوية خلابة، شاهدا بالحق على دور الموقف والمثقف، وحين يختار المعلم أن تصل ذخيرته إلى العالم الأوسع بسرعة دون انتظار التأثير البطىء فى المحيط الأكاديمى، فهو يريد أن يلحق الحوادث ويلامس المستقبل، وكذلك يسبق موتا يعرف أنه في انتظاره، وكان ذلك مشهدا جليلا من أي منظور تقع عليه عين أو يستشعره وجدان.
كان ذلك ما كتبه على صفحات جريدة «العربي» عند رحيل المفكر الفلسطيني الأكبر في أيلول/ سبتمبر (2003).
شركاء في الإبادة
هل هناك صحف ووسائل إعلام عالمية كبرى تشارك إسرائيل في عدوانها الوحشي، “سواء بقصد أو بغير قصد” وتحشد من أجل الترويج للمشاريع الإسرائيلية خصوصا محاولات تهجير الفلسطينيين خارج غزة تجاه سيناء المصرية أو إلى أي مكان آخر خارج القطاع؟ سبب طرح عماد الدين حسين في «الشروق» السؤال قيام بعض وسائل الإعلام ــ خصوصا الصحف الأمريكية الكبرى ــ في الترويج لأخبار وإشاعات هدفها الرئيسي محاولة إنقاذ إسرائيل من أزمتها الصعبة جدا، وتصديرها إلى مصر أو أي دولة أخرى.
يوم الجمعة الماضى نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية المعروفة تقريرا يزعم أن مصر تقوم بتشييد معسكرات ومخيمات لإيواء الفلسطينيين في رفح المصرية. والغريب، حسب رئيس تحرير “الشروق”، أن بعض الفضائيات الغربية الكبرى تلقفت هذا التقرير وساهمت في ترويجه، والتعامل معه باعتباره قد تم بالفعل. والأغرب أن تقرير الصحيفة قد تضمن تصريحا لمحافظ شمال سيناء اللواء محمد عبدالفضيل شوشة ينفي فيه تماما وجود هذا الأمر. المحافظ قال إن ما يتم في رفح هو قيام لجان من المحافظة بحصر البيوت والمنازل التي تعرضت للهدم خلال الحرب على الإرهاب بهدف تقديم تعويضات مناسبة لهم. ورغم ذلك استمرت بعض وسائل الإعلام في تبني التقرير والتعامل معه باعتباره حقيقة قائمة. طالب الكاتب المشككين بقراءة نفي محافظ شمال سيناء وتصريحات جميع المسؤولين المصريين من أصغر مسؤول إلى رئيس الجمهورية مرورا بمجلس الأمن القومي، وجميعهم قالوا إن التهجير خط أحمر، وأن مصر لن تقبل بأي حال من الأحوال تصفية القضية الفلسطينية، كما لن تقبل أن يكون ذلك على حساب مصر. من بين من اتصلوا بي كانت قناة «دويتشه فيله» الألمانية وقلت لهم ربما يكون هناك خلط لدى بعض وسائل الإعلام العالمية، فمصر أقامت معسكرات وخياما فعلا، ولكن في قطاع غزة، وتحديدا في منطقة خان يونس الواقعة شمال رفح الفلسطينية، والهدف الجوهري من هذه الخيام هو إيواء النازحين الفلسطينيين وتثبيتهم في أرضهم ووطنهم لإفشال المخطط الاسرائيلي.
أسلحة متقدمة
استشهد عماد الدين حسين ببيان لضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، نفى فيه بصورة قاطعة مزاعم مشاركة مصر في عملية تهجير الفلسطينيين من غزة لسيناء، مكررا ومؤكدا موقف مصر الذي أعلنه رئيس الدولة وكل الجهات عشرات المرات ويقضي بالرفض التام الذي لا رجعة فيه لأي تهجير قسري أو طوعي للأشقاء الفلسطينيين، ليس فقط لأن ذلك تصفية للقضية الفلسطينية، ولكن لأنه تهديد مباشر للسيادة والأمن القومي المصري. رشوان قال إن «لدى مصر من الوسائل ما يمكنها من التعامل مع الأمر بصورة فعالة وفورية».
وأضاف: «إن مصر لا يمكنها أن تتخذ على أراضيها أي إجراءات أو تحركات تتعارض مع رفض التهجير، وتعطي انطباعا يروج له البعض زورا بأنها تشارك في جريمة التهجير لأنها جريمة حرب فادحة ولا يمكن لمصر أن تكون طرفا فيها، بل ستتخذ كل ما يجب عمله من أجل وقفها ومنع من يسعون إلى ارتكابها”. من واقع ما تنشره بعض وسائل الإعلام الدولية الكبرى منذ بدء العدوان الإسرائيلي، فمن الواضح أنها تشارك بفاعلية في هذا العدوان عبر نشر وترويج العديد من الأكاذيب والشائعات وأنصاف الحقائق، كبالونات اختبار أولا، وبعدها محاولة تثبيت هذه الشائعات باعتبارها حقائق قد حدثت بالفعل. واقع الحال يقول إن الفلسطينيين والمصريين وغالبية العرب لا يواجهون فقط إسرائيل وعدوانها ولكن القوى الدولية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تحولت بعض وسائل إعلامها إلى أسلحة متقدمة للجيش الإسرائيلي من خلال محاولة الإساءة لموقف مصر أولا، ومحاولة الوقيعة بين المصريين والفلسطينيين.من المهم الرد بسرعة على الشائعات والأكاذيب وأرباع وأنصاف الحقائق!
أسئلة مشروعة
لماذا لا ينتفض الأشقاء الفلسطينيون في الضفة الغربية ضد الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة؟ ولماذا لا يثورون على التوغل الإسرائيلي في الضفة الغربية؟ ولماذا يصمتون على عمليات القبض العشوائية التي يقوم بها الاحتلال يوميا؟ واصل بلال الدوي في «الوطن» اسئلته الجريئة: هل استسلموا للوضع الراهن أم أنهم لا يعبأون بما يحدث لذويهم في غزة؟ ماذا ينتظرون لكي ينتفضوا انتفاضة تجعل العالم كله يتضامن مع فلسطين ويُحرِج الولايات المتحدة الأمريكية لكي تتخلى عن دعمها للاحتلال الإسرائيلي؟
لماذا لم تقبل حركة حماس – حتى الآن – الهدنة المقترحة؟ هل يُرضيها ما يحدث من تدمير لكل مناحي الحياة في قطاع غزة؟ ماذا ينتظرون؟ هل شاهدوا الأوضاع المأساوية في قطاع غزة من دمار وخراب وهدم للمستشفيات والجامعات والمساجد والمدارس وكل مؤسسات القطاع التي أصبحت عبارة عن “أكوام تراب”؟ هل حركة حماس ترضى بانتشار المجاعة بين (2,4) مليون غزاوي وتشريدهم لدرجة أنه أصبح كل حلمهم الحصول على (خيمة ورغيف عيش)؟ حركة حماس تطلب في شروط قبولها بالهُدنة إمدادها بخيام، هل هذا عقل؟ ما الفائدة من الحصول على خيام بعد مقتل (29) ألف فلسطيني وإصابة (69) ألفا؟ هل كل طموحها الإفراج عن الأسرى؟ مَن المسؤول عن ضياع غزة بل وضياع القضية الفلسطينية بِرُمتها؟ «حماس» تطلب وقفا تاما لإطلاق النار، تطلب مِن مَن إذا كانت أمريكا مؤيدة لإسرائيل على طول الخط، والأمم المتحدة لا حول لها ولا قوة ولا تستطيع فرض كلمتها، أو حتى الاتحاد الأوروبى بعد تأكيدات جوزيب بوريل مسؤول السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي نصا (نتنياهو لا يستمع لأحد)؟
أين صواريخهم؟
الأمم المتحدة تُدين وتقف موقفا شجاعا جدا لتأييد الشعب الفلسطينى وضد الموقف الإسرائيلي.. ماذا فعلت قيادات حركة فتح لنُصرة أهالي غزة وهل لديهم شيء يُقدمونه لهم؟ وإذا لم يكن لديهم ما يُقدمونه لماذا يُدلون بتصريحات عامة ليلا ونهارا لا تُفيد القضية الفلسطينية ولا تُفيد أهالي غزة؟ وإذا كان لديهم شيء يقدمونه لماذا يمتنعون عن تقديمه؟ منظمة الإغاثة (الأونروا) تم منع التمويل عنها من أكثر من (13) دولة، منها أمريكا.. هل هذا انتصار من وجهة نظر حماس؟ فمن سيقدم الدعم لأهالي غزة فيما بعد؟ ما موقف قيادات كتائب عزالدين القسام في داخل قطاع غزة مما يحدث من تهجير لأهاليهم من شمال غزة إلى جنوبها في خان يونس ومن خان يونس إلى رفح، والآن يتم الاستعداد لعملية عسكرية إسرائيلية في رفح بعد ادعائها بأن هناك (4) كتائب مسلحة تابعة لعزالدين القسام فى رفح؟ لماذا تصمت قيادات المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج عن تهديد إسرائيل بتهجير أهالي غزة إلى خارج القطاع؟ من زمن بعيد جدا ونحن نسمع عن تشكيل «محور المقاومة» الذي يريد تحرير القدس ويقف ضد الاحتلال الإسرائيلي ويعلنون عن صواريخهم الفتاكة العابرة للحدود.. هل وقف «محور المقاومة» ضد إسرائيل؟ هل قاموا؟ هل حرروا القدس؟ بالطبع لا، إذن متى يقف؟ وأين صواريخهم الفتاكة؟ ولماذا لا يطلقونها؟ وهل هُم سُعداء بها وهي في المخازن؟ هل حصلوا عليها لكي يُشاهدوا فقط ويَدعوا حيازتها وملكيتها واستخدامها في التهديد فقط؟ وهل هناك من يمنعهم من تحرير القدس ومن مواجهة الاحتلال؟ الوقت مناسب جدا لتحرير القدس، خاصة بعد المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة. متى يتحركون؟
شواهد الأزمة
تواجه مصر أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود، في وقت لا تزال مستويات التضخم مرتفعة وإن كانت حسب الدكتور نبيل زكي في “القاهرة 24” تباطأت في يناير/كانون الثاني من العام الحالي إلى 31.2٪ على أساس سنوي، مقابل 35.8% في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ومقابل 33.7٪ في كانون الأول/ديسمبر2023، مع استمرار الضغوط التضخمية في أسعار المأكولات والمشروبات. وفي بداية العام 2023، سجل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين معدلا شهريا بلغ 4.7٪ في يناير 2023، مقابل معدلا بلغ 0.9٪ في الشهر ذاته من العام السابق. ومع ذلك وفي إطار ترويض التضخم المرتفع، وخلال 7 اجتماعات للجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري في 2023، قررت اللجنة رفع أسعار الفائدة مرتين فقط، فيما أقرت التثبيت خلال 5 اجتماعات – ففي اجتماعات سبتمبر/ايلول ونوفمبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2023، تم الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة عند مستوى 19.25٪، 20.25٪ على الترتيب. وفي أول اجتماع للبنك المركزي أول شباط/فبراير 2024، قرر على استحياء رفع أسعار الفائدة 2٪ فقط. فهذه الزيادات الهزيلة في أسعار الفائدة وعلى فترات متباعدة وبأياد مرتعشة لن تسهم في الحد من تفاقم التضخم، حقيقة الأمر أن مواجهة التضخم الجامح في مصر هي معركة شرسة تتطلب فيها الجرأة والسرعة في اتخاذ القرارات، والوصول إلى المستويات التي يمكن أن توفر قدرا من الاستقرار لسعر الصرف ويحد من مدى تقلبه ويرفع من تكلفة الاحتفاظ بالدولار وغيره من العملات الأخرى، ويزيد من الحافز نحو التوجه للجنيه المصري، فلا بد من وضع هدف لمستوى يؤدي إلى تحول الموارد الدولارية الهائمة في السوق السوداء إلى الجهاز المصرفي ويزيد من تحويلات المصريين في الخارج بشكل يزيد من عرض الموارد الدولارية في الجهاز المصرفي.
ليس وقتها
الكلام هو للدكتور نبيل زكي إذ ما زال سعر الفائدة الحقيقي- وهو الفرق بين السعر الإسمي للفائدة ومعدل التضخم سلبيا، وهذا من شأنه يؤدي إلى تآكل القيم الحقيقية للمدخرات والودائع والأصول، وبالتالي انخفاض القوة الشرائية للمصريين- ولعل ذلك أحد أسباب انخفاض وتيرة التضخم في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، ويجب أن نشير في هذا الصدد إلى ما تقوم به البنوك المحلية من فرض غرامة كسر الشهادات تتراوح بين 70 و85٪ من إجمالي الأرباح التي يتم صرفها للعميل، ما يحرم المودعين من التمتع بالزيادات الجديدة في ظل التهاب أسعار المعيشة، فليس ذنب المودعين أنهم وثقوا في البنك ووضعوا أموالهم في شهادات سابقة بأسعار أقل.
سكرسرّي
الأسبوع المنقضي وصلت عماد رحيم، عبر البريد الإلكتروني، رسالة من “سيدة فاضلة” تروي واقعة غريبة ولكنها كاشفة لعدة أشيا. أما الواقعة، وفقا للكاتب في “الأهرام”، فقد كانت السيدة تشتري مستلزمات بيتها من البقالة من أحد الأسواق الكبيرة؛ وبعد أن وصلت للكاشير لتدفع ثمن ما اشترته؛ شكت له عدم وجود سكر وأبدت امتعاضها من ذلك الحال. فما كان من الرجل إلا أن أخرج لها من مكان قريب منه 3 كيلوات من السكر نظرا لشرائها بضاعة بمبلغ كبير. ويبدو أنه ظن بها احتياجها الحقيقي للسكر وأنها لن تأخذه لتتاجر به. المشهد انتهى. ولكنه كما قلت كان كاشفا لعدة أمور أولها أن السكر متوافر ولكن توزيعه يتم بمنطق الهوى فقد كان من الممكن عدم بيع السكر للسيدة بنفس المنطق الذي باع به. أما الجيد في الموضوع أنه باع السكر بسعره الرسمي! وذلك يبين لنا أن هناك وفرة بالمنتجات التى يشكو الناس ندرتها في الأسواق؛ ولنا في الأخبار المنتشرة التي وضحت القبض على عدد من التجار التي تخزن السكر بكميات كبيرة جدا حتى تبيعه بسعر أكبر بكثير من سعره الرسمي لتحقيق أرباح. وهنا أثمن ما تفعله الجهات المختصة التى تحارب أمثال هؤلاء التجار عديمي الضمير وأعضد مسعاهم بتشديد الرقابة فالناس في مأزق بسبب ندرة وجود تلك المنتجات.
هذا كان المشهد الأول أما الثاني؛ فهو أيضا مشهد مؤسف للغاية فبعد تضحيات كبيرة من أجل تطوير شبكة طرق مبهرة يأتي ضعاف النفوس ليلقوا ببعض المخلفات على جنبات بعضها في غفلة من الزمن دون رقيب أو حسيب لتتحول تلك الجنبات لنقط خطيرة من شأنها أن تتسبب في كوارث لا ناقة لنا بها. لأنها تعرض مرتادي الطرق لحوادث خطيرة قد تؤدي بأرواح الناس للهلاك؛ وكل ذلك بسبب تهاون البعض وعدم احترام الطرق ولا احترام القوانين المنظمة لها.ولا أعرف كيف يتم ضبط هؤلاء الخارجين على القانون حتى يكونوا عبرة لغيرهم.
تحول نادر
ليس أقصر من لحظة انقلاب الضحية إلى جلاد، والمظلوم إلى ظالم، والسجين إلى سجان، وهي لحظة اعتبرها مصطفى عبيد في “الوفد” فارقة تحدث نادرا في تاريخ الأمم والشعوب، لكنها تعكس بوضوح أثر السلطة فى كل إنسان. ولعل من أبرز ما يؤرخ لهذه اللحظات كتاب فارق، مشوق، جذاب صدر مؤخرا عن دار المحروسة للنشر يروي مذكرات صحافي إيراني هو هوشنغ أسدي فى سجون الخميني بعنوان «رسائل إلى مُعذبي» وقام بترجمته الكاتب المتميز ماجد عاطف. مؤلف الكتاب صحافي ومترجم إيراني عمل نائبا لرئيس تحرير صحيفة «كيهان» وهي أكبر صحيفة يومية فى إيران، وله عدد من الروايات وسيناريوهات الأفلام، وترجم إلى الفارسية معظم روايات ماركيز، وإليوت. ولما كان «أسدي» معارضا يساريا فقد قبض عليه سنة 1974 في ظل حكم شاه إيران، وقبع في السجن تسعة أشهر، وكان رفيقه في الزنزانة على خامنئي الذي صار مرشدا أعلى للجمهورية الإسلامية فيما بعد. المهم أن صداقة وطيدة ولدت بين الصحافي اليساري، والزعيم الإسلامي، وعندما أفرج عن هوشنغ أسدي بعد اتهام سياسي ظالم، قال له «خامنئي» وهو يودعه: «في ظل حكومة إسلامية لن تُظلم أبدا».ومرت السنوات واشتعلت الثورة في إيران وانقلب نظام الحكم واستولى الإسلاميون على السلطة، وفوجئ هوشنغ باتهامه بالتجسس لصالح الاتحاد السوفييتى وبريطانيا في الوقت نفسه، وتم القبض عليه وتعرض لتعذيب قاسٍ طال عامين، متنقلا من سجن إلى آخر حتى اعترف جبرا في النهاية بعمالته للسوفييت وبريطانيا، وحكم عليه بالإعدام ثم خُفف الحكم إلى الأشغال الشاقة، وبعد ست سنوات أطلق سراحه وتمكن من الهرب إلى باريس عام 2003. وبعد فترة وهناك وجد جلاده حميد، الذي كان يقوم بتعذيبه، سفيرا لإيران فى إحدى دول أوروبا، فبعث إليه بمجموعة رسائل يذكره فيها بما فعله فيه حتى جعله يعترف كذبا بما يريد، وهو ما ضمنه هذا الكتاب.
كانت نزهة
المفارق أن التعذيب ـ أبشع جرائم الإنسانية ـ كما يصفه مصطفى عبيد كان يتم في إيران شرعنته بالدين، حتى أن الجلاد كان يتوضأ ويُسمي الله قبل ضرب الضحية بسوطه، وكان يُعلقه بالساعات في سقف الغرفة، وهو يستمتع بالاستماع لأغنية «يا كربلاء إننا قادمون». كان جلاده، الذي صار سفيرا يجبره ألا يتكلم قبل أن ينبح، وكان يسأله عن رفاقه فيرد مجبرا: هو هو هو.. كذا وكذا. وهكذا حوله من شاب يافع مفعم بالحياة إلى شخص محطم لا رغبة له في أي شيء. وكتب هوشنغ أسدي أن جلاده حميد سأله يوما وهو يُعذبه: إذا تغيرت الأمور وأصبحنا معتقلين لديكم ما ستفعلون بنا؟ فجاوبه قائلا: سنهدم كل معتقلات التعذيب ونحكم على موظفيها بزراعة الزهور على أنقاضها، وسنعتبر القهر والتعذيب شيئا من الماضي. يقول أسدي وقد اختبر السجن والمحاكمات في زمني الشاه والخميني، أن سجون الشاه كانت نزهة بالمقارنة مع سجون الثورة الإسلامية. ويتذكر بأسى ودهشة علي خامنئي رفيق زنزانته في عهد الشاه، وكيف كانا يسخران معا من قسوة السُلطة وعدوانها على الإنسانية، وكيف كانا يمزحان ويتناقشان ويتقبلان خلافهما الفكري، ويحتفظ كل منهما للآخر بمساحة ود واحترام، ثُم كيف غيرت السُلطة خامنئي ورفاقه فصاروا فلتات فنية في القهر والتعذيب.
تذكرنا الحكاية ببيت شعر جميل منسوب لعلي بن أبي طالب يقول: عجبا للزمان في حالتيه… وبلاء ذهبت منه إليه. رُب يومٍ بكيت منه، فلما… صرت في غيره بكيتُ عليه».
سباك وفيلسوف
كعادة هشام مبارك عندما يبحث عن صنايعي لتصليح أي شيء في الشقة يقوم بعمل تحريات واسعة، ويستطلع آراء جميع الأهل والأصدقاء والجيران، يحاول قدر الإمكان أن يصل إلى صنايعي «عنده ضمير». تابع الكاتب في “الوفد”: زمان كنت أبحث عن صنايعي لا يبالغ في أتعابه إضافة إلى مهارته وإتقانه لعمله. مع الوقت أيقنت أنه تقريبا لا يوجد صنايعي رخيص الأتعاب. قلت لنفسي: لا يهم، فليأخذ ما يريد بشرط أن يتقن ما يقوم به ولا يترك وراءه ذيولا تحتاج لتدخل صنايعي آخر ليصلح ما أفسده. هنا ستكون التكلفة مضاعفة لكن لو رضخت ورضيت بالصنايعي المغلواني الشاطر ربما ستكون التكلفة أقل حيث لن يحتاج عمله إلى تدخل من صنايعي آخر. منذ أيام احتجت لسباك لتصليح بعض ما أفسده الدهر من حنفيات ومواسير لا تكف عن التنقيط ليل نهار. سألت فقال لي صديق أثق فيه جدا: عليك بفلان الفلاني – صنايعي شاطر وإيده تتلف في حرير وكمان متعلم تعليم عال، ولكن مغلواني شوية. قلت: فليكن- من فضلك أعطني رقمه. وبعد لحظات كنت أتصل بالسباك الموعود فلم يرد من المرة الأولى ولا الثانية ثم الحمدلله رد في الثالثة حيث قال قبل أن أقدم نفسى له: لما ما ردش على حضرتك مرة واتنين يبقى أكيد مش مشغول ومش عارف أرد، وأنا رديت بس عشان أفهمك غلطك ومن فضلك عاود الاتصال بي بعد نصف ساعة.