هل يمكن توصيف الشاعر بالكائن الهش، وأنه لم يعد «بطل القبيلة» أو «بطل الحزب» أو «صوت الثورة»؟ وهل ستقوده تلك الهشاشة إلى العيش تحت «مؤرقات الوجود» حيث التورط بالقلق والسأم والكآبة والعبث واللاجدوى؟
أحسب أن هذه الأسئلة ضاغطة ومُحرِجة، وتفتح الأفق للبحث عن المخفي في علاقة الشاعر بالسلطة والاجتماع والأيديولوجيا، وعن علاقته الاستعارية باللغة، إذ باتت هذه العلاقات مفتوحة على إغواءات صادمة، وعلى تخّليات طاردة، يمكن أن تنزع عن الشاعر سحره القديم، وتجعله عاريا أمام أوهامه الكبيرة، التي تدفعه إلى اللجوء نحو مركزية الذات، بوصفها المجال الإشباعي لتمثلات المرآة والكنز والمشجب، رغم أنها توصيفات لا قيمة لها سوى ما يمتلكه الشاعر عنها من أوهام فائقة.
شعراؤنا الرواد جعلوا من الذات مركزا، في ما جعلهم الآخر/ القارئ، أو الثوري أو الحزبي نماذج للتمرد، وللبطولة المتغيرة، وربما لصناعة المفارقة، والحفر في التاريخ الذي تملكه السلطة، وبما يجعل قصائدهم تبدو وكأنها محاولات في التعرية، وفي نقد ذلك التاريخ، وفضح هيمناته الشعرية، وفي استدعاء صناعة بطولات مجاورة، أو نصوص نقيضة لما هو مألوف في الذاكرة الجمعية الشوهاء، وحتى الشعراء الذين تمردوا على الأيديولوجيا بعد فشل تجاربهم الحزبية مثل السياب وأدونيس وسعدي يوسف، عادوا إلى الذات المتعالية عبر أقنعة التاريخ أو الأسطورة، لاصطناعِ أنواعٍ من المعارضة أو التستر بأوهام اليومي، وأحسب أنّ أخطر مرحلة في تمثيل هذه التمردات، كانت تجربة الشعراء في الستينيات، في العراق ومصر والشام بشكل خاص، والسبب يعود إلى طبيعة المتغيرات الكبرى التي حدثت في بلدانهم، حيث خروج السلطة من توصيف «دولة ما بعد الاستعمار» إلى التمثّل في أنماطٍ متضخمة للسلطة، وحيث فشل المنظومة الحزبية في حماية مشروعها الأيديولوجي، وحيث انهيار الأحلام القومية والوطنية، لاسيما بعد أحداث 1963 الدامية في العراق، وبعد الهزيمة العربية في حزيران/يونيو عام 1967، وانهيار النظام الناصري بشعاراته القومية، وتعرية نظامه الأمني والشعبوي، وبعد أحداث أيلول/سبتمبر في الأردن 1970، وأحداث الحرب الأهلية في لبنان 1975 التي تفاقمت مع جنون الحرب العراقية الإيرانية 1980 واحتلال بيروت 1982.
هذه الحروب الملعونة تبدت مظاهرها الانهزامية عبر كثير من الإجهاضات الثقافية، ودخول الشعراء في مرحلة اللافتات، واستعارة الألغام الشعرية، والهوس السريالي، ونثرية تدوين يوميات القلق والخوف، التي انتهت بطرد الشعراء من المدن «اليوتوبية»/ الشعرية – بيروت وبغداد، إذ تحولت تحت إيقاع «حروب التاريخ والأسرلة والخوف» إلى دوستوبيات مسكونة بالعنف والاستبداد والقتل المجاني.. الشاعر «القومي» لم يستطع أن يواجه ما جرى سوى بالعودة إلى «فحولة التاريخ» والشاعر اليساري المأزوم ألقى اللوم على رثاثة الصراع الطبقي، وعلى أوليغارشية السلطة، وعلى فشل الأحزاب الشيوعية في مواجهة الواقع، وفي التخلص من عقدة الحلم الستاليني، ما ترك أثره قلقَا وتشاؤما، وتوترا وسخطا، وذهابا إلى استعارات مفخخة، تلامس «الجرح النرجسي» المفتوح، الذي جعل من الكتابة الشعرية أكثر اندفاعا للبحث عن المغايرة، وعن مواجهات غرائبية، غامرة بالتعالي، والسخط وبرثاء العالم، فأيّ قراءةٍ لـ»البيان الشعري» لحظة إعلانه في بغداد عام 1969 تتكشف أمامنا هذه الفنتازيا، وهذا الجموح الذي يكشف عن غضب الشاعر على الواقع، وعن خيبته في الحلول الثورية والأيديولوجية، وبما جعل لعبة البلاغة في البيان صاخبة في الإفصاح عن حلم مخذول، وعن نرجسية معلولة، وعبر لغة مضطربة، مغرورة، يساكنها ما يشبه الاعتراف، أو الخلاص من الضواغط النفسية، ومن مشاعر الإحباط المُفجِع.
هذا البيان ذو الهوس البلاغي، والأفكار المتغطرسة ليس بعيدا عن بيانات مجاورة أصدرها السرياليون، وجماعة «البعد الواحد» وغيرهم، التي كشفت عن ذاتِ المزاج المضطرب عند أغلب مثقفي الأدلجة العراقية، مقابل صعود موجة ساذجة لمثقفي «الراية» كما سماهم فوزي كريم، الذين جعلوا من شعاراتهم القومية تمثيلا لتشكّلات براديغم السلطة العربية الجديدة، أي سلطة الانقلابات، في التعبير عن الحالة العربية بعد النكسة، وفشل مشروع النقد والمراجعة، فضلا عن فشل اليسار في احتواء متغيرات الواقع وتحولاته، التي دفعت الشاعر العربي إلى خيارات قاسية، أولها النكوص إلى «الكينونة العاجزة» وأوسطها السجن بحمولاته القمعية والعنفية، وآخرها المنفى الذي تحول إلى أمكنة إشباع إيهامي للجسد واللغة.. كتب «الموجة الصاخبة» و»الروح الحية» «ثياب الإمبراطور» كانت عناوين متأخرة لهذا الهوس، فهي كتابات في «تصفية حساب» بين «الجماعات» الشعرية، وفي الكشف عن الرثاثة التي استغرقت يوميات التحول الشعري، وعن العلاقة الملتبسة بين الشعري والسلطوي، أو بين الشعري والتاريخي، وهي ثنائيات تصلح الفضح، وليس للمراجعة، فالسلطة المستبدة لا تثق بشاعر البيانات، والشاعر لا يثق بسلطة الجنرال، مثلما أن التاريخ/ المتحف اصطنع له أشباحا لملاحقة الشعراء المتمردين، والشعراء المتمردون ذهبوا إلى ما هو عميق في استعارات اللغة وتورياتها ورموزها لحماية الجلد من السوط، ولحماية الفكرة من التأويل…
المنفى وشعراء المعارضة..
ليس المنفى بريئا بالكامل، فبقدر ما هو خلاص إيهامي من الاستبداد، فإنه صانعٌ شبحي لوجع الاغتراب، ولموت الحلم، إذ لا حلم إلا في «المكان الوطني» وكل الأمجاد/ الأوهام الشعرية، أو الانتصارات المخذولة التي حققها بعض شعراء المعارضة، تبدو وكأنها تشييدٌ في الفراغ، أو انتصارٌ على أشباح، فلا يبدو حاضر منها سوى «رايات اللغة» الصاخبة والمُهيَجة، والأصوات التي كثيرا ما تخون صاحبها، أو تجعله أكثر عرضة لخيانات سرية، عبر التورط بإشباعات الخلاص الميتافيزيقي، أو بالأجندات القاتلة، أو التورّط ببعض المشاريع التي لها طعم الخيانة..
موت شاعر الحزب، وشاعر الثورة وحضور «شاعر المنفى» وضعنا أمام أسئلة مفارقة، فالموت الحزبي كشف عن رثاثة الأدلجات العربية، مثلما أن الموت الثوري كشف عن عطالة «الوعي الثوري» وعن برايغماته الطفيلية، وحتى وظيفة شاعر المنفى تحولت إلى ما يشبه وظيفة صانع المراثي، الذي يبكي «وطنا مُضاعا» أو عن «عزلة قاتلة» أو عن «ثورات مؤجلة» أو عن لاجئين يموتون بغرائبية في رحلاتهم القاسية إلى المنافي، وعبر قصائد «مازوخية» لا تخدش مزاج السلطة، أيّ سلطة! لأن هذه «السلطات» العسكرية والأصولية لم تعد تستحي من أحد، ولا تخاف من أحد، لأن أعداءها غير قادرين على صناعة تحالفات حقيقية، فاعلة وغير مُختَرقة من قبل «جهاتها العميقة» التي تموّل «الربيعات السريعة» وحتى «الغرب الانتهازي» والمركزي بات لا يثق بتلك المعارضات، فيعمد إلى استخدامها كأوراق ضغط وتمويه في حروبه الإقليمية، أو في حروبه الفنتازية..
الشاعر الوحيد في منفاه لا يملك « لاوعي الجماعة» لذا يحمل عصاه وبلاغته وسط عالم مُعتم، لا يصغي له أحد، ولا يفكر ببيانات جديدة، لأن المنفى لا يصلح لتلك البيانات، وهذا ما يجعله يمارس وظيفة الشاعر المرآوي المشحون بنوعٍ من النوستالجيا، بحثا عن ذاكرة أخرى للإصغاء أو عن أمكنة تصلح لتصريف بعض غضبه، أو عن جماعةٍ في مقهى أو في حانة يتشاطرون الوجع والحنين والتشهي..
هذه الأمكنة الضيّقة، و»السكرانة» لم تعد تتسع لا لشاعر الراية، ولا لشاعر المتاهة، فهي أمكنة مسحوبة من التاريخ تماما، ومن مركزيات قديمة، وغير صالحة للاستعمال العاطفي أو الثوري، إذ تنظر إلى أولئك الشعراء بعيون ملؤها الشك، وربما بشيء يشبه السخرية، إذ يختلط الإصغاء إلى الأشباح، بأصوات الآخرين الذين لا أدلجة لهم سوى الفرجة، والضحك على شعراء الأمكنة المُضاعة..
كاتب عراقي