الناصرة ـ «القدس العربي»: رغم التصريحات المختلفة بما في تلك الصادرة من إسرائيل حول وجود «تفاؤل» حيال نجاح قمة باريس الثانية في تحقيق صفقة جديدة تتخللها عملية تبادل أسرى وهدنة في القتال غير أن حسابات «السرايا تختلف عن حسابات القرايا» كما يقول المثل الشعبي. من جهة واحدة تبدو إسرائيل بحاجة لهدنة فجيشها يراوح في المكان ويتعرض للاستنزاف ويحتاج لراحة بعد خمسة شهور، وأسراها في خطر موت حقيقي والضفة الغربية تبدو على حافة الانفجار نتيجة انتهاكات الاحتلال بحقها وتأثرا بالحرب على غزة. ومن جهة أخرى حكومة الاحتلال ما زالت تبحث عن انتصار مفقود وعن المزيد من الانتقام من الفلسطينيين وكيّ وعيهم وإطالة أمده بإطالة عمر الحرب واستبعاد التسوية السياسية وفق نظرية بايدن. وهذا عمليا هو موقف الشارع الإسرائيلي المتعطش للانتقام والانتصار أو صورة انتصار على الأقل وليس موقف حكومة الاحتلال فحسب، كما تجلى في تصويت الكنيست ائتلافا ومعارضة ضد فكرة دولة فلسطينية. ولذا من المرجح أن إرسال الاحتلال وفدا لباريس يندرج ضمن مناورات ومحاولات المراوغة التي يقوم بها نتنياهو وائتلافه طمعا بمآرب خلف الرغبة بمواصلة الحرب حتى في رمضان، بعضها معلن وبعضها غير معلن.
ووصل وفد أمني إسرائيلي ليشارك في قمة باريس مساء الجمعة وسط تسريبات بأن الوفد حاز على درجة تفويض أعلى من التي حصل عليها قبيل سفره لقمة القاهرة قبل حوالي الأسبوعين، لكن هذا لا يعكس بالضرورة رغبة إسرائيلية حقيقية بالتوصل لصفقة رغم أن أوساطا إسرائيلية غير رسمية واسعة ترى بها مصلحة إسرائيلية الآن. وفي هذا المضمار قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» نقلا عن مصادر سياسية رفيعة المستوى إن هذه الخطوة تأتي في ظل تصاعُد الضغوط الأمريكية لبذل جهود في محاولة التوصل إلى صفقة تبادل أسرى تفضي إلى هدنة خلال شهر رمضان القريب، وفي ضوء ورود رسائل إيجابية من واشنطن تفيد بأن هناك تقدماً في المحادثات التي تجري بوساطة قطر ومصر وتدعمها الولايات المتحدة.
وقام كبير مستشاري الرئيس الأمريكي جو بايدن، بريت ماكغورك، قام بزيارة رسمية إلى إسرائيل، لحثّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على إرسال وفد للمشاركة في جولة المحادثات الثانية في باريس. وذكرت مصادر سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى أن المبعوث الأمريكي نقل رسائل إلى إسرائيل تفيد بتقدّم محادثات التهدئة في غزة، وطالب إسرائيل بالحرص على المشاركة في محادثات باريس التي تُعقد بمشاركة أمريكية وقطرية ومصرية. وعقد ماكغورك أيضاً اجتماعاً مع وزير الأمن الإسرائيلي يوآف غالانت، بحثا خلاله الجهود الرامية إلى التوصل إلى مخطط جديد يسمح بإعادة المخطوفين المحتجزين في قطاع غزة إلى إسرائيل. وقال بيان صادر عن وزارة الأمن الإسرائيلية إن غالانت شدّد على أن إسرائيل ستوسع التفويض الممنوح للجهات المشاركة في المحادثات، وفي الوقت نفسه، ستزيد في الضغط العسكري على «حماس» إلى أن تطرح شروطاً ممكنة لإعادة المخطوفين. وزعم البيان أن المبعوث الأمريكي ناقش مع غالانت في نية إسرائيل اجتياح رفح والظروف التي ستمكّن الجيش الإسرائيلي من تفكيك كتائب «حماس» في جنوب قطاع غزة، وأشار الأخير إلى أن إسرائيل مستعدة لمنع إلحاق الأذى بالمدنيين والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية لمنع الجوع والمرض. وأوضح البيان أن غالانت عرض أمام مبعوث البيت الأبيض عدوانية إيران بواسطة وكلائها في كلٍّ من لبنان وسوريا والعراق واليمن، وأكد أن هذه العدوانية تهدف إلى تقويض الاستقرار الإقليمي.
أهداف الحرب
يوضح المعلق السياسي رامكي إيغرا في مقال نشره موقع القناة 12 العبرية أن كلّ مَن تسأله في إسرائيل عن أهداف الحرب يجيبك بأنها تحرير المخطوفين، وأيضاً القضاء على «حماس» لكن مع الأسف، الواقع أكثر تعقيداً، وفي نهاية الأمر، يجب أن نقرر أي هدف يتقدم على الآخر. هل يجب على إسرائيل السماح لنفسها بإنهاء الحرب، حسب شروط «حماس» من أجل تحرير المخطوفين، أو هل تصرّ على التمسك بهدف تدمير «حماس» والمخاطرة بخسارة المخطوفين؟ ويقول إيغرا إنه من أجل الإجابة عن هذا السؤال، يجب فهم مغزى الخضوع لمطالب «حماس» أي وقف الحرب، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، وإعادة إعمار غزة، مع المحافظة على سيطرة «حماس» هناك، وما ينطوي عليه ذلك من تعزيز للأيديولوجيا التي تنشرها، هذا من دون الحديث عن إطلاق سراح آلاف «القتلة» المهمين، الذين سيعودون إلى صفوف المهاجمين ويطاردوننا في المستقبل. ويضيف إيغرا: «يجب أن تكون صفقة شاليط النموذج الذي يمكن أن نفهم في ضوئه مغزى قبول الخضوع. يومها، قالوا لنا «سنعالج» المحررين «القتلة». وقالوا أنه حتى لو لم يكن هؤلاء موجودين لأتى مثلهم. ويومها أيضاً، كان هناك تعاطُف كامل مع عائلة شاليط. وعلى خلفية الضغط الشعبي والقرارات الخاطئة، جرى تنفيذ صفقة شاليط التي تسببت بمقتل الشبان الثلاثة – مستوطنين في حزيران/يونيو 2014 وعملية الجرف الصامد تموز/يوليو 2014 وهجوم 7 أكتوبر، وما بينهما. بحساب بسيط، لكنه مخيف، قمنا بتحرير شخص واحد، لكن قُتل كثيرون. من جهة ثانية، هناك خطر حقيقي من أن جزءاً من المخطوفين لن يعود، وستتحمل إسرائيل ذنب تخلّيها عنهم إلى الأبد، بالإضافة إلى الألم جرّاء خسارتهم».
المعضلة الإسرائيلية
وضمن معاينته المعضلة الإسرائيلية يقول إيغرا أيضا إنه «إذا وافقنا على الخضوع لـ«حماس» فإننا سنتسبب بتعزيز أيديولوجيتها التي تدعو إلى القضاء على إسرائيل، وعلى الشعب اليهودي الذي يعيش في البلاد. وبرأيه يمكن التقدير، بحذر، أننا قد نواجه هجمات في إسرائيل، وفي الضفة الغربية، فضلاً عن تعزيز قوة حزب الله وسائر البيئة المعادية لنا. كما يقول إن الدولة التي تريد الحياة واستمرار العيش بسلام نسبي في المنطقة، ليس لديها خيار سوى التركيز على تدمير «حماس» أولاً وفي الطريق إلى تفكيك «حماس» سنتمكن من إعادة المخطوفين إلى وطنهم سالمين ومعافين. أمّا فيما يتعلق بالكلام غير الموفّق الصادر عن الوزير سموتريتش، وعلى الرغم من أنني لا أشارك الوزير أيديولوجيته وسلوكه، فإنه يجب القول أنه على الرغم من أن هذا الكلام ليس أمراً مستقيماً سياسياً لكنه صحيح إذ لا ينبغي قول كل ما نفكر فيه، وإذا فعلنا، فيجب أن ندعمه بحجج صحيحة تعتمد على أسس سليمة».
ساحة القدس
وتنضم صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية للتحذيرات من اتساع دائرة النار وتقول إن ساحة القدس والضفة الغربية تشتعل، وتكبد إسرائيل ثمناً دموياً في الأشهر الأخيرة. وتقول إن خصائص الهجمات وطريقة تنفيذها مستقاة من مدرسة ناشطي «حماس» الذين خلقت أعمالهم «الإجرامية» في 7 تشرين الأول/أكتوبر في جنوب البلد، في أذهان ناشطي «الإرهاب» في القدس والضفة الغربية تطلعات جديدة لم نشهد مثيلاً لها في الأعوام الأخيرة. معتبرة الحديث عن موضوع حرم المسجد الأقصى وإدراك الفلسطينيين والعرب في القدس، وفي إسرائيل، وجود أفكار إسرائيلية لمنعهم من الدخول إلى المسجد الأقصى منعاً باتاً خلال شهر رمضان، يزيد في تأجيج الوضع الحساس في الأساس. وتضيف «كلام جهات سياسية بشأن الحاجة إلى منع دخول المسلمين من العرب في إسرائيل إلى المسجد الأقصى، حتى الذين يبلغون الخمسين أو الستين من العمر، هو سابقة لم تحدث منذ عشرات الأعوام، باستثناء ما حدث بعد مقتل رجال الشرطة عند بوابة الحرم في سنة 2017 عندما قامت إسرائيل بتركيب بوابات ممغنطة وكاميرات على مداخل الحرم، الأمر الذي أثار عاصفة كبيرة في العالم الإسلامي، وهدد بالانزلاق إلى أعمال احتجاج وعنف واسعة النطاق».
وتمضي «يسرائيل هيوم» في تحذيراتها هي الأخرى مثلها كمثل جهات ووسائل إعلام عبرية أخرى كثيرة: «بناءً على ذلك، فإن منع دخول العرب من القدس الشرقية إلى المسجد الأقصى في شهر رمضان جرى منذ البداية من دون أن يكون مستنداً إلى معلومات موثوق بها بشأن احتمال حدوث أعمال شغب، يمكن أن يتسبب بمزيد من التصعيد». وتخلص للقول منبهة: «إذا كان هناك منطق ما في منع الشباب من الدخول، يستند إلى تجربة الماضي وعمليات الشغب التي يقوم بها المصلّون من الشباب، فإن رفع سن المصلّين المسموح لهم بالدخول إلى السبعين عاماً، سيؤدي إلى عدم هدوء وخطر ومواجهات واسعة مع الشرطة، ومع قوات الجيش الإسرائيلي في المدينة القديمة، وعلى المعابر في الضفة الغربية. وموجة الهجمات التي تتصاعد في شهر رمضان بصورة تقليدية، يمكن أن تصبح أكبر وأكثر فتكاً».
انهيار سياسي
في التزامن يظهر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أجرته صحيفة «معاريف» في نهاية الأسبوع أنه في حال إجراء الانتخابات الإسرائيلية العامة الآن، سيحصل كلٌّ من قوائم معسكر الأحزاب المؤيدة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على 44 مقعداً (عدد المقاعد نفسه الذي حصلت عليه في استطلاع الأسبوع الماضي) في حين أن قوائم معسكر الأحزاب المناوئة له ستحصل على 67 مقعداً (أكثر بمقعد واحد من عدد المقاعد الذي حصلت عليه). ومن شأن هذه الاستطلاعات أن تؤثر على حسابات نتنياهو وائتلافه وفق تقديرات الكثير من المراقبين الإسرائيليين أيضا.