براهيم دياز… «ميسي» الملكي الحائر بين المغرب وإسبانيا!

حجم الخط
3

لندن ـ «القدس العربي»:  اسمه براهيم عبدالقادر دياز… ابتسامته وملامحه الطفولية تناسب قامته القصيرة، وتوحي أيضا للمنافسين بأنه صيد سهل، لكن بمجرد أن يتسلم الكرة في الثلث الأخير من الملعب، يتحول إلى وحش كاسر، وفي رواية أخرى، الى سهم زئبقي يصعب السيطرة عليه، بما لديه من موهبة استثنائية في قدمه اليسرى، كواحد من القلائل الذين يقدمون المعنى الحرفي لمصطلح «المتعة البصرية» داخل المستطيل الأخضر، بأناقة لمساته وتنوع حيله في المراوغة وكسر ظهر خصومه عبر خدعة الالتفاف وتغيير الاتجاه المفاجئة، ناهيك عن انضباطه والتزامه بتعليمات المدرب ودقة لمسته الأخيرة أمام المرمى، الأمر الذي جعله يفرض نفسه في الأسابيع القليلة الماضية، كواحد من أهم الأسلحة الفتاكة في ريال مدريد المدجج بالنجوم في مركزه، تاركا الصحف والمواقع الرياضية تتغنى بأدائه وما يقدمه تحت قيادة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، وسط حالة من الجدل والغموض حول مستقبله الدولي الحائر بين وطن الآباء والأجداد المغرب وبين منتخب مسقط رأسه الإسباني.

بداية الرحلة

وُلد جوهرة اللوس بلانكوس في الثالث من أغسطس/آب عام 1999، في عائلة تتحدر من أصول مغربية، حيث هاجر الجد الأكبر إلى مدينة مليلة، التي تتمتع بالحكم الذاتي في إسبانيا، ومنها انتقل إلى مدينة ملقة، التي شهدت أول تعارف بين الوالد عبدالقادر وزوجته باتريشا، ومن ثم مشروع الزواج، الذي أسفر عن إنجاب 5 أبناء، أكبرهم براهيم إضافة إلى 5 بنات، وكان واضحا منذ نعومة أظافر الطفل البكر، مدى تعلقه وشغفه بكرة القدم، الأمر الذي دفع والديه لتسجيل اسمه في أكاديمية مسقط رأسه في ملقة، وسرعان ما تحول الصغير إلى واحد من مشاهير الأكاديمية، بعد التطور اللافت في موهبته، والذي كان سببا في حصوله على القميص رقم 10 في الفريق، حيث كان يُنظر دائما إلى صاحب هذا القميص، على أنه النجم الأول والأفضل من حيث الموهبة والانضباط، بالأحرى مشروع محترف حقيقي، وهو ما تحول إلى حقيقة بعد 5 سنوات من التحاقه بفريق مسقط رأسه، وحدث ذلك في العام 2015، حين وقع معه مانشستر سيتي مقابل انتعاش خزينة ناديه بما يلامس الربع مليون دولار، وفي العام التالي وضع القلم على أول عقد احتراف في مسيرته، وحدث ذلك بعد ظهوره الأول مع السكاي بلوز في سبتمبر/أيلول 2016، والمفارقة أنه في نفس الفترة، كان قاب قوسين أو أدنى من الذهاب إلى برشلونة، ليحقق حلم الطفولة آنذاك، بارتداء قميص قدوته ومثله الأعلى ليونيل ميسي، حتى أن لقبه المفضل «ميسي ملقة»، استنادا إلى اعترافه البريء في مقابلة متلفزة نادرة مع شبكة «الشيرنغيتو»، سُئل خلالها عن فريقه المفضل ولاعبه المفضل، فأجاب بخجل وبراءة الأطفال قائلا: «برشلونة وأحلم أن تتم مقارنتي بميسي»، إلا أن مالك النادي رجل الأعمال القطري عبدالله آل ثاني، كان له رأي آخر، بعد دخوله على الخط، بعرض أقوى من إغراء النادي الكتالوني، وعلى إثره استمر اللاعب في ملقة، إلى أن قرر مغادرة الوطن، من أجل تطوير مهاراته والخضوع لبرنامج مكثف، لمساعدته على التخلص من صداع ضعف بنيانه الجسدي في بداية رحلته مع الساحرة المجنونة.

هبوط وصعود

في غضون 4 سنوات، تحولت حياته من النقيض إلى النقيض، من مشروع شاب إسباني واعد في أكاديمية مانشستر سيتي، إلى واحد من القلائل الذين نالوا ثقة بيب غوارديولا في الفريق الأول، ومع ذلك، رفض استكمال مشواره مع السيتي، ليس فقط لاستحالة حصوله على فرصته في ظل وجود الأشقر البلجيكي كيفن دي بروين والعبقري الإسباني ديفيد سيلفا قبل رحيله عن ملعب «الاتحاد»، بل أيضا لصعوبة مقاومة إغراء القميص الأبيض لريال مدريد، وحدث في شتاء 2019 مقابل حصول بطل البريميرليغ على ما مجموعه 17 مليون يورو، ضمن الإستراتيجية الجديدة التي يتبعها الرئيس فلورنتينو بيريز منذ رحيل الهداف التاريخي كريستيانو رونالدو، والتي ترتكز على فكرة استقطاب ألمع المواهب الشابة والجواهر الخام القابلة للانفجار والتحول إلى نجوم من الطراز العالمي على المدى المتوسط. ولو نتذكر آنذاك، جاء البرازيلي فينيسيسوس جونيور من فلامنغو البرازيلي مقابل رسوم تحويل، تخطت حاجز الـ30 مليون يورو، وتبعه شريكه ومواطنه رودريغو غوس، في صفقة مماثلة من سانتوس، وباقي القائمة التي تم دمجها بمن تبقى من جيل العاشرة، ريثما تسير المهمة بالطريقة التي نراها في الوقت الحالي، ومع ذلك، لم تسر الأمور بالطريقة التي أرادها دياز لنفسه بعد عودته إلى الوطن عبر بوابة نادي القرن الماضي، بمشاركته في موسمه الأول في ما مجموعه 320 دقيقة، مقسمة على 9 مباريات. وما زاد الطين بلة، أنه شارك تقريبا في نفس عدد المباريات في موسمه الثاني، لكن النقطة السيئة، كان منها 55 دقيقة فقط على مستوى الدوري الإسباني، ما دفعه للبحث عن مستقبله في مكان آخر، ومن حسن الحظ، وجد الفرصة المناسبة مع ميلان الإيطالي، الذي كان يبحث عن بديل إستراتيجي لهاكان أوغلو، وفي نفس الوقت، يكون بسعر في المتناول، فلم يجد أفضل من المغامرة، باستعارة براهيم من اللوس بلانكوس لمدة 3 سنوات.
وحسنا فعل تحت قيادة ستيفانو بيولي، بتدرج واضح في المستوى من مباراة لأخرى ومن موسم لأخرى، بدأت بمرحلة تثبيت الأقدام في الموسم الأول، الذي ختمه بالمشاركة في 39 مباراة في مختلف المسابقات، خرج منها بسبعة أهداف بالإضافة إلى 4 تمريرات حاسمة، ثم بالانفجار الكبير في الموسم الثاني، الذي ساهم فيه في عودة لقب الكالتشيو إلى شياطين الروزونيري، مرتديا عباءة صانع الألعاب العالمي، الذي يتمناه أي مدرب، رغم أن إنتاجيته كانت أقل من الموسم الأول، بتوقيعه على 4 أهداف وصناعة مثلها، وواصل مسلسل تطوره ونضوجه في جنة كرة القدم، بنجاح آخر لا يُصدق، تكلل في النهاية بتسجيل 7 أهداف وتقديم 7 تمريرات حاسمة، ما جعل ميلان يضغط على النادي الميرينغي، آملا بالحصول على توقيع اللاعب بعقد دائم، لكن الإدارة المدريدية رفضت الاقتراح، بضوء آخر من اللاعب، الذي كان مرحبا بالعودة إلى «سانتياغو بيرنابيو»، لنجاحه في تحقيق ما أراده في شمال إيطاليا، أهمها صنع التاريخ مع عملاق الكالتشيو، ومنها أثبت جودته لكارلو أنشيلوتي، إلى جانب اكتسابه القوة البدنية التي كان يبحث عنها، بالتعامل مع جسده على أنه «مشروع طويل الأجل»، بحيث يكون مؤهلا بالقوة البدنية المثالية للاعب عشريني من شأنها أن تدوم لأطول فترة ممكنة، بنظام غذائي خاص وتحت إشراف متخصصين في الاحمال البدنية، ليصل إلى المرحلة التي يريدها ويحلم بها لنفسه، أن يجمع بين القوة والسرعة في الالتحام مع المنافسين، بالطريقة التي أمتع بها الأعين في هدفه المارادوني الذي سجله في مواجهة لايبزيغ الأخيرة في ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا.

معضلة
الجنسية

صحيح دياز، لم يسلم من الانتقادات، بعد موافقته على ترك مكانه في التشكيل الأساسي مع ميلان، ليجلس على مقاعد بدلاء الريال، خاصة في بداية الموسم، لكن كما نلاحظ مؤخرا، بدأ يثبت أقدامه مع الفريق، راسما لنفسه صورة اللاعب الجوكر، الذي يبدع في كل المراكز في الثلث الأخير من الملعب، بما في ذلك تعويض غياب نجم الموسم جود بيلينغهام، كصانع ألعاب على مسافة قريبة من ثنائي الهجوم فينيسيوس جونيور ورودريغو غوس، وهذا في حد ذاته، تسبب بشكل مباشر، في إثارة الجدل والقيل والقال حول مستقبله الدولي، بتضارب غير مسبوق في الأنباء والتقارير حول المنتخب الذي سيمثله ويدافع عن ألوانه في المحافل الدولية، ما بين مصادر مغربية، تكاد تبصم على أنه أقرب ما يكون لدخول مشروع وليد الركراكي، من باب أنه اعتاد على زيارة وطن الآباء والأجداد في الأشهر القليلة الماضية، بواقع 4 مرات في غضون 12 شهرا، آخرها بحسب هذه المصادر، كانت بعد هدفه الهوليوودي في دوري الأبطال، بتنسيق مسبق مع رأس الأفوكادو ووسطاء رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، لعرض أهداف وطموحات أسود أطلس على اللاعب في فترة البناء على إنجاز مونديال قطر 2022، على أن يعاود الزيارة في الأسبوع الأخير من فبراير/شباط الحالي، إما ليعطي المسؤولين الضوء الأخضر، لاستكمال إجراءات تحويل جنسيته الرياضية من الإسبانية إلى المغربية، وإما يسير على نهج موهوب برشلونة لامين يامال (جمال)، الذي فَضل في النهاية تمثيل منتخب لاروخا على حساب أسود أطلس، بينما في إسبانيا، فالحديث في وسائل الإعلام، يدور حول صعوبة مقاومة إغراء العمل مع مدربه السابق في منتخب الشباب دي فوينتي والحصول على القميص رقم 10 بداية من وديتي كولومبيا والبرازيل في عطلة مارس/آذار المقبلة، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن براهيم دياز سيختار تمثيل المغرب كما فعل عبدالصمد الزلزولي وإلياس أخوماش وباقي القائمة العريضة التي رفضت العلم الإسباني في الآونة الأخيرة؟ أم سيخطفه الماتادور على طريقة يامال؟ هذا ما سنعرفه قريبا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية