الناصرة- “القدس العربي”: لا بدّ من التعامل بحذر مع كل ما يقال في إسرائيل من تصريحات وتسريبات تتعّلق بالحرب على غزة، وباحتمالات وقف النار، وتحقيق صفقة تبادل، وهذا صحيح أيضاً حيال تفاؤل إسرائيلي عن تقدّم في المداولات الحالية.
للوهلة الأولى؛ هناك جملة عوامل ينبغي أن تدفع إسرائيل نحو صفقة جديدة، منها الخوف على حياة المحتجزين، والضغوط المتصاعدة في الشارع الإسرائيلي من أجل استعادتهم، علاوة على الخوف من اندلاع مواجهات في ساحات أخرى كالضفة الغربية، خاصة في رمضان الوشيك، والضغوط الأمريكية والعربية وغيره.
تبقى عملية تجرّع “الخسارة” بالتقسيط أكثر سهولة، وأقل هزات ارتدادية تزعزع استقرار ائتلاف نتنياهو، الذي يدرك ذلك من تجاربه الشخصية، خاصة بعد صفقة شاليط
لكن حسابات نتنياهو تبقى مختلفة، لإدخاله اعتبارات مبدئية وسياسية ترتبط بالرغبة في البحث عن النصر المفقود، ومواصلة تلبية شهوة الانتقام، وكيّ وعي الفلسطينيين، واستبعاد فكرة الدولتين، وعن إطالة عمر ائتلافه الحاكم من خلال إطالة أمد الحرب على غزة.
ومن المؤشرات الأخيرة على سوء نية نتنياهو مبادراته للاتصال في ساعة مبكّرة من صباح الجمعة بالوزيرين عضوي مجلس الحرب غانتس وآيزنكوت، محاولاً إقناعهما بالتراجع عن التفويض الذي منحه مجلس الحرب لرئيس البعثة الإسرائيلية لـ باريس. ويبدو أن ذلك بدوافع سياسية فئوية، ترتبط بخوفه من الوزيرين المتشددين الغيبيين سموتريتش وبن غفير، غير الراغبين بصفقة، ولا يعتبران استعادة المحتجزين الهدف الأهم بالنسبة لحكومة الاحتلال.
كذلك، وتزامناً مع سفر البعثة الإسرائيلية إلى باريس، كشف “قراره” بطرح الخطة العملياتية لاجتياح رفح، زاعماً، هو وأبواقه في السياسة والإعلام والرأي العام، أن القوة العسكرية، لجانب التفاوض الصارم، هما الطريق لاستعادة المحتجزين. وقبل كل ذلك، وقبيل وصول البعثة لباريس، أعلن عن خطته لليوم التالي، وهي محاولة جديدة للتصعيد وزيادة التوتّر والمساس عملياً بمداولات الصفقة قبل أن تبدأ.
وفي ظلّ كل ذلك، تتواصل التصريحات والتسريبات المتفائلة بالتقدم في المفاوضات من جهة حكومة الاحتلال ومصادرها، التي تغذّي الصحفيين والمعلقين بالتفاؤل، زاعمة أن هناك توافقاً على مبادئ عامة، وعلى إطار عام ينذر ببدء مفاوضات على التفاصيل، ومن غير المستبعد أن نتنياهو يتطلع من خلالها لرفع سقف التوقعات، حتى يتسنى له لاحقاً اتهام “حماس” وشيطنتها، والإفلات من الضغوط الداخلية والخارجية بإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني، ولذا سارعَ مدير مكتب إسماعيل هنية للقول إن ما ينشر في إسرائيل عن تنازلات “حماس” كذبٌ، وهدفه عرقلة مفاوضات الصفقة. وبذلك يمضي نتنياهو في المناورة والتغرير بالآخرين، بمن فيهم شريكاه آيزنكوت وغانتس، الراغبان بالصفقة، خاصة أن هذا موقف الجيش والمؤسسة الأمنية الباحثة عن فرصة لاستعادة المحتجزين، باعتبارها واحدة من مصالح إسرائيل العليا، وليس فقط مسألة إنسانية، وعن فرصة للراحة، فالجيش، بعد خمسة شهور، بحاجة للإنعاش، وبالأمس، ألمح قائد الجيش هرتسي هليفي لرغبة الجيش بذلك.
وتزداد هذه الشكوك حول نوايا نتنياهو الحقيقية باكتفائه بإرسال بعثة أمنية ليست رفيعة المستوى إلى الدوحة، لمواصلة الاتصالات حول الصفقة.
ويبدي عددٌ من المراقبين في إسرائيل تشكّكاً حيال نوايا رئيس حكومتها، فيعتبره محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل “العامل المجهول”، موضحاً في مقاله، اليوم، أن الخوف على حياة المخطوفين، والخوف من كارثة إنسانية كبرى داخل القطاع، ينتجان ضغطاً على الطرفين للتوصل لاتفاق.
وفي ذات الوقت يتنبّه هارئيل لحملة شيطنة عائلات المحتجزين، وعرضهم كـ “يساريين”، وهي حملة يقودها نتنياهو بنفسه، ومأربها إفشال حراكها الجماهيري، مؤكداً، في هذه الحالة، أن الشيطان، لا الله، في التفاصيل، خاصة تلك المتعلقة بأعداد الأسرى الفلسطينيين ونوعيتهم.
ويتبعه المحلل السياسي براك رافيد، الذي يقول، في مقال ينشره موقع “والا”، اليوم، إن مجلس الحرب قرّرَ، بعد جولة هاتفية في الليلة الفائتة، المصادقة على خروج وفدٍ غير رفيع، مع صلاحيات محدودة للدوحة في الأيام القادمة، بعثة مهنية تقنية ستبحث القضايا الإنسانية ضمن الصفقة المتداولة.
يشار إلى أن المجلس الوزاري المصغر سيبحث، اليوم، موضوع الإطار العام للصفقة الأمريكية المقترحة في قمة باريس، ومن غير المستبعد أن تنمّ عن تسريبات تعكس تحفظ بعض الوزراء منها.
المؤكد أن الصفقة المتداولة لن تشمل إطلاق كل المحتجزين مقابل الأسرى الفلسطينيين في دفعة واحدة، بل بالتدريج، وعلى مراحل، لأن إسرائيل ليست قادرة على ابتلاع أو هضم مثل هذه الوجبة من الخسارة، فصور مئات الأسرى، بمن فيهم القدامى و”النوعيّون” وهم يرفعون شارات الانتصار بأياديهم، عبر نوافذ حافلات ستقلّهم، من شأنها أن تحدِث هزة سياسية كبيرة داخل إسرائيل التي عجزت حتى الآن عن تحقيق نصر على “حماس”.
قبيل وصول بعثة التفاوض لباريس، أعلن نتنياهو عن خطّته لليوم التالي، وهي محاولة جديدة للتصعيد وزيادة التوتّر والمساس عملياً بمداولات الصفقة قبل أن تبدأ
تبقى عملية تجرّع “الخسارة” بالتقسيط أكثر سهولة، وأقل هزات ارتدادية تزعزع استقرار ائتلاف نتنياهو، الذي يدرك ذلك من تجاربه الشخصية، خاصة بعد صفقة شاليط عام 2011.
في المقابل، فإن حركة “حماس” أيضاً معنية بأن يتم التبادل بالتقسيط، كي تحتفظ بأوراق ضغط في كل تحركاتها، ما يعني توافق الطرفين على هذه النقطة، رغم ضغوط عائلات المحتجزين من أجل صفقة دفعة واحدة.
قالت القناة 13 العبرية إن أبرز النقاط التي تمّ التوافق حولها في باريس تتعلق بآلية التبادل وقائمة الأسرى، وعدد أيام الهدنة، وقضايا تتعلق بالمساعدات الإنسانية التي سيتم السماح بدخولها إلى القطاع: إطلاق سراح حوالي 40 أسيراً إسرائيلياً في قطاع غزة، من “فئات معينة”، من النساء والمسنّين والمرضى، مقابل إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين بأعداد أكبر مما تم الاتفاق عليه في السابق، هدنة لستة أسابيع في قطاع غزة، استعداد إسرائيلي لمناقشة الإفراج عن أسرى محررين في “صفقة شاليط” أعاد الاحتلال اعتقالهم خلال الفترة الماضية، بحسب ما نقلت القناة عن مصدر أجنبي، موافقة إسرائيلية على إبداء مرونة في القضايا الإنسانية. وفي المقابل، إسرائيل لا تلتزم بإنهاء الحرب، بل بالهدنة فقط،
فيما قالت القناة العبرية الرسمية إن معادلة التبادل ستقوم على تبادل عشرة أسرى فلسطينيين بالمعدل، مقابل كلّ أسير إسرائيلي، ويوم هدنة واحد مقابل كلّ أسير إسرائيلي يتم الإفراج عنه.
وبحسب موقع “واللا”، فإن المرحلة الأولى من صفقة التبادل ستشمل المجندات الإسرائيلية، وسيتم الإفراج عن أعداد مختلفة من الأسرى مقابل كل أسير إسرائيلي، وذلك بناء على “فئة الأسير”، إذ سيتم الإفراج عن عدد أكبر من الأسرى مقابل المجندات، وذلك قد يشمل أسرى من ذوي المحكوميات العالية.
وبحسب موقع “واينت”، فإن الصفقة ستشمل إطلاق سراح ما بين 200 إلى 300 أسير فلسطيني، مقابل 35 إلى 40 محتجزاً إسرائيلياً في قطاع غزة.
في حين لم تؤكد أي جهة إسرائيلية رسمية أن تكون المحادثات قد أفضَت إلى اتفاق حول عدد أو أسماء الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم، والحديث حتى الآن يندرج ضمن تسريبات وتقارير إعلامية فحسب.