محمود الأزهري تكتسب الثورة قوتها من عدم القدرة على التنبؤ بمداها، أو نهاية النقطة التي يمكن أنْ تصل إليها، ويكتسب الفعل الثوري صدقه من قدرته على تطوير نفسه واحتمالاته للنمو والتصاعد والاشتعال وبهذه الطريقة يخاف المستبدون على مصالحهم فيتنازلون لصالح الفعل الثوري، ومع ازدياد اشتعال الفعل الثوري يخاف الطغاة على أنفسهم فيتنازلون للثوار ويحاولون الانسحاب بهدوء من المشهد حفظا لحياتهم كما فعل ‘بن علي’ أو لإعادة ترتيب الأوراق وترتيب الصفوف كما فعل المخلوع مبارك وباقي أفراد العصابة؛ وبهذه الطريقة نجحت الثورة وفعلها الثوري المتمثل أساسا في التجمع في ميدان التحرير وإعلان إرادة ورغبات ومطالب الشعب المصري بشكل أساسي وسلمي يتبعه التجمع في كل ميادين مصر لتحقيق نفس الهدف ولأن هذا الفعل نفسه لم يكن معروفا في مصر بهذا الشكل وبهذه القوة من الصدق والحماس وعجز أجهزة الأمن عن التنبؤ بنهايته أو النقطة الأخيرة له فقد مثّل فزعا وخوفا وهلعا في قلوب اللصوص الطغاة المستبدين فأقيلت الحكومة وخلع أو تنحى مبارك ثم توالتْ خطوات الثورة حتى بدأتْ العصابة في الفهم والاستيعاب وإعداد العدة لإجهاض الثورة بمساعدة من قوى الثورة التي انقسمتْ على نفسها وتوهمت تحقق نجاحها الكامل والنهائي وفجاجة فصيل واحد – وهو جماعة الإخوان السرية وحزب الحرية والعدالة العلني – بمحاولته الاستيلاء على الثورة بمنطق وضع اليد. وإذا كنا قد وصلنا اليوم إلى نقطة وقوفنا أمام مرآة أخطائنا وخطايانا تجاه الثورة ومعرفة حقيقة وجوب العودة للفعل الثوري مرة أخرى، خاصة ذلك الفصيل الإخواني الذي ادعى أن الشرعية للبرلمان لا للميدان وللأسف الشديد فإن هذه المعرفة لم تعد مجدية اليوم وذلك لأن الخصوم أعداء الثورة صاروا يمتلكون من الوعي ما يجعلهم قادرين على استيعاب فعل التجمع والتجمهر والتكدُّس والتنازع والتخاصم والتصوير في ميدان التحرير سواء أكان فعلا مليونيا أو أكثر من مليوني لأنه ببساطة صار فعلا مدروسا ومعروفا ومُحَاطا به لدرجة أنه صارت هناك نكتة تقول ‘ثورة ثورة حتى العصر ثورة مالهاش دعوة بمصر’ وكيف يمكن أن يتحقق الخوف من تجمع بشري تنتظر أوتوبيساته على الكورنيش للمغادرة وإنهاء المشهد؟ لذا فإن معسكر الفلول أو أصحاب الثورة المضادة بدأوا يتعاملون مع ميدان التحرير ‘كفعل طقسي’ لا خوف منه تماما كما كان يتعامل نظام المخلوع مبارك مع مولد الإمام الحسين ومولد السيدة زينب أو السيدة نفيسة أو لعبة النهائي بين فريقي الأهلي والزمالك أو احتفاليات محمد منير أو كاظم الساهر في الساحل الشمالي أو الصحراء الغربية وكما يتعامل مع زيارة اميتاب باتشان للقاهرة او الاسكندرية ظللتُ أفكّر في هذه الحالة وكنتُ أسأل نفسي هل من المفيد حقا أن أكتب عن هذه الحالة التي أفكر بها؟ وهل نحن على استعداد لتحمّل نتيجة تسجيل مثل هذه الأفكار التي يؤيدها الواقع المعاش؟ ‘فأحمد شفيق’ أبدى ترحيبه بميدان التحرير، وأعلن أنه على استعداد لتحويله لهايد بارك كما هو في لندن اذا فاز بالرئاسة – قبل ان يخسر معركة الرئاسة – وبما يؤكد تحوُّل الميدان من ‘فعل ثوري’ إلى طقس شعبي عادي. وكذلك ما شهدناه من تهديدات وتلميحات بالتحول للعنف وتأكيد جماعة الإخوان المسلمين على أنها جماعة لا تحب العنف وليس ذلك من منهجها وتناقض هذه الأقوال مع تصريحات سابقة بأنه إذا لم يفز مرسي فإننا نكون أمام بحور من الدم وثورة فإذا وضعنا بجوار هذه الصورة ما تقوم به وزارة الداخلية المصرية من ضبط مئات الصواريخ ومنها صواريخ مضادة للطائرات ومنصات إطلاق صواريخ وصواريخ عابرة للمدن وعشرات الآلاف من الطلقات فإننا نكون بإزاء صورة مأساوية بامتياز وهو ما يؤكد الفكرة التي تقول: ـ ويجعلها قريبة جدا من الصدق والصواب – إن نجاح الثورة – إذا كنا نريد لها النجاح – يستلزم تطوير ‘الفعل الثوري’ المتمثل في التجمُّع في ميدان التحرير والهتاف حتى وقت محدد أو الاعتصام لفترة محدودة يجب أن نبحث عن شكل جديد للفعل الثوري ويجب أن نبدع آلية جديدة لاشتعال الثورة ـ كما يقول الكثير من شباب الثورة سواء منهم من كان منتميا لجماعة الإخوان المسلمين المستفيدين بشكل مباشر من هذا التحول الثوري أو كان منتميا لقوى ثورية لا نصيب لها في حقائب السلطة أومقاعد البرلمان، وفي هذا السياق يجب أنْ نسأل بكل وضوح وشجاعة هل ستظل الثورة المصرية البيضاء سلمية سلمية ؟.’ كاتب مصري