يغادر «جيل» بطل فيلم «منتصف الليل في باريس» مكتبة شكسبير.. إنه المشهد الأخير من رحلة الشاب الحالم بالسفر إلى عشرينيات القرن الماضي في مدينة باريس العجائبية. وخروج الشاب البوهيمي من مكتبة شكسبير ليس باللحظة العابرة، وإنما هي عودة إلى الواقع، بعد رحلة سفر عبر الزمن، وقد نجح في رحلته، التي يحلم بها كل من عشق العيش في ذلك الزمن.
أثار إعجابي حديث «جيل» إلى «أدريانا» عشيقة الفنان بيكاسو حين التقاها خلال رحلته: «أقول دائماً إنني ولدت متأخراً»، فيأتي رد «أدريانا» وهي تحلم بالعودة إلى أبعد من ذلك حيث العصر الذهبي لعام 1890: «لطالما كان للماضي تأثير عظيم عليّ، وبالنسبة لي فإن باريس العصر الذهبي مثالية.. وعي مغاير تماماً.. مصابيح الشوارع.. أكشاك الاستراحة والخيول والعربات ومطعم ماكسيم».
أغلب معالم الفيلم بدءا من الشخصيات، الذين التقاهم جيل، مروراً بالأفكار والحوارات، التي شكلت ألوان الفيلم، كانت مستوحاة من عالم مكتبة شكسبير الباريسية، بكتبها وشخوصها وذكرياتها، التي تعتبر محطة مضيئة في عشرينيات القرن الماضي.
رؤية الفيلم هي حلم بالسفر عبر الزمن، ثم يتحول إلى شبه حقيقة حين يتسكع جيل في شوارع باريس، ثم يظل طريق العودة إلى الفندق، الذي يسكن فيه، فتصادفه سيارة قديمة تقله إلى زمن العشرينيات.. شخوص الماضي ومراسم وجلسات حوار وحانات وصالات رقص وأزياء. والمدهش هو لقاء وحوار العصور الثلاثة.. جيل القادم من عام 2010، والزمن الجميل 1920، ثم العصر الذهبي 1890، وحلم أصحاب العصر الذهبي، وحديثهم إلى جيل وأدريانا بالسفر إلى عصر النهضة.. الفنان والكاتب يحلمان بالهجرة عبر الرسم والموسيقى والكتابة إلى أفاق بعيدة.

جيمس جويس و سيليفيا بيتش في باريس
هنالك رأي يقول إن المتأمل في الماضي يستعصي عليه التعامل مع الحاضر، وقد لا أتفق مع معه.. وأرى الهرب من الحاضر نتيجة قلق النفس المرهفة والضجر وتعقيدات الحياة، وإلى حد ما اتفق أصحاب الأزمنة الثلاثة على مواصلة البحث عن المثالية.
الكتب والمخطوطات ولوحات الفن التشكيلي يمكن من خلالهما للبوهيمي الحالم وصاحب الفكر الحر، السفر إلى أي من الأزمنة التي يحلم بالذهاب إليها من دون بطاقة سفر. وربما يعود نجاح الفيلم، والتفاعل معه، إلى فكرة محاولة نقل الصور الذهنية، التي يتمناها الحالمون، فتصبح ضمن شريط الذكريات، والحنين إلى الماضي البعيد ذات يوم، صورا حية.
الفيلم مشحون بشخصيات كبيرة كان لها الأثر الكبير في الحياة الفنية والأدبية في أوروبا مطلع القرن العشرين، أمثال ت س اليوت، هيمنغواي، سكوت فيتز جيرالد، كول بورتر، جيرترود ستاين، بيكاسو.. وكانت هذه الشخصيات وسواها ترتاد مكتبة شكسبير، والمكتبة هي ملتقى الثقافتين الإنكليزية والأمريكية في باريس، وصاحبة المكتبة هي «سليفيا بيتش» مواطنة أمريكية مغرمة بباريس، وقد وصفها هيمنغواي في روايته «باريس وليمة متنقلة»، بأنها «سيدة بهيجة وكريمة وخلفها رفوف ورفوف من ثروة المكتبة مرصوفة على جميع الجدران حتى السقف». وقد اختارت الحياة في مدينة النور فأسست المكتبة، حيث عثرت على محل للإيجار في شارع دوبيتران بمساعدة ادريان مونييه.
وسبب تسمية المكتبة باسم شكسبير كما تقول سليفيا «خطر لي اسم المكتبة ذات ليلة وأنا راقدة على الفراش». بدأت سليفيا بيتش أولى خطواتها باقتناء الكتب من محال ومخازن الكتب الإنكليزية المستعملة في باريس، وقد وصفت بيتش تلك الكتب بالانتيكات، ومن مكتبة «بيوفو وشيفيليه»، التي تعتبر حقل استكشاف للمنقبين عن الكتب، إذ كانوا يهبطون للقبو حاملين الشموع.. تقول سليفيا «يا لها من مخاطرة للبحث عن الكنوز المدفونة تحت طبقات من الأغراض والكتب». ومن أمريكا وصلتها أحدث الإصدارات الأمريكية.
سافرت سليفيا إلى لندن وجلبت معها صندوقين مليئين بالكتب الإنكليزية. وفي طريق عودتها التقت ببائع الكتب إلكين ماثيوز «العجوز المهذب» حسب وصفها، وربما كانت من أجمل محطات سليفيا في البحث والعثور على الكنوز، وطلبت منه إصداراته لـ»ويليام ييتس وجيمس جويس وإزرا باوند. وكان ماثيوز جالسا في مكان كأنه معرض فني، وتراكمت الكتب حوله زاحفة لتصل حتى قدميه، ووجدته شخصا لطيفًا. وذكرت لماثيوز أنها رأت بحوزته رسومات للفنان والشاعر ويليام بليك، وتحققت أمنيتها وباعها ماثيوز رسمتين أصليتين لبليك، بمبلغ وصفه الخبراء بالضئيل.
طلبت سليفيا من ماثيوز عناوين ييتس وجويس وباوند، كما طلبت لوحات مرسومة لهم إن توافرت في باريس، وبعد بضعة أيام، وصلها منه صندوق ضخم من الإصدارات واللوحات. عملت سليفيا على تنظيم محتويات المكتبة من كتب ومخطوطات ولوحات وأثاث، وعلى نافذة المكتبة عرضت أعمال جيفري تشوسر وت. إس. إليوت، وجويس وسواهم. وفي داخل المكتبة اصطفت المجلات الأدبية والفكرية الأميركية والإنكليزية. وعلقت على الحيطان لوحتين لوليم بليك، وصورتين لوالت ويتمان وإدغار آلان بو، وصورتين لأوسكار وايلد، ومخطوطات قصيرة لوالت ويتمان.

مصادفة مدهشة افتتاح المكتبة في عام 1919 حيث كانت أمريكا قد منعت حرية نشر بعض الكتب والروايات، مما ساهم في نجاح المكتبة، إذ هاجرت إليها «الطيور البرية». وهذا الوصف أطلقته سليفيا على الفنانين والكتاب الأمريكيين الذين قدموا لـ»الحج» إلى الضفة الغربية من نهر السين أمثال جويس، وبيكاسو، وهيمنغواي، وماكالمون، والسيدتين جيرترود ستاين واليس ب توكلاس، وجورج أنثيل عدا أزرا باوند وزوجته دوروثي وقد قدما من لندن، والموسيقي الروسي إيغور سترافينسكي
أعظم نجاح حققته سليفيا بيتش هو تبنيها نشر رواية «يوليسيس» للكاتب جويس، والتي تعتبر أهم رواية كتبت في ذلك الزمن، وقدمت سليفيا الطبعة الأولى للرواية لجويس في يوم عيد ميلاده بغلاف أزرق يوناني حمل العنوان وأسم المؤلف باللون الأبيض، وقد أسر جويس بذلك كثيراً، والرواية منعت من النشر والتداول في أمريكا والدول الناطقة باللغة الانجليزية وبلدان أوربية أخرى.. يوليسيس مستوحاة إلى حد ما من الأوديسة الإغريقية للبطل الملحمي هوميروس بطابع الحداثة، وهي مثيرة للدهشة، وقد تكون هي المتاهة وبين دفتيها يتوقف الزمن.. فصول الرواية كأنها صور متماسكة النصوص ومحكمة بسيل من الوعي الأدبي بخيال واسع.
بعد ذلك المشوار انتقلت مكتبة شكسبير إلى شارع الاوديون مقابل مكتبة مونييه عام 1921.. تتحدث سليفيا عن ذكرياتها في شارع الاوديون: «أظنني الأمريكية الوحيدة التي اكتشفت شارع الاوديون.. اندمجت في حياته الأدبية الشيقة آنذاك.. أدين بنجاح مكتبتي لكل الأصدقاء الفرنسيين الذين تعرفت عليهم في مكتبة ادريان مونييه». ووصفت الكتاب الجيدين بالعملة النادرة.
ومن طرفي أتذكر زيارتي للضفة اليسرى من نهر السين في المنطقة الخامسة، وشارع الاوديون بالقرب من حي سان جيرمان الشهير والجميل والانيق والمقاهي الكلاسيكية، ومنها مقهى دوم، وباعة الكتب على ضفة النهر، وجلسات الرسم لفنانين تشكيليين، والحي اللاتيني وجامعة السوربون.. حقاً إنها مساحة ثرثارة بالبوهيمية والشاعرية والإبداع.. باريس مدينة مسكونة بالإلهام، وليس ثمة نهاية لباريس.
كاتب عراقي