هُدى بركات
لا تمتلك الروائية هُدى بركات أي إحساس بالاتجاهات، فسرعان ما تضيع وتصبح خائفةً فجأة؛ لأنّها لا تجد أيّ نوع من العلامات، التي كانت تبحث عنها في الطريق أمامها حتّى لا تضيع.. هذا ما كشفتهُ في كتابها الغريب، الذي يضجّ بالوقائع والأحداث الاجتماعيّة المُتشظية «بريد الليل» غابرًا، مُستعينةً بلُغتها ومُستعملةً كلماتها لتحقيق ما تريد.
لم تعد تستمتع بشيء إلا عندما تكون وحدها، إذ اتسعت الوحدة شيئًا فشيئًا إلى أن صارت بذخًا كاملا ومُلكا عظيما كالشمعة، حينما تضيءُ بمفردها، وتنطفئ في العراء كيفما تشاء؛ ذلك لأنّها تؤمن بأن العالم ليس سوى بضعة آلاف من الأقنعة، التي تخدع المرء وتجعله يشعر بالعمى أو الغباء. تخشى أن يخلط أحدٌ بينها وبين امرأة أُخرى فيروي عنها ما لا يشبهها تماما، أو يذكر تفاصيل غير مُهمّة على الإطلاق بالإضافة إلى خوفها من خيبة أمل البلدان وخيانتها المُباغتة؛ بسبب طبيعتها الهشّة الحقيقيّة، والأهم من ذلك أنها تخاف من الكذب، وأحيانًا تخاف الحنين، الذي يُجمل أشياء ماضية لا يمكن استعادتها، فضلا عن أنها ترتعب من العودة إلى الوراء؛ كونها امرأة نافدة الصبر، ويُلازمها التوتر دائما في مثل هذهِ الحالات.
«صراحة، أصبحَ لا يُطاق بحثكِ عن المعاني، صرتِ تشبهين حكايات الكتب، التي تقرئينها: بداية، متن، نهاية.. ثلاثيّة المنطق الحديديّة. صرتِ مُرعبة في شطارتكِ».. هكذا تقول هُدى بركات على لسان إحدى شخصياتها الروائية، وهي في الأصل تصف ذاتها الفريدة اللماحة، وتركيبتها الدقيقة القلقة، المُبالغة في أخذ الكلام على محمل الجدّ، والمُتذمرة من الغواية الذكوريّة الساذجة.
نقرأُ في روايتها «حارث المياه» وصفًا على هيئة اعترافات عذبة، تستهل به الصفحات الأولى من السرد المُتدفّق على نحو عالٍ، وكأنها تغرف من المياه لإكمال الأفكار وتشذيب العبارات، إذ تكتب: «أعيشُ الآن كما أحببت دائما، مُحاطًا بكُلّ ما رغبت منذُ طفولتي أن أُحاطَ بهِ، أرى ما أريد، وألمس ما حلمت دوما بلمسه، وسماع حفيفه، واستنشاق رائحته، وامتلاء عينيّ بضوئه وظلّه».
تحاول من خلال الحبكة والشخصيات الرئيسة والثانوية إيصال فكرة أن الحياة لها دورتها الخاصّة، وإيقاعها الواضح، خاصّة في مدينة مثل بيروت، وأن الحياة فيها لا تتجدد إلا بعد خراب وموت عظيمين، بينما هُناك مَن يجد أن هذهِ الفكرة ما هي إلا تسويغ للحروب والنكسات المُتوالية في شوارعها البهية؛ لتخفيف الذاكرة من عبء الأزمات والكوابيس اللامُتناهية، الّتي حرمت سكانها من العيش الهانئ الرغيد.. إن التسويغ هو شوقٌ محمومٌ يفلت من الظهور الساطع، الذي يفضح صاحبه على أكمل وجه، بعد تغيّر الزمن وحيثياته المُعتادة، فالحاضر ليس سوى بدعة صغيرة، ونقص مرير لا ريب فيه.
إن الشخصيات النسائيّة في الرواية جادّة وعنيدة، لا يخضعن للحداثة وما يُسمى بالموضة الدارجة في المُجتمع، لأنّ الذوق الرفيع لا يعتمد على الموضة.. تُشير أحوال الرواية إلى أن أساس المُشكلات البيئية غالبًا ما ترتبط بالذوق والهوس غير المحدود بشيءٍ ما، لا يرضي الفكر السليم والمنطق الصارم أو الروح السامية.
تُنبه بعض الدراسات في زمنٍ موازٍ للمُؤلّفة أن الإنسان يُولد مع قدرات على الفهم، والاستيعاب، والإبداع، والتعامل مع الفنون، لكن هذهِ القدرات يجب ترويضها وملؤها وتهذيبها منذُ الطفولة، من أجل أن تستقبحَ وتزدري ما هو شائنٌ عندما تراهُ وتلمحهُ، سواء أكانت تصرفات أشخاص، أو أمور مُتعلقة بالجماد والحوادث الهجينة الجليّة، وإلا فإن الذائقة المصقولة والحساسة سوف تذبل لتفسح المجال للذائقة الجديدة الأكثر تدهورًا!
تغرس الكاتبة إحساسًا قويًّا في شخصياتها الروائيّة – خصوصا الشخصيّات الرئيسة- بما يريدون أن تكون عليهِ الأمور تحديدا.. تُعيد الأشياء إلى أصولها وجذورها: لفظة الموضة إلى بلاطات الأمراء الإيطاليين والفرنسيين ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر، حياكة القنّب للأكراد ومناطقهم، ثمَّ جعله رمزًا لكفن الموت، أيّ نستخدمه في حديثنا ككنايةٍ عن الدفن وروائح طقوسه.
تستأنف حبكتها المُتسلسلة بعد سبعين صفحة بقول الشابّة والخادمة الكرديّة شمسة (تصغير لكلمة شمس) التي بدأت تتفتح وتكبر بخجلٍ كالشمس، بمُجرّد اندلاع الثورات والحروب، إذ غدت عاريةً ويداها خاويتين من كُلّ شيءّ: «أنا سمينة لأنّ لا بلادَ لي، آكل ليكبر جسمي، ولألقي وزنه بثبات على الأرض، فيشعر بالأرض. فلشدّة ما مشينا حينَ غادرنا أرضنا، كنتُ أسير كأنّي أتطاير». وتؤكد حديثها بتأثيراته كالآتي: «أسمن حتّى أقيم وأشعر بالوطن، حتّى يكبر حجمي ويشغل الهواء؛ كي أستقرَ في كثافةٍ ما وأنزل في منزلٍ لي».
تقصدت الكاتبة أن تُحركنا ببعض الأوصاف المُغتربة كي نتتبع حواس (شمسة) وإتقانها لفصاحة الكلام تدريجيًا، فضلا عن تعلمها الإفصاح عن رغباتها، والتظاهر بتضاريس جسدها الفائضة، تفكّ أقفال ذاكرتها، وإخبار المُقربين منها عمّن تكون ولِمَّ تروي قصصًا عن شعبها والأرض المهجورة خلفها، فليس بعدَ الاكتمال سوى التعذيب والتأرجح بين الحضور والغياب، كما يقول رفيق حياتها داود، الذي لم يفلح في الدراسة ولا في الموسيقى، ونال سخط والدته وإصرارها على تسميته داود (بمعنى الحبيب أو المحبوب) دون أن تكشفَ لنا بركات عن مَغزى اسمه والمزيد من أوهامه، المُكتسبة من جدّ أبيه، بغية إثارة فضولنا وتشويقنا، وهو تكتيكٌ مُناسبٌ لمثل هذهِ الحكاية في ظل ارتداء الأقنعة، للانصراف إلى مُزاولة السياسة، الحافلة بالمكائد السرّية.
تنقل لنا جدلية الحضور والغياب عبرَ أسباب غامضة وضعيفة، واعتذارات مُراوغة بليدة لا جدوى منها سوى إقناع الآخر، وتأخير سقوطه النفسيّ واتزانه العقليّ، بشكلٍ صادم وقاسٍ كالتالي: «أتعذّب كُلّما رحتِ تروين لاهيةً أسباب غيابكِ الواهية، التي تسوّر هذا الغياب جيدًّا وتحفظه بأوقات حضوركِ، الذي لا يحسن الاعتذار، وأعرف أنّي بتّ أخسر هذا الحضور أكثر فأكثر، إذ لا أراهُ إلا مُحاصرًا بذلك الغياب وتكرارًا لهُ، أتعذّب في مُتعتي بحضوركِ.. كأنّي في حضوركِ أفرغ الماء الذي لي الآن في سلال الأمس التي ضاعت منّي».
قد تخشى (شمسة) من بؤس الحكمة وشجن الوعي، إذ تتصرف بهذهِ الطريقة، لأنّها تعتقد أن ما تعطيه تخسرهُ وتدفع ثمنهُ باهظًا لاحقًا؛ ولذلك تقع ضحية معرفتها الفقيرة، وغفلتها المديدة، حينما تخيلتها زهيدة وبعيدة عنها، ممّا يجعلها تتساءل بسخريةٍ حزينة مُدركةً أنها بلا أملٍ أو خلاص من مُشكلتها المُستمرّة في ليلةٍ لا ترضى أن تضيء معها: «منَ قالَ لي إننا كُلّما أعطينا ازددنا ثراء، كُلّما افسحنا اتسعت الدار، كُلّما غرفنا امتلأت العدولُ والقدور؟» تلحق أسلوب الاستفهام بإجابة توحي بخداعها وفشلها في تعلّم الدرس كما ينبغي، مُعبّرةً بهِ عن ذوات عربيّة مُعجبة كثيرا «بأناها» وتُعاني من مأساة إهمال التخطيط، السخاء والاكتناف العشوائيّ آنذاك وإلى الآن: «لم يقل أحدٌ لي أن أحصي مُمتلكاتي، لم ينصحني أحدٌ بالتواضع لمعرفة اتّساع داري، لم يمسك أحدٌ يدي عن الغرف من عدلي وقدري، قبل أن أعمد إلى وزن داخلها القليل».
صوّرت الحرب اللبنانية ومُخلفاتها بدءًا من الدمار وفقدان المعنى وانتهاءً بالفراغ واللوذ بالحُبّ لتفادي نغمة الحياة الرتيبة ما بعد الحرب، لكن صوّرتها بلقطاتٍ استعراضية تنزلق حبكتها ويضيع تركيزها من وقتٍ لآخر.
تنتهي الرواية برسالة مجازيّة تفيد بأن القصص بأكملها مُتشابهة وتلتقي في الأخير مهما كانَ مصدرها وشكلها، كأنّ البشرية – بتعاقب أجيالها- تتكرر نفسها بطريقةٍ غشيمة لا تعرف شيئًا عن الفطنة والمعرفة التراكميّة، كما لو أنها بلا تجارب أو خبرات سابقة، وهو ما يفضي بنا إلى توقع القادم دون استغراب أو حزن بعد حين؛ جراء حرثنا المُتواصل في المياه الباردة.
يجب علينا أن نُفعلَ شراهة الاستماع لخلق حكاية مُختلفة خاصّة بنا وحدنا، غير مُتكررة أو مُتوقعة، فمن خلال الانتباه إلى القصص وموتها تكتسب قصصنا معناها المنشود لا شكّ، هذا هو الغرض من الاستفادة من درس الآباء والآخرين، أن نحرثَ قصصنا الفعليّة بأنفسنا، وألا نغرق في عبثية الإفادة وغواية الكلام، أو بالأحرى ألا نقضي حياتنا مُتعبين، نحرث المياه بلا جدوى، ونتساءل كيف متنا بهذهِ البساطة بلا شعورٍ أو قتلٍ مُباشر؟!
تحذر بركات الجميع من الكماليّة والتغافل عمّا ينقصنا، فنسقط في وهم الكمال، مُتناسين ما نفتقده، مُتعذرين بأنه لا ينفعنا، فإذا الوقت يثبت العكس: «إن اكتمال كُلّ ما هو جميل قتلٌ لكُلّ ما عداه».
هُناك العديد من التعبيرات في المئة الأولى والثانية من الرواية لو قمنا بحذفها لما تخلخلت فصول الرواية المُهمّة، هي فقراتٌ مُطولة فارغة ليست سوى حشو لإطالة القصّة وتضخيمها عبثًا لا أكثر، وفصول قليلة أُخرى مُبعثرة الوقائع ومُتناقضة، يحتاج القارئ إلى ترتيبها وفهم أسلوب الوعي الذاتيّ للكاتبة وتكنيكاته الخاصّة به. ناهيك عن بعض التكرارات اللُّغوية والصياغات الواهنة، غالبًا ما تجاوزتها المُؤلفة ودفعت القارئ إلى نسيانها أو غفرانها، نتيجة حدث صاعق أو رأي بليغ باهر، يُدغدغ وجدان المُتمعّن في القراءة ويُنير منطقة نائمة في تفكيره، بما أنهُ يذهب مدفوعًا بخياله نحو الخاتمة.
كتبت هُدى بركات رواية «حارث المياه» وغيرها من الروايات باللُّغة العربيّة الفصحى، على الرغم من إقامتها الطويلة في باريس.. بقيت لبنانيّة الهُوية، عربيّة اللسان، وسط الاغتراب والتراجم، وعلى أثر إصرارها وأرادتها الصلبة حصلت على جوائز مَرمُوقة عدّة، حاولت عن طريقها أن تضمدَ جِرَاحها ولو قليلا!
كاتبة عراقية