الناصرة ـ «القدس العربي»: رغم تبنيهم رواية جيش الاحتلال الرسمية، يحذّر عدد من مراقبين إسرائيليين من التبعات الخطيرة لمذبحة الطحين على مصير مداولات صفقة التبادل وعلى مستقبل الحرب المتوحشة. ويصفها محلل شؤون إسرائيلية بمذبحة قانا الثالثة في إشارة لمذبحتي قانا في جنوب لبنان خلال عدوان «عناقيد الغضب» عام 1996 وحرب لبنان الثانية عام 2006. وعدا صحيفة «هآرتس» التي تكيل بميزان الأخلاقية والإنسانية أيضا ودعت في افتتاحيتها الأخيرة لوقف فوري للحرب، فإن معظم المعلقين الإسرائيليين يزينون بميزان الربح والخسارة لا الموازين الأخلاقية. في مقال نشره موقع «واينت» العبري يقول محلل الشؤون العسكرية رون بن يشاي إن لدى «حماس» والسلطة الفلسطينية وسيلتان فقط لوقف مناورة كبيرة للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ومنع تفكيك القدرات العسكرية لـ«حماس»؛ الأولى، هي صفقة مخطوفين، والثانية، تعرّضْنا لها مجدداً ومجددا، وهي ضغط دولي على خلفية إنسانية يجبر إسرائيل، وخصوصاً بسبب ضغط الولايات المتحدة، على وقف القتال بالكامل. ويقول أيضا إن «حماس» أدركت أن إسرائيل مستعدة لتقديم تنازلات بعيدة المدى في صفقة المخطوفين، لكنها ليست مستعدة بأي شكل من الأشكال لتتعهد بإنهاء القتال، لذلك، توجهت «حماس» إلى الضغط الدولي الذي تأمل بواسطته إجبار الجيش الإسرائيلي على الوقف التام للقتال، وهذا هو السبب وراء محاولة وزارة الصحة الفلسطينية والناطق بلسان السلطة الفلسطينية تحويل «الحادث الدموي» الذي وقع عند «نهب» شاحنات المساعدات إلى «مذبحة جماعية» تتحمل إسرائيل مسؤوليتها، ويُظهر أن الجيش الإسرائيلي هو الذي قام بها. وقبل أن تتضح كل التفاصيل وأرقام القتلى، أُطلق على الحادث اسم «مذبحة الرشيد» أو «مذبحة الطحين».
قنبلة متفجّرة
وضمن مزاعم بن يشاي القول إن الفلسطينيين يحاولون منذ الكشف عن الحادثة صنع قنبلة متفجّرة على صعيد الوعي تؤدي إلى وقف المناورة البرّية للجيش الإسرائيلي في غزة لافتا إلى إن مَن يقف في هذه الجبهة الدعائية الآن هو الناطق بلسان جيش الاحتلال الذي يتعين عليه أن يكذّب، بواسطة أدلة موثوقة، أن إسرائيل ليست المسؤولة عن المذبحة. ويمضي في تقديم نصائح للتغطية على الجريمة بالقول إنه حتى لو أطلق الجنود الإسرائيليون النار على الفلسطينيين الذين «نهبوا» الشاحنات، فإنهم ليسوا هم سبب سقوط هذا العدد الكبير من المصابين. ويضيف في مزاعمه «لقد واجهنا وضعاً كهذا في بداية العملية البرّية في القطاع، عندما سقط صاروخ أطلقه الجهاد الإسلامي، وسقط خطأً في باحة المستشفى المعمداني في شمال القطاع، وتسبب بمقتل عشرات الفلسطينيين؛ يومها مرّت ساعات طويلة قبل أن يقوم الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بنفسه بـ(تفكيك) هذه القنبلة الدعائية، وأعلن وجود أدلة إسرائيلية تثبت أن الصاروخ لم يكن إسرائيلياً، إنما هو صاروخ فلسطيني سقط عن طريق الخطأ».
مزاعم الدهس
ويرى بن يشاي أنه من الصعب إثبات ادعاءات الجيش الإسرائيلي بشأن ما حدث هذه المرة، لأن ما جرى فعلياً هو ثلاث حوادث مختلفة بدأت عند الساعة الرابعة فجراً، عندما دخلت شاحنات مساعدات إنسانية محملة بالمواد الغذائية شمال القطاع عبر حاجز مراقبة للجيش الإسرائيلي، واحتشد آلاف حولها، وحاولوا «نهب» المواد الغذائية التي تحملها الشاحنات، ويمكن رؤية ذلك عبر الفيديوهات التي صورتها مسيّرات إسرائيلية، وقد تعرض هؤلاء للدهس من الحشود أو من سائقي الشاحنات الذين حاولوا الفرار. ويتابع في محاولات التبرير والتغطية: «هذا كان الحادث الأول الذي يمكن رؤيته بوضوح عبْر كاميرات المسيّرات، ولم يكن للجيش أي دخل فيه. وبعد محاولة (نهب) الشاحنات، جرى إطلاق نار من جانب مسلحين، ربما هم عناصر من حماس أو من تنظيمات أُخرى، لتهدئة الجموع، وبهدف سرقة الشاحنات».
ويدعي أن الجيش الإسرائيلي تدخّل مباشرة في الحادث الثالث حين اقترب جزء من الجموع ووصلوا إلى مسافة عشرات الأمتار من الجنود الإسرائيليين، وكانوا على ما يبدو هاربين من نار المسلحين الذين حاولوا الاقتراب من شاحنات الغذاء في الاتجاه الآخر، وهنا يدّعي الضابط المسؤول عن الجنود في الدبابات الموجودة في المكان أنهم شعروا بالخطر، فأطلقوا النار في الهواء، ومن بعدها على أرجل الجموع التي كانت تتقدم نحوهم، ولم يوثق الجيش ما حدث في فيديوهات يمكن بواسطتها تكذيب الاتهامات الفلسطينية، لكن ما يستطيع الجيش أن يفعله هو أن يُظهر بهذه الفيديوهات، التي جرى تصويرها من الجو، أن أغلبية القتلى سقطوا في الحادثَين اللذَين لم تكن للجيش علاقة بهما.
تجميد مفاوضات الصفقة
ويأمل المعلق العسكري الإسرائيلي أن تتمكن إسرائيل من تكذيب الادعاءات الفلسطينية، لأنه من الواضح أنها غير صحيحة ومبالغ فيها، وما يمكن أن يساعدها في ذلك وجود صحافيين من شبكة «سي ان ان» في المنطقة ووسائل إعلامية أُخرى أجرت مقابلات مع الفلسطينيين الذين رووا أن سائقي الشاحنات قاموا بدهس جزء من الناس، وأن تدافُع الجموع تسبب بمقتل عدد آخر. ومع ذلك يحذّر رون بن يشاي من التبعات بالقول: «لكن الحرب على الوعي في هذه الراوية هي الآن في أوجها، ويمكن أن تكون لها تداعيات في استمرار القتال، وأيضاً في صفقة المخطوفين. أعلنت حماس أنها يمكن أن توقف أو تجمد المفاوضات بشأن الصفقة، لكن من المعقول الافتراض أن ما يجري هو جزء من الحرب النفسية التي تخوضها ورغم ذلك، وكما جرى في عملية عناقيد الغضب في التسعينيات، أو في حرب لبنان الثانية فإنه من الممكن أن يضغط الرأي العام الدولي على إسرائيل كي توقف القتال». ويشير انه في الواقع، ومن دون وقوع هذه الحوادث المأساوية، فإن الشرعية التي لدى الحكومة الإسرائيلية في الساحة الدولية للقتال دفاعاً عن نفسها هي اليوم في أدنى مستوياتها.
نصائح
وضمن نصائحه يقول رون بن يشاي إنه على الصعيد الاستراتيجي ـ السياسي، فإنه يجب على إسرائيل العمل بصورة ناجعة من أجل تقليص أكبر قدر ممكن من عدد الحوادث التي تسمح لـ «حماس» والسلطة الفلسطينية بتحقيق إنجازات على صعيد الوعي، وتقوض أو تقضي على شرعية مواصلة القتال حتى تحقيق كل أهداف الحرب. ويتابع «بشأن كل ما له علاقة بالمساعدة الإنسانية و(النهب) إلا أن ما جرى كان متوقعاً، فعندما بدأت أعمال النهب، كان من الواضح أنها عندما تحدث في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، ستتحمل إسرائيل المسؤولية عنها، وهذا يحدث دائماً عندما تكون أنت القوة المسيطرة على الأرض، شئت أم أبيت، والمسؤولية هنا نابعة من القانون الدولي، ووسائل الإعلام الدولية التي تعتبرك مسؤولاً عما يجري هنا». من هنا يستنتج القول إنه، من الأفضل أن يقرر المستوى السياسي أخيراً خطة لليوم التالي للحرب، بحيث يكون الجيش الإسرائيلي وَجِهَات أُخرى معاً مسؤولين عن حماية المساعدات وتوزيعها. كما يجب أن تكون القوات المكلَفة بتفتيش الشاحنات مزودة بوسائل تفريق التظاهرات، وأن تمتنع خلال وقوع أعمال شغب من إطلاق النار. كما يتعين على حكومة إسرائيل والكابينت أن يقدّما إلى الجيش الإطار السياسي والقانوني من أجل التعامل مع المواطنين المدنيين في القطاع في أقرب وقت ممكن، وإلاّ، فيمكن ألاّ نتمكن من تحقيق أهداف الحرب.
مقتلة جماعية عرضية
ويتوافق معه محلل الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل الذي يقول إن الجميع كانوا يخشون حدوث مقتلة جماعية للفلسطينيين عن طريق الخطأ، والآن، يمكن أن يصبح لهذا الأمر عواقب. موضحا أنه منذ بداية الحرب في القطاع، كان هناك خطر كالذي وقع يحيق فوق الرؤوس؛ مقتلة جماعية عرضية، في مواجهة بين الجيش ومواطنين فلسطينيين، سيؤثر في استمرار القتال، ويقلص من الإمكانات التي تملكها إسرائيل، وهو سيناريو قانا أدى إلى إنهاء حملة «عناقيد الغضب» قبل موعدها في جنوب لبنان. وبعد مرور 10 أعوام، في حرب لبنان الثانية، حاول حزب الله أن يكبّر حادثة ذات سمات مماثلة حدثت في القرية ذاتها. ويمضي في مقارباته: «في الحالة الثانية، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار استمر مدة 48 ساعة، لكن المعارك تجددت لتستمر مدة أسبوعين بعد ذلك، إلى حين موعد التوصل إلى تسوية أدت إلى إنهاء الحرب. ومن الممكن أن تلجأ الولايات المتحدة الآن إلى استغلال الكارثة لزيادة ضغوطها على إسرائيل لحملها على لجم نشاطها العسكري والتوصُل إلى تسوية سريعة، لكن هناك عنصراً آخر في هذه القصة، وهو حماس، التي لا تلاقي مصاعب في تشخيص أنها حصلت على ورقة رابحة على طاولة المفاوضات. ومن شأن إسرائيل، في السيناريو الأكثر تشاؤماً من ناحيتها، أن تواجه مطلباً دولياً أكثر شمولاً وحسماً من أجل وقف إطلاق النار، ومن دون العثور على حل، ولو جزئي، لأزمة المختطفين». ويخلص للاستنتاج بأن نتنياهو يواجه الآن أزمة مضاعفة، بل أيضاً ثلاثية؛ ففي ميدان الحرب، يجد الرجل نفسه في زاوية يمكن فيها أن تمارَس عليه ضغوط استثنائية من ناحية الحجم من أجل وقف النشاط الهجومي في القطاع.
لا وجود «لليوم التالي» في غزة
وحول اليوم التالي الذي يرتبط أيضا بمذبحة الطحين ترى دانا فايس محللة الشؤون السياسية في القناة 12 العبرية أن الحديث عن اليوم التالي مضلّل، فهو لا يدور بشأن يوم أو بضعة أشهر، إنّما بشأن سنوات كثيرة مُقبلة. وما تعلّمناه في أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر هو أنه لا توجد طريقة فعلاً لتفادي الأسئلة المصيرية المتعلقة باستمرار وجودنا هنا. وتتساءل فكيف يمكن أن نعيش إلى جانب ملايين الفلسطينيين الذين يشاركوننا بقعة الأرض نفسها بين النهر والبحر؟ وهذا ما يحدث أيضاً في قطاع غزة الآن، إذ إن الإنجازات العسكرية تتآكل بسبب عدم وجود خطوة سياسية تنهيها. فلماذا لا توجد خطوة كهذه ولا يوجد أفق للقرارات؟ كما قلنا؛ فإن كل شيء يعود إلى المستوى السياسي ولا مفر من ذلك، ومن أجل نقاش (اليوم التالي) في غزة ومستقبل الدولة كلها، فإن علينا أن نمر بصناديق الاقتراع، وعلى الحكومة أن تحصل على تفويض جديد على أمل أن تعالج المعركة الانتخابية هذه المرة ما يهمنا فعلاً؛ كيف يمكن لإسرائيل، كما يفترَض بها، أن تتواجد في هذه المساحة الواقعة بين النهر والبحر بعد 7 من تشرين الأول/أكتوبر؟ وأي مجموعة قيم مطلوبة من أجل إظهار القوّة التي ستبقينا هنا لسنوات طويلة مستقبلاً؟».
وتخلص فايس للقول إنه «في الوضع الحالي، فإن كُل من يتوقّع قرارات استراتيجية كالوزير غادي آيزنكوت، سيكتشف أن هذا يحدث ميدانياً في يد من يمسك بالمقود فعلاً؛ وهما الوزيران، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بقيادة نتنياهو الذي يسمح بحدوث هذا».