بإمكان المرء أن يعشق الحياة ويختار العيش بعيدا عنها، وعلى هذا الأساس تقوم أفكار القائمين بالرحلات، التي يكون الخطر فيها هو الطريق الأوحد، يملؤهم انبهارا بلوغُ حدود العالم، أو أيّ مكان آخر يُعدّ كوكبا صغيرا داخل كوكب الأرض، لأن بإمكانهم التأمل فيه في نهاية الشوط بكلّ حريّة، وقد رُفع فوق رأس كلّ منهم عرشٌ للمجد.
أمضى الكابتن (روبرت فالكون سكوت) مع عشرين من رجاله شتاء عام 1911 في كوخ من أجل أن تمرّ العاصفة الثلجيّة، والانطلاق بعد ذلك لاستكشاف القطب المتجمد الجنوبيّ. ولتزجية الوقت أقام أعضاء الفريق جلسات للنقاش عن مستقبل علم الطيران، والفنّ اليابانيّ، وعلم طفيليّات الأسماك. أيّ اهتمامات متباينة وغريبة كانت لأعضاء الفريق، وكيف يمكن قيادة رحلة استكشاف للقطب، وأعضاؤه يمتلكون هذا الطيف العريض من الأمزجة والطبائع والمهارات؟ الوقتُ يمرّ ثقيلا في الكوخ، والنهار والليل طويلان ومتداخلان. ينتهي الدرس، وتبدأ ساعات الراحة بالاستماع إلى الموسيقى وكتابة الشّعر والرسم بالألوان المائيّة، وكذلك قراءة كتب التاريخ والأدب.
عندما تبلغ درجة الحرارة سالب 45 مئويّة، أو أقلّ، يصبح المحرار غير صالح، لأن الزئبق يتجمّد فيه، ويأخذ النظر بالتشوّش نتيجة للشفق القطبيّ الذي يظهر وحشيّا عند شروق الشمس وغروبها، وتميل الأرض إلى الجانب بصورة خادعة، فكأنك تسير على منحدر وسوف تهبط إلى القاع، وتتوقّف عندها الكلاب عن الجري، ويتحتّم على الرجال جرّ الزلاجات بأنفسهم. ستون من كلاب الأسكيمو خرجت عن الخدمة، وكان على قائد الفريق الكابتن سكوت توفير الطعام اللازم لها وسط الصحراء الجليديّة. إن حبّه للكلاب أدّى به إلى المضيّ في رعايتها وعدم التخلّص منها بأيّ طريقة.
كثرأكثر بالإضافة إلى الطقس السيّء، أعاق أعضاء الفريق عن التقدّم الملابس السيّئة والمؤونة غير الكافية، وكذلك الخيام رديئة الصنع. في 17 كانون الثاني/يناير 1912، أي بعد مضيّ حوالي عام من بداية الرحلة، اكتشف الكابتن أن الرحّالة النرويجي أمندسن سبقهم وغرز علم بلاده قبل أربعة وثلاثين يوما. فشلت مهمّة الفريق، وكانت ترمي في الدرجة الرئيسيّة إلى بلوغ أعلى جبل في القطب وتثبيت العلم البريطاني. ثم ابتدأت رحلة العودة، وكان الكابتن يقود فريق المستكشفين بمفرده بعد أن مات نائبه في حادثة سقوط. يا له من شعور بالتضحية في سبيل الجميع! أُصيب الرجل بعضّة الصقيع في قدميه، وعندما أدرك أنه يعوق تقدّم رفاقه، غمغم بأشجع وأشهر الكلمات في تاريخ الاستكشافات القطبيّة: «سأخرج قليلا، وقد أتأخّر». خطا بعد ذلك خارجا إلى العاصفة الثلجيّة ولم يره أحدٌ، وكان يصادف في ذلك اليوم عيد ميلاده الثاني والثلاثين.
الحياة مليئة بالدراما القاسية، وهي أغرب كثيرا مما نشاهده في الأفلام، وتختار الآلهة بعض البشر ليقاسوا أحداثها مفصّلة، والبعض الآخر تُعطيهم دور النظّارة، لا شيء يهمّهم غير أن يشتدّ بنا القدر أكثر، ويعذّبنا ويقطّع أوصالنا في سبيل أن يكون العَرْض أكثر تشويقا. إن الأمر يشبه انعكاس حلم. وللأدب وحده القدرة على ترجيع صدى الأقاليم الأكثر صعوبة فيه. كما إنّ القدر يلتذّ لا بالمكرور والمُعاد من المآسي، بل بالمتنوّع وغير المتجانس.
مع الخيبة التي رافقتهم ظلّ أعضاء فريق الاستكشاف يتساقطون تباعا. وبعد مرور شهرين بقي الكابتن واثنين من رفاقه، ومعهم مؤونة يومين فقط، ونصبوا خيمتهم للاحتماء من عاصفة هوجاء تقترب، والثلاثة كانوا منهكين من الجوع ومن أعراض الاسقربوط. لقد قطعوا 740 ميلا وما يزال أمامهم 140 ميلا إلى القاعدة الأساسيّة، لكنّ ثمّة مستودعا للوقود والطعام يبعد أحد عشر ميلا فقط.
إن سوء الطالع لا يفتّ في إرادة حديديّة مثل تلك التي يمتلكها الكابتن سكوت. لقد قام بالمهمّة على أكمل وجه، وحصل على كلّ ما يدلّ على الحياة في المكان الذي لم يصله البشر سابقا، ورغم أنه كان شديد الحرص على عدم أخذ حمولة زائدة لدرجة أنه حسب مؤونة فريقه بأجزاء الأونصة، نجده يحمل صخورا ثلاث على كاهله، لأن في كلّ واحدة شرح لحقبة من عمر الأرض تبلغ أكثر من مليون سنة. لو أنه قام برمي الحمل الزائد هذا عن طاقة الإنسان الذي يطلب النجاة، عندما يعاكسه الحظّ في مناخ متجمد طوال النهار والليل، لو أنه فعل ذلك، لربما استطاع قطع الأحد عشرَ ميلا المتبقيّة. قضى الثلاثة نحبهم في خيمة من قماش خضراء صغيرة، وبجوار الكابتن حزمة رسائل إلى زوجته وإلى زوجات وأمّهات رفاقه، مع يوميّات مكتوبة بخطّ مبعثر: «الكتابة صعبة وأنا ضعيف للغاية. لست نادما على هذه الرحلة، فعلى المرء أن يكون شجاعا في تحمّل المشاقّ في سبيل غاية جليلة، وإن فشل أخيرا في النتيجة».
يوميّات الكابتن سكوت ورسائله حزينة بشكل لا يوصف، ولمّا قرأتها أدركت أنّ فيّ بعض ظلّ من روحه الغائبة عنّا الآن، والحاضرة، بواسطة سحر الأدب، بقوّة. في تلك الساعة كانت الورقة البيضاء تلهث في وجهه، ويداه من خشب، بسبب الثلج المتراكم والوهن والجوع: «من أين يبدأ الألم وإلى أين يمضي؟ كلّ شيء فراغ، وكلّ شيء بارد وبلا رحمة. رغم ذلك، ثمة سحر خلاب في سماوات مفتوحة كهذه».
في ذلك اليوم حضرته أفكار تتعلّق بوجود الله، وطريقة الاستدلال عليه. هطل المطر ببطء حاملا حبات كبيرة من الماء، وظلّ الكابتن يرى شيئا أدكن يهبط على الأرض، وكانت هناك نقطة على ورقة شجرة مكسوة بالثلج. نقطة حمراء أو صفراء أو سوداء، لا يهمّ، كما إنه ليس متأكدا من اللون، لأن بصره مشوّش بسبب الجوع والوهن والشّعور باليأس. تبدو النقطة كبيرة جدا وتدلّل على عظمة الله، ثم تختفي عندما تعصف الريح بشدة، كأنها عواصف يوم القيامة.
تناول الكابتن القلم، وأمسكه بكلتا يديه بقوّة، لأن بدنه صار قطعة من جليد صلد. دوّن رسالته الأخيرة على ورقة حافظت على نقاوتها رغم مرور سبعة أشهر على كتابتها: «ثمة صفاء عظيم في هذه السماء.. سماء ليست من هذا الزمان»، كتب الكابتن، وفي نفس الوقت قام بتفتيش الأشجار القريبة ببصره، ولم يرَ غير فراشة بيضاء داكنة الحمرة، في ريح زرقاء ترفّ. «السماء تشعّ، والأزرق المتلألئ تحوّل الى حقل زهور، والشفق القطبيّ يمزج الليل مع النهار، وهنالك الشمس والقمر والنجوم والسماء الصافية، لونها بنفسجيّ في نصفه وأخضر في الآخر». أطلق حسرةً ضمّت اسم زوجته ورسمها، امتلأت بهما زوايا قلبه المتجمّدة، وتدفأت، وتحلّى وجهه بأجمل ابتسامة، وتفوّه هامسا ببضعة كلمات، وتخيّل أن كفّه تحتضن كفّها. «أنا سعيد لأني حصلتُ على أفضل ما أريد من هذا العالم، امرأة بهيّة ولها صوت خافت وقلب كبير. كم أحبّك يا معبودتي، وكم أنا بحاجة إليك في هذه الساعة!». كان جبينه يتصبّب عرقا، وبدأ يشعر بالتعب والنعاس الشديدين. تراكمت الثلوج في تلك الليلة إلى حدّ أن التنفّس صار متعذّرا، وغدا الهواء كتلة من ماء وثلج وضباب أسود. هنالك كلمة تسكن باطن كلّ شجرة، وبدونها ليس بإمكان الشجرة أن تكون. شعر الكابتن بنهايته الوشيكة لأن اسم زوجته تجمّد في صدره.
بعد سبعة أشهر عُثر على جثث الكابتن ورفيقيه مع ثلاث صخور وعشرين كيلوغراما من أحفوريّات تمثّل أوراق نباتات وصخور تعود إلى 500 مليون سنة ماضية جمعوها من الوهاد عند أعلى القطب.
كاتب عراقي