منع العمل في إسرائيل.. من ارتفاع نسبة البطالة إلى تهديد للاقتصاد الفلسطيني

حجم الخط
0

 استيفان كلور ويوحنان عوديد

إن توقف أكثر من 140 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية عن العمل في إسرائيل عقب الحرب وتماثل سكان الضفة الغربية مع خطوة حماس، يشكل طبقة أخرى من العبء الواقع على كاهل العمال والاقتصاد الفلسطيني واستقرار السلطة الفلسطينية. ويضر هذا الانقطاع أيضاً بالاقتصاد الإسرائيلي، الذي لم يتمكن حتى الآن من إيجاد بديل لهؤلاء العمال. ووقعت صناعتا البناء والزراعة، اللتان تعتمدان عليها، في أزمة. وتواجه الحكومة الإسرائيلية صعوبة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل العمال الفلسطينيين بسبب الغضب الكبير تجاه الفلسطينيين بشكل عام منذ مجزرة 7 أكتوبر. بعد نحو خمسة أشهر على اندلاع الحرب، وبسبب الخوف من تفاقم التوتر الأمني ​​عشية شهر رمضان، الذي تنطوي لياليه المليئة بالأحداث وتجمعاته العائلية والاجتماعية على إنفاق مالي كبير، فإنه ولخفض التصعيد، هناك حاجة إلى إجراءات لمنع توسع الصراعات والاشتباكات في الضفة الغربية. وقد تساهم في ذلك عودة تدريجية مسيطر عليها للعمال الفلسطينيين، الذين لا يشكل عملهم خطراً أمنياً.

لقد مر نحو خمسة أشهر على المجزرة التي ارتكبتها حماس في النقب الغربي، ولا تلوح في الأفق نهاية للحرب التي اندلعت في أعقابها. يعمل جيش الدفاع الإسرائيلي بقوة كبيرة ضد حماس في قطاع غزة، ونجح في قمع العديد من المحاولات لتنفيذ هجمات إرهابية في الضفة الغربية، كما رد بقوة على الجبهة الشمالية على حرب التماهي مع حماس، التي بدأها حزب الله. وفي ظل التوترات، تعود الحياة في إسرائيل ببطء إلى مسارها الطبيعي، باستثناء بعض المناطق التي تم إجلاء سكانها وبسبب تجنيد العديد من العمال في الاحتياط.

وفي الوقت نفسه، تلعق الساحة الفلسطينية جراحها وهي بعيدة كل البعد عن العودة إلى المسار الصحيح. يدفع قطاع غزة الذي هو في عين العاصفة، ثمن الدمار والخراب بسبب الضغوط العسكرية الإسرائيلية التي تفرضها حماس. من ناحية أخرى، هناك انخفاض ملحوظ في النشاط الاقتصادي في الضفة الغربية – ويرجع ذلك جزئيًا إلى القرارات التي اتخذتها إسرائيل عند اندلاع الحرب – ويؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية في المنطقة: قررت إسرائيل خفض الضرائب، فهي تجمع للسلطة الفلسطينية الجزء الذي يحول كل شهر إلى قطاع غزة، هذا بالإضافة إلى استقطاعات مستمرة منذ عدة سنوات في الأموال المخصصة لعائلات الأسرى والمعتقلات الذين ارتكبوا أفعال إرهاب ضد إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، فرضت إسرائيل منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة حظراً شاملاً على دخول العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى أراضيها.

للعمل في إسرائيل أهمية كبيرة للاقتصاد الفلسطيني، وهو يرتكز على العديد من أقسام اتفاقيات أوسلو، التي وضعت إجراءات وقواعد لتشغيل العمال. ويتطلب بروتوكول باريس، الموقع عام 1994 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، تقديم المساعدة للاقتصاد الفلسطيني لتعزيز نموه، ولكنه عملياً أنشأ اتصالاً واعتماداً متبادلاً بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي. بينما أثبت التنسيق فعاليته وظهر الاستقرار الأمني ​​على المستوى الميداني، أبدت إسرائيل انفتاحاً أكبر على دخول العمال الفلسطينيين إلى أراضيها.

عشية الحرب، عمل حوالي 165 ألف عامل فلسطيني في إسرائيل نفسها وفي مستوطنات الضفة الغربية: حوالي 130 ألفا منهم يعملون بتصريح، وعدد آخر غير معروف بدون تصريح، ويقدر بحوالي 35 ألفاً. منذ اندلاع الحرب، فقد حوالي 150 ألف عامل من العمال الذين عملوا داخل الخط الأخضر مصدر رزقهم، الذي كان يعتمد على سوق العمل الإسرائيلي (يسمح جنرال القيادة المركزية بتشغيل حوالي 15 ألف عامل فلسطيني في المستوطنات). أما آمالهم في عودة الأمور إلى طبيعتها، كما حدث بعد جولات الصراع بين إسرائيل وحماس التي حدثت خلال العقد ونصف العقد الماضيين، فلم تتحقق بعد. ورغم أن العمال يدركون تشدد إسرائيل في موقفها، وفي ظل النفي الفلسطيني لأحداث 7 أكتوبر، وعدم الإدانة لها ودعم حركة حماس في جميع أنحاء الضفة الغربية، فإنهم ما زالوا يأملون في العودة إلى وظائفهم، خصوصاً أن إسرائيل لم تستبدل بهم أحداً بعد، لأنها اعتادت على عملهم وتطمئن لاحترافيتهم، منذ سنوات عديدة. علاوة على ذلك، كان العمل في إسرائيل مصدر دخل يدعم العديد من الأسر براحة وكرامة.

ومن وجهة نظر الاقتصاد الكلي، فإن الدخل من العمل في إسرائيل والمستوطنات يمثل حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني ويشكل دعمًا قويًا للحفاظ على استقرارها الاقتصادي. وفي عام 2022، أدخل هؤلاء العمال أكثر من أربعة مليارات دولار إلى الاقتصاد الفلسطيني، في حين بلغ إجمالي الميزانية السنوية للسلطة الفلسطينية في ذلك العام حوالي ستة مليارات دولار. كان أجر عامل البناء في إسرائيل عشية الحرب حوالي 300 شيكل في اليوم، أي أكثر من ضعف متوسط ​​أجر العمال في الضفة الغربية، والذي يبلغ حوالي 115 شيكلاً في اليوم. وهذا شوكة في خاصرتها؛ لأنه من ناحية زاد دخل الأسرة الفلسطينية للعامل في إسرائيل وتستفيد السلطة الفلسطينية من هذا الدخل، لكن العملية برمتها تضر بحوافز الحصول على التعليم العالي. إن غياب الجمهور المتعلم والماهر عن سوق العمل الفلسطيني يصعّب تطوير الاقتصاد الفلسطيني ويتركه وراءه بدون محركات نمو تدفع المجتمع إلى الأعلى.

والآن، وبعد قرارات الحكومة الإسرائيلية، أصبحت السلطة الفلسطينية معرضة لخطر الانهيار الاقتصادي. فالاقتصاد الفلسطيني، الذي يعاني معدل بطالة وصل منذ الحرب إلى نحو 40 بالمئة، عاجز عن توفير عمل في الضفة الغربية بنفس مستوى الأجور الذي تقدمه السوق الإسرائيلية. لذا يبقى العمال في منازلهم محبطين، ويساهمون في زيادة نسبة البطالة في السلطة الفلسطينية. علاوة على ذلك، فإن العمل في إسرائيل يكشف للفلسطينيين عن الفجوة الكبيرة بين الاقتصادين، وهو أمر جذاب للغاية، بل هو كابوس لكثيرين.

ويتزايد غضب العمال، الذين لم يذهبوا إلى عملهم منذ أكثر من أربعة أشهر وليس لديهم مصدر دخل بديل، وهو موجه أيضاً نحو ماضي السلطة الفلسطينية. وتضطر السلطة من جهتها إلى تسريح وقطع الرواتب التي تدفعها للعديد من موظفيها، ومن بينهم العاملون في الأجهزة الأمنية، وتحاول حشد الضغوط الدولية على إسرائيل، وتحذر من تدهور وضعها الاقتصادي. لقد نشأ وضع أصبح فيه الكثيرون يسيرون في الشوارع مكتوفي الأيدي ويخضعون لتأثير المنتقدين والمحرضين ضد إسرائيل والسلطة نفسها.

وفي المقابل، إن منع دخول العمال الفلسطينيين يضر بالاقتصاد الإسرائيلي أيضاً. وكان معظم العمال الفلسطينيين الذين عملوا في إسرائيل عشية الحرب يعملون في قطاعات البناء والزراعة والمطاعم. إن الأضرار التي لحقت بصناعة البناء كبيرة بشكل خاص حيث إنها توظف 100.000 عامل فلسطيني – حوالي ثلث جميع العاملين في هذه الصناعة في إسرائيل، وحوالي 80 بالمائة من العاملين في الأعمال الرطبة (القصارة، التكحيل والتبليط). لقد اكتسبوا مهارة وسمعة العمال المحترفين، الأمر الذي يخلق غيابهم مشكلة خطيرة لهذه الصناعة. منذ 7 أكتوبر، هناك تباطؤ ملحوظ. لم يتم البدء في أعمال البناء تقريبًا، وتوقفت العديد من المشاريع أو تباطأت وتيرة تقدمها بشكل كبير. لم تتوقف مؤسسة المقاولات في إسرائيل منذ أسابيع طويلة عن التحذير من التهديد الذي يحوم حول عمل صناعة البناء، ويتبين أن البحث عن عمال بديلين من إسرائيل أو من دول أخرى، كما في حالات مماثلة في الماضي، أصبح أمراً صعباً. خصوصاً إذا ما قيست مع مهارة العمال الفلسطينيين ومهنيتهم، ​​وبسبب شروط التوظيف التفضيلية التي لا تلزمهم بالمبيت في أراضي إسرائيل. ولا يتدفق الإسرائيليون للعمل في هذا النوع من العمل، كما أن جلب العمال من البلدان التي تعاني البطالة في شرق آسيا هي عملية تنطوي على استيعاب وتدريب طويل الأمد. ومع استمرار ارتفاع الطلب على الشقق، فإن تجميد البناء اليوم سيؤدي إلى زيادات حادة في الأسعار في السنوات المقبلة بسبب النقص المحتمل في الشقق الجديدة

الاستنتاجات والتوصيات

وحتى كتابة هذه السطور، فإن مشاعر الغضب إزاء المذبحة التي ارتكبتها حماس في مستوطنات النقب الغربي تؤثر على عملية صنع القرار في إسرائيل. والسلطة الفلسطينية، التي لم تدن هجوم حماس، تدفع الثمن. العمال الفلسطينيون من الضفة الغربية، الذين عملوا في إسرائيل، يدفعون أيضاً ثمن الارتباط بحماس.

لكن الواقع الاقتصادي في مناطق السلطة الفلسطينية آخذ في التدهور. وقدرتها على إيجاد مصادر ميزانية بديلة لتلك التي استقطعتها إسرائيل ضعيفة للغاية، وتأثرت حركة التجارة في الأسواق لقلة دخل العمال في إسرائيل والتهديدات بالانهيار التي كثيراً ما تسمع من الفلسطينيين. السلطة تزعج المؤسسة الأمنية وأجزاء من الحكومة الإسرائيلية.

ومع ذلك، هناك سياسة انتقائية ومراقبة قد تمنح اللجوء للسكان الذين ينخفض مستوى المخاطر التي يخلقها عملهم، ولا سيما العمال الأكبر سناً والمتزوجين وأولئك الذين لديهم أطفال، الذين يثقلون أعباء كسب العيش. ويجب أن نتذكر أن حوالي 10.000 عامل ما زالوا يعملون في المناطق الصناعية داخل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية حتى في أيام الحرب هذه. في الماضي، قُدر أن الصراعات العسكرية مع حماس قد تكون فرصة للاقتصاد الفلسطيني لإعادة تشغيل نفسه والبدء في إنشاء بنى تحتية واسعة ومحركات نمو، الأمر الذي سيدفعه إلى الأمام. لكن الفوضى التي خلقتها حماس تجعل من إعادة الإعمار والاعتماد الكامل على الآخرين سمة أساسية للاقتصاد الفلسطيني حتى الآن، ولمستقبل الاقتصاد الفلسطيني.

عشية ليالي رمضان، عندما يتزايد الاستهلاك في الأسواق وكذلك التجمعات الاجتماعية، مع اتساع الأجواء العنيفة في الضفة الغربية وتساقط الدمار الشديد والخسارة والغضب في إسرائيل، لا بد من اتخاذ إجراءات لتخفيف التوترات ومنع انتشار الغضب على نطاق واسع في الضفة الغربية. الإعلان عن عودة تدريجية للعمال إلى إسرائيل، حتى لو بدأت عملية التنفيذ في نهاية رمضان، سيبعث الأمل بين كثيرين تعتمد سبل عيشهم على العمل في إسرائيل.

نظرة عليا/معهد بحوث الأمن القومي 3/3/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية