عميق تحت الأرض

حجم الخط
0

كي نفهم حجم نجاح وحدة الانفاق في الجيش الاسرائيلي ينبغي أن نفتح محافظ تقويمات الوضع التي كانت لدى جهاز الامن عشية حملة الجرف الصامد في بداية الصيف الماضي. في محافظ مصنفة كسرية توصف سيناريوهات مفزعة تتضمن تسلل خلايا إرهابية إلى بلدات غلاف غزة، اختطاف نساء واطفال وقتلهم، تسلل مخربين إلى الاستحكامات، ذبح جنود واختطاف جثث لمقاتلين ـ وكذا سيناريو كان فيه أنه كلما حاول مقاتلو الجيش الاسرائيلي الركض إلى نفق ما لانقاذ الحياة كان بانتظارهم عبوات شديدة الانفجار وفوهات مفخخة اعدت لاستقبالهم. فقد ارادت منظمة حماس خلق صدى قتل مدنيين وجنود وانتاج فوضى بين الجمهور الاسرائيلي ـ وكادت تنجح.
حملة الجرف الصامد تركت طعما مريرا لدى الجمهور الاسرائيلي في كل ما يتعلق بمواجهة الجيش للسلاح الاستراتيجي التحت ارضي الذي اعدته منظمة الإرهاب الإسلامية في قطاع غزة، وهناك من يكرر المرة تلو الاخرى العبارة التي تلفظ بها بعض السياسيين ممن ادعوا بان الجيش لم يكن جاهزا ومستعدا لهذا التهديد، وان الاستخبارات عنه فشلت. ولكن اذا ما دخلنا عميقا في تلك المحافظ، سيتبين لنا ان معالجة الجيش في كل ما يتعلق بتهديد الانفاق التحت ارضية كانت نجاحا واحدا كبيرا. «حقيقة أنه على مدى كل الخمسين يوما من القتال لم تتمكن حماس من ان تمس بأي مدني من خلال انفاق الإرهاب تثبت بما لا يرتقي اليه الشك بانه يوجد مقاتلون في نهاية الفوهات عرفوا جيدا ما الذي سيحصل»، كما يدعي مسؤول كبير في قيادة المنطقة الجنوبية.
ويقال على الفور ـ في الجيش الاسرائيلي قالوا غير مرة ان التهديد التحت ارضي معروف منذ سنوات طويلة. قادته لم يدعوا ابدا بان لديهم قدرات للعثور على الانفاق واليوم ايضا لا يدعون ذلك. كما أن سلم الاولويات بالنسبة للاستخبارات فحص وحصل على فصل محترم في كتاب استخلاص الدروس لحملة الجرف الصامد، ولكن السطر الاخير هو أن حماس لم تنجح في أن تستخدم منظومة انفاقها لتحقيق نتائج. وباستثناء حدث الفيلبوكس، يمكن بالتأكيد القول ان عشر سنوات من الحفر تحت الارض فشلت فشلا ذريعا. فداخل الانفاق احصيت جثث مئات المخربين القتلى، ودمرت بنى تحتية استثمر فيها عشرات ملايين الشواكل. واليوم، بعد تسعة اشهر من الجرف الصامد يمكن القول ان منظومة معالجة الجيش الاسرائيلي لكل ما يتعلق بانفاق حماس توجد في مكان آخر تماما.

مع سيارات صغيرة وكلاب

«فرضية العمل هي أن حماس تواصل حفل الانفاق»، يشرح الرائد جلعاد مزور، ضابط الهندسة في اللواء الشمالي في جبهة غزة. «نحن في متابعة لكمية ما يحفرون، اين يحفرون والى اين تصل حفرياتهم. ونحن ننشغل باستخدام وسائل تكنولوجية واستخبارية لجمع المعلومات. ونحن «في هذا» يوميا وعلى نحو متواصل. لا ننتظر الحرب. نحن نفهم بان في الحرب القادمة سيتعين علينا أن نكون جيدين مثلما في الحرب السابقة، مع اضافة التحسن حتى في استخدام المعلومات التي لدينا اليوم من الميدان والتقنيات والمناورات القتالية وكذا بالوسائل نفسها التي تحت تصرفنا. في واقع الامر، في كل مهامنا في الوضع العادي والتي تتضمن العثور على الانفاق والتدريبات نفهم بان في الحرب القادمة علينا أن نكون أقوى ـ سواء بقدرتنا على العثور على الانفاق أم بقدرة المعالجة المادية للنفق وقدرة التحقيق فيه وبالطبع القدرة على تدميره».
منذ سنوات عديدة يحاول الجيش الاسرائيلي تطوير «قبة حديدية للانفاق» ـ طريقة أو استخدام لوسائل يمكن من خلالها معرفة اين يمر النفق، اين يبدأ والى اين يؤدي. والطريق إلى تلك المنظومة لا يزال بعيدا، وحتى اليوم نجحنا في ان نطور الاساليب اساسا ولكن مع اجهزة اقل للعثور على الانفاق. فالتمشيطات للعثور على الانفاق تنفذها قبل كل شيء قوى بشرية خبيرة وبوسائل تكنولوجية تتضمن سيارات صغيرة تدار باجهزة التحكم من بعيد وتحمل الكاميرات. في بعض الحالات يرسل ايضا الكلاب، والمعلومات التي تخرج من النفق تعلم القوة بمساره، وبالاساس بما يوجد فيه.
احد الاسئلة المشوقة التي تطرح حول حفر النفق هو كيف تعرف حماس إلى اين تحفره. وقد أفادت التمشيطات وما تعلمه للوحدات بان المنظمة الفلسطينية درجت على تنفيذ الحفريات ـ وبين الحين والاخر كان رجال الانفاق يخرقون ثقبا إلى الاعلى، يخرجون انبوبا يحمل مرآة صغيرة، نوعا من البريسكوب الالي، يشخصون المكان ـ وحسب ما يرون كانوا يختارون مواصلة المسار. كل نقطة كهذه كانت حماس تحددها بشكل واضح وفي بعض الحالات تحولت إلى نقطة انشقاق إلى اماكن اخرى. وفي تلك المواقع عثر على وسائل قتالية ومواد بناء، وكذا طعام جاف وماء اتاح لمخربي حماس البقاء في النفق لفترات زمنية طويلة، بل واحيانا وصلت هذه الفترات إلى اسابيع متواصلة.
ومن الجهة الاخرى، فان كبار القادة وصغارهم في الجيش الاسرائيلي يشعرون بطعم مرير في كل ما يتعلق بالاحساس السائد لدى قسم من الجمهور وكأن قيادة المنطقة الجنوبية فوجئت بالانفاق وبمعالجتها. وبرأيهم، فان هذا الاحساس مخطيء لان انجاز مقاتلي الانفاق ـ والكثيرون منهم من خريجي الهندسة القتالية ـ هو انجاز هائل ولا يمكن استيعابه. فالجيش ليس فقط عثر على الانفاق ودمرها، بل ونجح بالتوازي في أن يطور اسلوبا في معالجتها، يتضمن دراسة تفاصيل التفاصيل في المسار. وهم يروون عن الضرر الكبير الذي الحقوه بمشروع الانفاق الحماسي. ويمكن لنا ان نفهم بان الجيش الاسرائيلي استخدم طريقة لم يدمر فيها النفق فقط، بل ان المادة المتفجرة والاساليب التي استخدمت الحقت ضررا بحيث لم يعد ممكنا الحفر في ذات المساء ابدا.
احد استنتاجاث حملة الجرف الصامد في الصيف الاخير هو الفهم بانه توجد حاجة إلى تقوية سرية العتاد الالي الهندسي، كما يكشف الرائد مزور النقاب فيقول: «لقد وجد هذا تعبيره في جانبين ـ الاول يتعلق بالحيازة والتسليح، وبالطبع الثاني هو القوة المختصة لمعالجة مسألة الانفاق. فمعظم أعمال العثور هي اعمال جسدية تتعلق بالوصول إلى النفق. وفي النهاية نصل إلى النقطة حسب معلومات استخبارية أو حاجة تحليل الميدان وفهم التهديد الذي يتعين علينا الدخول إلى رأس العدو والتفكير مثله. فمثلا إلى اين كنت سأحفر لو كنت أنا العدو. هذا الفهم يمكنه أيضا ان يكون حسب هذه الوسيلة التكنولوجية او تلك التي لا يمكن الدخول في تفاصيلها. توجد اساليب ـ ومعها نصل إلى النقطة السليمة، نحفر ونقدح ونعثر على النفق. فكر في انك تلاحظ بالعين سلوكا شاذا على وجه الارض، وبناء على ذلك نصل».

في مبان مفخخة ايضا

يعترف مسؤولون كبار في الجيش الاسرائيلي بانه استغرق نحو شهرين بعد الجرف الصامد للمعالجة بشكل اعمق لتلك الانفاق التي عثر عليها. وقد جند إلى المهامة كبار المهندسين وكبار المسؤولين في سلاح الهندسة ونفذت تجارب عديدة على «ذيول» الانفاق التي عولجت في الجرف الصامد. وخلافا للرأس السائد لدى الجمهور الاسرائيلي، فان الجيش لم يصفي فقط التهديد التحت ارضي بل ونجح ايضا في الحاق ضرر كبير بشبكة البناء للانفاق المستقبلية في الجانب الغزي.
ويشعر القادة جيدا بنقص التقدير من الجمهور ويفهمون بان هذا هو اساسا نقص في المعرفة وبحقيقة أن موضوع الانفاق يوجد في سلم اولويات اعلى من حيث السرية الامنية ـ بمعنى أن ما يخفى فيه هو الاعظم مما يكشف عنه. وهم يروون عن استخلاص دروس جدية جدا في أعقاب الجرف الصامد وكذا عن غير قليل من التكنولوجيات التي «نضجت» منذئذ ولكن معظمها سري للعثور على الانفاق ومعالجتها.
واضافة لذلك، توجد خطة واسعة جدا لدى الذراع البري يقدم جوابا على التزود بتكنولوجيات وتقنيات لمواجهة تهديد الانفاق. وجند في الجيش قادة كبار من سلاح الهندسة لكتابة عقيدة للعثور على الانفاق ومعالجتها، ولا يزال يواصلون العودة المرة تلو الاخرى إلى قادة الالوية والكتائب في حملة الجرف الصامد للمراجعة معهم للسبل التي جيء بها للتصدي للانفاق.
ولهذا الغرض شكل الجيش قسمين للانفاق في الجبهة الشمالية والجنوبية من القطاع. كما أن وحدة يهلوم ستضاعف ثلاثة اضعاف قوتها لمواجهة تهديد التحت ارضي.
ويروي الرائد مزور فيقول ان وحدة الانفاق لا تعرف فقط كيف تعطي جوابا على انفاق الإرهاب بل وايضا الجواب لبناء وهدم المباني، فتح المحاور بل واسقاط مبان مفخخة. وهؤلاء مقاتلون بكل معنى الكلمة يتواجدون في معظم الحالات في راس الحربة مع آليات ثقيلة ويقدمون الجواب الاول للتصدي للعبوات قبل قوة المشاة التي تنفذ المهام العملياتية. وبسبب الحاجة التي طرحت في قيادة الجنوب لمعالجة الانفاق تقرر تشكيل سرية من القوة المختصة التي تعرف كيف تعالج الانفاق. ولكن ايضا ان تتصدى لمهام قديمة اخرى. عليهم ان يجيبوا على كل الامور وان يكونوا ذوي اخلاق عالية جدا مع قدرة على قراءة الميدان بشكل استثنائي وقدرة على تغيير وجه الميدان. وسرايانا هذه تعيش وتتنفس جبهة غزة 24 ساعة في سبعة ايام الاسبوع، 365 يوما في السنة. وفي الحرب القادمة ستكون هذه هي القوة الاولى التي ستصل لمعالجة هذا التهديد.

معاريف 22/4/2015

نوعام أمير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية