هكذا تكلم «عبد الله اليرموك»… شاب فلسطيني في عمر السبعين!

 

كانت فكرة هذا النص في البداية لقاءً صحافياً…لكن أجوبة عبد الله، المحاصر في مخيم اليرموك، وحضور درويش في أجوبته شعراً ومعنى، وكأنه أحد أبطال قصائده…جعلتني أحذف أسئلتي وأكتفي بإشارات مختصرة…لأترك لروح عبد الله الواسعة كل المدى:

المخيم:

«حين يبتسم المخيم تعبس المدن الكبيرة»
مخيم اليرموك لم يكن يوماً حجارة، المخيم فكرة والفكرة لا تسقط …
المخيم هو هوية الفلسطيني السوري، والهوية لا تسقط بتدمير المكان، الذين خرجوا من حمص القديمة ما زالوا سوريين ويؤمنون بالثورة أيضا. والمخيم سيبنى بكل مكان فيه فلسطيني خرج منه، وسنبقى نقاوم النسيان والضياع برواية الحكاية بلا توقف.

الصمود:

«من لا بحر له لا بر له»…
الفلسطيني يدفع دائما ضريبة مزدوجة، وهذا ما جرى معنا في كل مكان.
مكتوب على الفلسطيني الشقاء والهجرة تلو الهجرة…. ولكن رغم كل ما جرى من قتل وتجويع، مازال عدد كبير من سكان المخيم يرفضون الخروج منه وخصوصاً الكبار في السن، فمن عرف التهجير وضياع الأوطان والبيوت، لن يترك بيته،مهما تهدم، إلا إلى القبر…حتى أن كثيراً ممن خرجوا يأتون يومياً قرب مدخل المخيم، ينتظرون أي فرصة للعودة، ربما هو حق العودة الملازم للفلسطيني كظله… مخيم اليرموك كان عاصمة الشتات الفلسطيني وصار اليوم قلعة الصمود.

جوع الحصار:

«كم كنت وحدك… القمح مر في حقول الآخرين…. والماء مالح، والغيم فولاذ
وهذا النجم جارح….وعليك أن تحيا وأن تحيا» من يخرج من الحصار حياً يولد من جديد…
قد تستطيع الهروب من القذيفة والاختباء في الملجأ ولكنك لا تستطيع الهروب من الجوع ولا ملجأ لك منه.
وقد تجد نفسك مجبراً على تناول أي شيء حتى الخبز المعفن وأوراق الصبار وعشب المواشي.. وستتعلم أن تتعامل مع العشب مثلاً كأمر مقدس ونعمة من السماء…فهو سيكون وفياً لك حتى تموت… وستتعلم بأن لا تدوس بقدميك على شيء، قد تضطر أن تأكله في يوم من الأيام.. وستنتهي يوماً إلى تعلم السير على الريح…بلا قدمين..
حين تجوعقد يساعدك أن تغلق فمك ولكن لا تنسى أن تسحب سيف الحق، فأكبر جوع للفلسطيني هو جوعه للعدل والحرية.

طفولة الحصار:

«وحيدون، نحن وحيدون حتى الثمالة….لولا زيارات قوس قزح»
في الحصار ستمرعليك أيام يصل بك التشاؤمإلى أوجه واليأس إلى أعلى درجاته.ستتحول إلىإنسان «نزق» تستفزك أتفه الأشياء. حين تصل إلى هذه المرحلةعليك الذهاب إلى أقرب تجمع للأطفال، تلصص عليهم وشاهد ضحكاتهم وطريقة سخريتهم من الحصار، ستضحك معهم ثم تضحك على نفسك، وتعود إلىالمنزل، وتصرخانا متفائل.
ولكن حذار من أن تخدع نفسك بأن الفرح يشبع الصغير أو يبقيه على قيد الحياة…الفرح يهدئ الجوع أو يهدهده، ولكنه لا ينجح في إسكاته…. طفل جائع لا يشبعه إلا الطعام.

شهداء الحصار:

«حاصر حصارك بالجنون وبالجنون وبالجنون…. ذهب الذين تحبهم ذهبوا… فإما أن تكون أولا تكون»
الإدمان قاتل في الحصار…وأخطرهإدمان الأصدقاء فاحذره في الحصار، فهو يختار أشد مراحل الإدمان خطورة، ويخذلك…
حتى الذين غادروا المخيم أحياءً، لم أودعهم، فمن نحبهم لا نودعهم، الوداع لغرباء فقط. أما الموت فهو ينتقي ضحاياه بعناية، فمن يموت أولاً هو الأفضل غالباً…
كل من سقط من رفاقي أخذ جزءاً من قلبي، حتى صار قلبي حجر … اليوم كل من يسقط من أصدقائي شهيداً، أصبح يأخذ جزءاً من عقلي.
أحس أحياناً أنني على حافة الجنون…

الموت في الحصار:

«أصدقائي يعدون لي دائماً حفلة للوداع وقبراً…فأسبقهم دائماً في الجنازة: من مات؟ من مات؟»
العلاقة بين الموت والحياة علاقة طردية، احرص على الموت توهب لك الحياة
وأنا حريص…ويمكن تصالحت مع الموت، بعد أن دفنت الكثير من أصدقائي، رميت التراب فوق وجوههم بيدي…أول صديق رحل بكيت كثيراً …تمددت في قبره لأقيس الموت …وبعدها تخلصت من خوفي من الموت…لم أصبح صديقاً للموت، ولكنني أصبحت الآن أستطيع أن أدفن صديقي، ثم أعود للبيت وأشرب وحيداً كأسا من الشاي بهدوء مشوب بالألم…
أصبحت لا أرى حياتي خارج حدود الحصار، ولا أرى نهاية للحصار خارج حدود موتي…
ومع أنني مازلت أمتلك إصرار الشباب ولكنني أصبحت أمتلك أيضاً حكمة الشيوخ، الحصار جعلنا نشيخ جميعاً قبل الأوان.
أنا الآن شاب في عمر السبعين
ولكن لا تخافي…لن أموت من الداخل…لن أموت قبل أن يجيء الموت في موعده.

فضائل الحصار

«نفعل ما يفعل السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل: نربي الأمل»
الحصار كالتصوف أحياناً، يدفع الروح للسكينة ويمنحك الوقت للتفكير في نفسك والعالم من حولك. في الحصار يصبح القلب هو العين الثالثة…به نرى الأشياء والأشخاص، من بقوا ومن رحلوا.
والقلب بوصلة الحصار أيضاً حيث تشير ابرته، عليك بالسير دون تردد.
ويبقى أجمل ما منحني إياه الحصار:
أمي الأخرى…. أمي الثائرة!

الحب في الحصار:

«كتبت عن الحب عشرين سطراً فخيل لي أن هذا الحصار تراجع عشرين متراً»

الحصار قد يودي إلى الجنون أو الانتحار…

ولكي تحمي نفسك من الجنون والانتحار، ما عليك إلا أن تبحث عن امرأة تحيا من أجلها…أو تفكر كيف سيكون شكل الوطن بعد كل هذا العذاب…
الحب يتمرد على المكان، ويفتح لك فسحة سماء في هذه المساحة الضيقة.
والحب يتمرد على الوقت، والحصار يطيل عمر الوقت إلى ما لا نهاية.
من يملك الحب يملك المعنى تماما…ومع ذلك أنا أخاف الحب…
فكلما ازداد حبك للحب ازداد خوفك من الموت، وكلما ازداد حبك للموت ازداد خوفك من الحب..

الكتابة في الحصار

«الكتابة جرو صغير يعض العدم …الكتابة تجرح من دون دم»
بالكتابة في الحصار لا أخدع نفسي بل أخدع الحصار وأمد له لساني، وأكتب قواعد تحكمه بدل أن يحكمني…. أنا لست كاتباً بل أحاول أن المس القلوب لتلمس القلوب وجعنا. انا أكتب كي لا نموت بصمت ودون مراسم حداد تليق بالمحاصرين. انا أكتب لأقول لمن سيأتي بعدنا: لا تتذكروا من بعدنا إلا الحياة …

حصار آخر؟

«نفعل ما يفعل الصاعدون إلى الله: ننسى الألم»
الإنسان يولد محاصراً بين رحم أمه والقبر.
نعم أنا في حصار أسوأ من الحصار الماضي، اليوم نحن محاصرون داخل الحصار.
كنت محاصرا في بيتي ومخيمي، الآن انا محاصر بعيداًعنهما.
مؤلم أن تكون الأشياء التي تحبها على مرمى حجرمنك ولكن لا تستطيع الوصول إليها
وأكثر شيء أفتقده هو «مقبرة الشهداء» التي دفنت فيها أعز أصدقائي.

سوريافلسطيني واحد:

«كان المخيم جسم أحمد….كانت دمشق جفون أحمد»
لا حدود فاصلة بين الهويتين. فأنا فلسطيني سوري. وسوري فلسطيني.
أنا ابن الثورة،والسوري بالنسبة لي هو من أتقاسم معه حلم الحرية…الثورة ليست مخيم اليرموك فقط…وليس المكان ما يحدد الانتماء للثورة.
يوجعني حصار غزة ولكن حصار الغوطة يؤلمني أكثر.
دمشق هي الامتداد الطبيعي للقدس.

دمشق لولا جروحي:

«ما أجمل الشام لولا جروحي»
لم تكن دمشق متسامحة مع السوريين حتى تتسامح معي. دمشق التي نبحث عنها جميعاً هي تلك القابعة خلف جدار الحرية، هي دمشق التي تمنحني الحق في أن أصرخ في وسطها «أنا حر». وأسمع صدى صوتي على جدران الغوطة وداريا والمخيم …
دمشق هي أيضاً الأمكنة والذاكرة لأصدقائي الذين رحلوا…
دمشق هي مدينة بطوابق، وفي القبو مدينة مليئة بأصوات المعذبين.

الرحيل والمستقبل:

«هي هجرة أخرى فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلام» خرجنا من فلسطين والأردن ولبنان والكويت والآن نخرج من سوريا.
ليس للفلسطينيين محطة أخيرة سوى فلسطين ولو بعد حين.
ما أعرفه الآن أن مستقبلي مرتبط بمصير وبحرية سوريا،فالثورة هي العين الساحرة التي أرى منها الحياة.
أفكر أحياناً كأي شاب في عمري بأن أنهي تعليمي الجامعي كخطوة أولى لأي شيء،وأن أمتلك جواز سفر يتيح لي التنقل بحرية في هذا العالم. ولكن عندما يستشهد صديق لي تتوقف آلة الزمن ولا أستطيع التفكير الا بموتي، ومتى سيحين دوري وكيف.فعندما يكون الإنسان محاطا بالموت من كل مكان، لن يكون هناك متسع من الوقت للتفكير فيما وراء الحياة بل فيما وراء الموت.

الحلم:

«صاعداً نحو التئام الحلم»
الحلم عادة هو بالمستقبل أما أنا، فكأي فلسطيني، أحلم بالماضي والعودة إلى بلاد لم أرها يوماً..
إلى فلسطين، التي عرفتها وخبرتها من سيرة جدي وحكايا مسني المخيم، وقرأتها في شعر درويش وكتابات إميل حبيبي…
صحيح أن المخيم أقرب لي من فلسطين، لكنني أحلم بالعودة إليها، ليس ولعاً بها بل رغبة بالانتصار على هزيمة الثمانية والأربعين…
عانى جدي من ظلم الإسرائيلي …تماهيت مع ألمه…ولكنني لم أظلم مباشرة إلا من النظام السوري.
أما حلمي فكما يقول درويش حلمي «أنا» ليس من باب النرجسية. ولكن فعلا هذا ما كنت أحلم به منذ الصغر، أن أكون ما أنا عليه الآن. رجل حر ينتمي إلى ذاته …

كاتبة سورية

آية الاتاسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية