القاهرة ـ «القدس العربي» : رغم عزلتها التي تمتد لسنوات، إلا أن أعمالها لا تغيب عن ذاكرة الملايين، خاصة عملها الذي تحفظه الجماهير “ياقدس يا مدينة الصلاة”، بوسع جارة الوادي فيروز أن تحرج أنظمة وحكومات وفنانين وفنانات ظنوا أنهم ملء العين والبصر، إذ رفضت الغناء في موسم الرياض مقابل 5 ملايين دولار وطلبها تخصيص هذا المبلغ للجوعى والمرضى المحاصرين في غزة.. ووصف الإعلامي والكاتب فراج إسماعيل تصرف “جارة القمر” بأنه من أروع ما نتناقله في أيامنا الحزينة التي تتعاقب علينا. التاريخ يأبى أن نفقد الأمل وها هو يرسل لنا رسالته عبر فيروز. وتساءل إسماعيل: هل استلم المهرولون لموسم الرياض رسالة فيروز والتاريخ؟ مجيبا: أشك فقد هجرت الدماء الوجوه ولم يعد هناك حياء أو خجل من الفرح وإخواننا وأطفالنا يبادون في غزة. واختتم الكاتب في “المصريون” معربا عن غضبه عبر صفحته الشخصية: “من عادة بعض عروبتنا تنفيذ أوامر أمريكا والزيادة عليها للمبالغة في إرضائهم، مع أننا نملك أوراقا ضاغطة ستجعل بايدن لو استخدمناها ينسى اسمه وليس تاريخ وفاة ابنه فقط”.
ومن المحاولات التي تتم على استحياء وفي أضيق الحدود لإنقاذ مليوني غزي: تسلم الهلال الأحمر الفلسطيني، خلال الساعات الماضية، 246 شاحنة مساعدات من خلال معبري رفح وكرم أبو سالم البريين. وأكد مصدر في شمال سيناء، أن الجانب الفلسطيني تسلم من معبر رفح البري 41 شاحنة منها 36 مساعدات، و5 شاحنات قطاع الخاص، حيث شملت المنقولات 4 شاحنات غاز و16 شاحنة مواد غذائية، و5 شاحنات مياه، و3 شاحنات ملابس، و3 شاحنات ألحفة وشاحنتي دقيق وشاحنة أرز وشاحنتي أدوية. كما تسلم الهلال الأحمر الفلسطيني من معبر كرم أبو سالم 205 شاحنات مساعدات شملت 58 شاحنة مواد غذائية، وشاحنة مستلزمات طبية، و9 شاحنات أدوية، و7 شاحنات مياه، وشاحنة ألحفة، و5 شاحنات خيام، و5 شاحنات مواد تنظيف، وشاحنة أدوات مطبخ، و8 شاحنات فرشات.
مليارديرات
ليس سرا أن المحروسة كانت في موقف اقتصادي صعب طوال أسابيع مضت، وليس سرا أنها كانت تفتش عن منفذ تغادر منه ذلك الموقف، الذي لم تكن تفاصيله الدقيقة خافية على أحد. ومن الواضح حسب سليمان جودة في “المصري اليوم”، أن مصر قد صادفت حالة من التوافق الإقليمي والدولي لمد يد العون إليها، وقد تجلى ذلك في عدد من المشاهد لا يمكن أن تخطئها العين المجردة، ولا يمكن أن تفوت على الذين كانوا يتابعون تفاصيل الموقف، ويترقبون لحظة مغادرته إلى موقف آخر يبعث على شيء من الأمل.. وما حدث أن المشاهد تتابعت وتتالت، وكانت صفقة رأس الحكمة هي المشهد الأعلى، ثم جاء من بعدها مشهد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي رفع تمويله المُقدم لنا من ثلاثة إلى ثمانية مليارات من الدولارات. فإذا ضممت أنت المليارات الثمانية، إلى عائد الصفقة، إلى ما وعد به الاتحاد الأوروبي من مساندة ومساعدة، ثم إلى غير ذلك، تبين لك أننا قد غادرنا تفاصيل الموقف الذي بدا مُقلقا في حينه ومزعجا، وتبين أيضا أننا فارقنا موقفا كانت ملامحه غير مريحة، وكانت تفاصيله غير باعثة على ما يجعل المواطن يتطلع إلى المستقبل بشيء من الرجاء. غير أن خروجنا من ذلك الموقف يقتضي نوعا من المؤازرة الكاملة في ما بيننا، ويدعو اتحاد الصناعات، على سبيل المثال، إلى أن يكون حاضرا في القلب من المشهد الحالي، وأن نسمع ثناءه على ما جرى، وأن يمدنا بالكثير من التفاؤل الذي نحتاجه وننتظره منه ومن سواه، وأن يقول لنا ماذا سوف يفعل ونفعل في المرحلة التالية. ننتظر ذلك من الاتحاد ونحتاجه، وننتظره كذلك من جمعية رجال الأعمال، وننتظره للمرة الثالثة من غرف التجارة، وننتظره للمرة الرابعة من كل كيان مشابه أو مماثل يرى أن عليه دورا، وأنه مدعو إلى مهمة، وأن هذه المهمة هي المؤازرة التي لا بديل عن أن تنخرط فيها كل جهة يتصل عملها بأداء الاقتصاد في العموم.
البحث عن وطني
هذا الانخراط وهذه المؤازرة على مستوى المجتمع بشأن ضرورة الاحتشاد لإنقاذ مصر من كبوتها مطلوبان على وجه السرعة، ويبرر سليمان جودة إلحاحه لأكثر من سبب: حتى يمكن أن تكتمل عملية الإقلاع الاقتصادي التي نحن بصددها، والتي لا خيار غيرها أمامنا، والتي تمثل فرصة قد لا تكون مُتاحة بهذا الشكل مرة ثانية. وإذا كانت صفقة رأس الحكمة استثمارا أجنبيا مباشرا، فإننا مدعوون إلى أن نجعل هذا الاستثمار يتدفق على بلادنا، ولكن المستثمر الأجنبي عنده ترمومتر يقيس عليه دائما ويرى، وليس هذا الترمومتر إلا المستثمر الوطني، الذي إذا كان مُقبلا على العمل في بلده، مطمئنا وهو يعمل، مُتلقيا من الدولة كل ما يسعفه ويساعده ولا يعوّقه، فإنه يظل دعاية مجانية ومُغرية للمستثمر القادم من خارج الحدود. المستثمر الوطني هو الترمومتر الذي لا ترمومتر سواه، وإذا ركزت الحكومة في تقديم كل ما يلزمه ولا يعطله، فهي ليست في حاجة إلى أن تخاطب المستثمر الأجنبي، الذي كلما سمعها تخاطبه التفت إلى المستثمر الوطني ليراه، لأنه هو المقياس أمامه وهو المعيار.. وما قيل طوال أيام مضت عن يد الدولة الممدودة للقطاع الخاص، وعن إفساح الطريق أمامه، وعن إعطائه نصيبه العادل في النشاط الاقتصادي، يقول إن اللهجة مختلفة بقدر ما هي مشجعة، ولا يتبقى شيء سوى أن تصادف اللهجة ترجمة عملية لها.. ترجمة توظف الفرصة المواتية على أفضل ما يتعين توظيف الفُرص المتاحة أمام الدول.
شوك وقرنفل
كتب يحيى السنوار البطل الفلسطيني روايته “الشوك والقرنفل” التي بين يدي الدكتور عمار علي حسن في “المصري اليوم”، هذه في السجن، الذي قضى فيه ثلاثة وعشرين عاما بعد أحكام بالسجن المؤبد إثر اتهامه بالتخطيط لاختطاف وقتل جنديين إسرائيليين وقتل أربعة فلسطينيين كانوا عملاء للاحتلال، ولأنها كُتبت في هذا المكان البائس، وفي وقت كان مؤلفها يواجه خيار البقاء في السجن إلى أن يموت، كان عليه أن يحفر في ذاكرته عميقا لاستدعاء التفاصيل الدقيقة للحياة التي قضاها «أحمد»، بطل الرواية، راويها العليم، كي يتوسل بها لمساعدته على ترويض الوقت الثقيل، وكسر الملل، ومواجهة النسيان، أو التشبث بأهداب الحياة، التي تجري خارج الأسوار على حالها. يقول السنوار، في مفتتح روايته: «هذه ليست قصتي الشخصية، وليست قصة شخص بعينه، رغم أن كل أحداثها حقيقية.. الخيال في هذا العمل فقط في تحويله إلى رواية»، ليخبرنا بهذا أنه قد اختار الرواية، كنوع أدبي، لسرد تاريخ المجتمع الفلسطيني الذي عاشه منذ أن وعى على الدنيا وحتى ختام روايته، وهي فترة تمتد من حرب 1967 وحتى انتفاضة الأقصى 2000، وتغوص أحيانا، على سبيل الاستدعاء والاستشهاد والتأصيل، أبعد في الزمن حتى النكبة في 1948، يبدو للوهلة الأولى أن السنوار قائد القسام، عبر مشروعة الإبداعي يسرد تجربته، أو سيرته الذاتية، لكنه فضل أن يقدمها في قالب روائي، لأسباب عدة، فالقول بأنها رواية يُعفيه من ذكر أشخاص بأسمائهم، لم يستأذنهم وهو في سجنه كي يكتب عنهم، وهناك شخصيات مدانة من عملاء الاحتلال وجواسيسه، ومن المتقاعدين أو خائري العزم. كما أن القالب الروائي يُعفيه من عرض أسرار مجتمعه، ولاسيما أهل المقاومة منهم، ويحميه من أن تتخذ السلطات الإسرائيلية من هذا المضمون دليل إدانة جديدة له لمشاركته في «العمل الفدائي» منذ ريعان شبابه، وربما يسهل عليه في السجن أن يُقال إنه يكتب رواية عن القول إنه يسجل سيرته.
مقاتل مبدع
السنوار حسب الدكتور عمار علي حسن، هو الراوي «أحمد»، الذي نتتبع سيرته منذ طفولته حتى انخراطه في صفوف «حماس»، وهو الشاهد على كل شيء حوله، منذ لحظة الانكسار حين احتلت إسرائيل قطاع غزة في حرب 67، التي عبر عنها بمشهدين، الثاني منهما هو قيام إسرائيل بجمع كل مَن تزيد أعمارهم على 18 سنة في مخيم الشاطئ، ودفعهم أمام ضابط مخابرات ليتفحصهم ليختار الأشداء منهم، فتطلق عليهم النار. ثم تتوالى تفاصيل حياة «أحمد» وإخوته وأمه وأبناء عمه وجده، لنقف معهم على حالة لأسرة غزاوية عانت طويلا من القهر والفقر، فقاومته بتعليم الأولاد حتى حصلوا على شهادات جامعية، وبالانخراط في صفوف المقاومة، اتكاء على القاعدة التي رسخها أخوه الأكبر «محمود» حين قال ذات يوم: «إذا تحقق عزم الرجال واستعدادهم للموت، فإن شيئا لا يمكن أن يقف في وجههم، ولا بد للنصر أن يكون حليفهم». تقدم الرواية، من خلال هذه الأسرة وجيرانها، بل سكان مخيم الشاطئ كله، وامتدادا لبقية غزة وأهل الضفة الغربية والشتات الفلسطيني في الأردن ولبنان، تسلسل وقائع القضية الفلسطينية، سواء على مستوى قادتها الكبار، الذين تأتي الرواية على ذكر بعض أسمائهم، مثل ياسر عرفات وأحمد ياسين وأحمد جبريل، من الفلسطينيين، أو على مستوى القوى السياسية والنضالية التي حملت القضية على أكتافها، مثل حركة فتح، ومنظمة حماس، والجبهة الشعبية. ومع السرد نُحاط علما بتوزع أيديولوجيات الشباب الفلسطيني على الاتجاهات القومية واليسارية والإسلامية، وما بينهم من منافسة تمتد من النقاش إلى الجدل والمواجهة في المدارس والجامعات والسجون، التي حوّلها الفلسطينيون إلى مدارس لتعلم السياسة ودراسة تاريخ بلادهم وأيام كفاحها، وكذلك ما يجمعهم من هموم تجعلهم يتقاربون، بل يتوحدون في المُلِمّات إلى حد كبير. وبلغ مشهد التوحد ذروته، كما تخبرنا الرواية، حين اندلعت انتفاضة الحجارة 1987، حيث «خرج إلى الشوارع ملثمون من كتائب عزالدين القسام بلباسهم الأخضر المعروف، يصطفون في صفوف لا نهاية لها»، ومعهم خرج أتباع كتائب شهداء الأقصى براياتهم الصفراء، وكتائب سرايا القدس براياتهم السوداء، يحملون أسلحة مختلفة الأنواع ويلوحون بها في الهواء.
اعتدناها للأسف
إذا كنا قد اعتدنا على مشاهدة المجازر اليومية والإبادة الجماعية في غزة فإن الأمر وفق ما يحذرنا معتمر أمين في “الشروق” على وشك التكرار في جنوب لبنان تليه الضفة الغربية. ذلك أن آلة الخراب الإسرائيلية تريد استعادة قدرتها على «الردع» التي فقدتها يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، والتي كانت قائمة على منع حدوث هجوم مباغت ضد إسرائيل. وقد تتوسع إسرائيل في ردها على القوة الإقليمية المعادية لها، عن طريق القيام بعمليات اغتيال ضد قيادات أنصار الله في اليمن، في محاولة لترميم صورة الدولة ذات الذراع الطويلة، التي تستطيع البطش بكل أعدائها في المنطقة، على غرار ما تقوم به من عمليات متكررة في إيران. ولكن ماذا بعد؟ الرأي الغالب لدى معظم المحللين هو إبرام صفقة تبادل الأسرى وبدء سريان الهدنة المؤقتة التي تستمر لستة أسابيع، كافية لاستحواذ تفاعلات شهر رمضان، لعل الشارع الإسرائيلي يتحرك خلالها ليسقط حكومة اليمين المتطرفة، وبالتالي تتحول الهدنة المؤقتة إلى دائمة. وفي هذا الإطار، لا رهان على الإدارة الأمريكية، التي لم ولن تقول «لا» لإسرائيل مهما فعلت. ورئيس الوزراء الإسرائيلي يعرف جيدا أنه يستطيع تحييد الضغوط الأمريكية، كما يعرف أنه يستطيع حشد الداخل الإسرائيلي ما دامت دائرة الحرب مستمرة. ولكن لو توقف القتال، فإن استحقاقات ما بعد المعركة ستنال منه، ذلك لأن الداخل في إسرائيل يتفق على إبادة المقاومة الفلسطينية ومنع حل الدولتين، لكنه لا يتفق على ما يجب فعله في اليوم التالي للحرب. وقد يشفع لرئيس الوزراء الحالي أمام شعبه، أنه قتل من الفلسطينيين ما لم يسبقه إليه أحد، وحول غزة إلى أرض محروقة لا تصلح للعيش، في محاولة لطرد وتهجير الفلسطينيين منها بالكامل. لكن العبرة هنا بالخواتيم، فإذا بقي أهل غزة دون ترحيل، وبقيت المقاومة والأنفاق التي تستعملها، فإن موقف نتنياهو سيكون في منتهى الصعوبة.
محفوف بالمخاطر
رهان المقاومة في الموافقة على صفقة الأسرى مشفوع بالعديد من المخاطر، حسب معتمر أمين، فبموجب عملية التبادل تفقد المقاومة ورقتها الوحيدة للضغط على إسرائيل. وما تبقى بعد ذلك هو مواجهة مع عدو بلا شرف، سيستمر في ارتكاب الإبادة الجماعية بلا أي رادع إنساني أو أخلاقي حتى يصل لمبتغاه. ولذلك، مكسب المقاومة الوحيد من وقف القتال المؤقت هو إعطاء فرصة للشعب الفلسطيني لالتقاط أنفاسه، مع دخول أكبر قدر ممكن من المساعدات لأهل قطاع غزة، وتخفيف وطأة الاستهداف في الضفة. ولا يعني ذلك أن الهدنة لن يشوبها استهداف إسرائيلي وعمليات قتل إلخ.. وإنما يعني أن وتيرة القتل اليومي ستعود لمعدلاتها الطبيعية لما قبل حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى حين تجدد القتال. نلاحظ في هذا السياق أن نتنياهو يحاول تعقيد هذه الصفقة بقدر ما يستطيع، فبعد الاتفاق على إطارها في مفاوضات باريس في الأسبوع الأخير من فبراير/شباط، عاد ليضيف شرطا جديدا قبل جولة مفاوضات الدوحة لإقرار الصفقة، واشترط إبعاد القيادة الفلسطينية التي سيفرج عنها إلى قطر وأهم المعنيين بهذا الإبعاد هو مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح وقائد الانتفاضة الفلسطينية، وأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وإذا وافقت المقاومة على شروط نتنياهو المستحدثة فإنه سيتقدم خطوة، وستتراجع المقاومة خطوات. ولنضع تطور صفقة التبادل في الخلفية ونطرح سؤالا حول ما تعنيه صفقة التبادل بالنسبة لحزب الله. فحكومة اليمين الإسرائيلية توسع نطاق القتال وقصفت محيط مدينة بعلبك في أقصى شمال لبنان يوم 26 فبراير/شباط، ما يعني أن التصعيد الحذر يتراجع. وقد تكون حكومة اليمين تعمل على تأمين بقائها في السلطة عبر الانتقال بالكامل إلى ساحة لبنان مع سريان الهدنة المتوقعة في غزة. وحزب الله بدوره يزيد من استهداف المواقع الإسرائيلية ويزيد من ضرباته في العمق الإسرائيلي وفي هضبة الجولان لأول مرة، ولكن إلى أي مدى سيذهب حزب الله في هذه المواجهة؟
رمضان كريم
أيام تفصلنا عن بداية شهر رمضان، وهو شهر الخيرات، إذ يعكف فيه الناس على العديد من المبادرات الاجتماعية، كما أخبرنا عمرو هاشم ربيع الذي تابع في “الشروق”: جرى العرف في مصر أن يعتبر الكثيرون أن شهر رمضان من كل عام هو موعد إخراج الزكاة. وأحد أهم منافذ الخير، بل أهمها قاطبة، هو إطعام الطعام، وهنا يركز معظم الناس القادرين على إفطار الصائمين، تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أفطر صائما فله مثل أجره). بطبيعة الحال يقوم بعض الناس بتلك العادة السنوية تقربا إلى المولى عز وجل عن طريق تقديم الطعام بشكل فردي، بمعنى قيام الناس بإفطار صائم، أو أكثر من محدودي الدخل أو من يتوسم فيهم عدم المقدرة وشدة الحاجة، وربما صعوبة الطلب من الغير لعزة النفس وعدم الامتهان. بعض الناس يقوم بدعوة الأقارب والأصدقاء، وإقامة ما يشبه الحفلات الكبيرة لإفطار الصائمين. الشكل الأكثر علانية من كل ما سبق هو إقامة موائد الرحمن، حيث يقوم الناس بشكل فردي وعادة بشكل جماعي وتشاركي، ودون انتظار كلمة شكر أو حمد، بإعداد إفطار يومي للعشرات وربما المئات من الناس، وهؤلاء ربما يكونون موظفي ورديات في مصنع أو عاملين في إحدى المؤسسات الساهرة. لكن غالبية هذا الشكل يتم على أرصفة الشوارع في القاهرة وربوع المحافظات، حيث تقام السرادقات المجهزة بشكل جيد لإطعام الناس دون أي شرط، ما يجعل الجميع يجلس لتناول وجبة ساخنة عقب أذان المغرب، متحابين، متآلفين، لأن الطعام الجماعي هو من أكثر الأشياء التي تعضدد أواصر المحبة بين الناس مصداقا لقول المولى عز وجل (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).
الأيدي قصيرة
اليوم، والكلام ما زال لعمرو هاشم ربيع، يبدو الأمر مختلفا عن العام الماضي، فالغلاء استوحش، ونسب التضخم أصبحت مربكة للغاية، وأكثرها سوءا قسوة التضخم في الغذاء. فالسلع المرتبطة بالغذاء هي من أكثر الأمور التي زاد ثمنها بين العامين الماضي والحالي، ولا شك أنه من السهولة بمكان أن يجد المرء عديد الأسعار للسلعة الواحدة، حسب المكان الذي يرتبط عادة بالمستوى الاجتماعي، والشريحة الطبقية. كثيرون اليوم أصبحوا يهمسون في أذن بعضهم بعضا بعدم المقدرة على فعل ما اعتادوا عليه في السنوات الماضية، بعضهم اشترط لقبول دعوات الإفطار، أن يحمل بعض الغذاء الساخن لمشاركة المضيف عناء إعداد الوجبات وإعداد مكان الإفطار، فيما أصبح يسمى في المجتمعات الأكثر رقيا بظاهرة الـDish party. ونظرا للخشية من حدوث ارتباك أثناء المائدة، فإنه عادة ما يتفق بين الناس على أنواع محددة من الأطباق التي يحملها كل منهم إلى المائدة، وبذلك لا تتكرر الأصناف ولا تتضارب الأكلات. بالطبع يحق للبعض رفض هذا الأسلوب، بدعوى أنه يقلل من الثواب أو الأجر عند الله، لكن عادة ما يشترط الناس هذا الشرط لقبول الدعوات، حتى لا يرهق الضيف، فالأعمال بالنيات، والأجور تكون محفوظة إن شاء الله. لكن في مواجهة هذا الغلاء ستكون موائد الرحمن هذا العام في حالة اختبار كبير، من حيث عددها وجودتها، ما سيجعل الناس الأكثر احتياجا في أمس الحاجة لبقاء تلك العادة الحميدة، وهو أمر يحد من خياراتهم، حيث مرد الكثيرين على المشاركة في عدة موائد في الأيام الأولى، بحيث يجلس كل يوم على مائدة مختلفة، إلى أن يختار بشكل نهائي المائدة الأكثر ارتياحا لها. كل هذا يعتقد أنه تغير هذا العام. فوسط كل ذلك ستكون موائد الرحمن هذا العام لها شكل ومضمون خاص ومختلف، لكن على الأرجح ستستمر وإن كانت محدودة كما وكيفا.
في الشهر الكريم
يومان ويبدأ شهر رمضان المعظم، ومن غير المعقول أن يقف العالم «متفرجا» على حرب الإبادة في غزة ضد الفلسطينيين، التي اختلط فيها القتل بالرصاص مع القتل بالتجويع في كارثة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية. تابع عبد المحسن سلامة في “الأهرام”: كل العاملين في المنظمات الأممية بدءا من غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، ومرورا بكل المسؤولين في المنظمات الإغاثية الدولية، أكدوا استحالة إنقاذ أهالي غزة من الموت جوعا، إذا لم تتوقف الحرب فورا، تمهيدا لسرعة دخول المساعدات بالكميات اللازمة لإنقاذ الاطفال والنساء والعجائز من الموت جوعا. المشكلة أن الموقف الأمريكي لا يزال يراوح مكانه رغم وجود بعض التعديلات الشكلية الإيجابية عليه مثلما حدث من نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس ومطالبتها بالوقف الفوري للقتال في غزة، وتحذيراتها من حرب التجويع ضد الفلسطينيين لكن لايزال الموقف الأمريكي الرسمي الفعلي بعيدا عن تلك الخطوة. أيضا هناك مشروع قرار أمريكي قد يتم الدفع به خلال الساعات المقبلة يتعلق بوقف فوري لإطلاق النار والمهم هو صياغة هذا القرار، وهل يكون قرارا واضحا وملزما بوقف إطلاق النار، أم أنه مجرد مطالبة، وتتم صياغته بشكل ملتبس يتضمن عبارات «ركيكة» تحمل الكثير من المعاني مثل وقف إطلاق النار في ظروف معينة أو المطالبة بأشياء معينة لكي يتم إفراغ القرار من مضمونه في النهاية، ويتحول إلى مجرد أداة أمريكية لغسل سمعتها المغروسة في «الوحل» لمشاركتها الفعلية في حرب الإبادة. الصحف الأمريكية أشارت مؤخرا إلى تورط الإدارة الأمريكية في إرسال 100 شحنة سلاح إلى إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي بشكل سري، وأكدت أنه لم يتم تمرير تلك الصفقات عبر القنوات الطبيعية، بما يؤكد التورط الأمريكي بشكل مباشر في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة. من غير المعقول أو المقبول أن يبدأ شهر رمضان الكريم وحرب الإبادة مستمرة ضد الفلسطينيين والعالم يقف إما صامتا كما هو حال معظم دول العالم، أو مشاركا في الجريمة مثل أمريكا والغرب.
الفتنة أشد خطرا
يهل علينا شهر رمضان الكريم بخيراته على مصر الدولة والشعب، ففي الشهر الكريم كما أوضح محمد الهواري في “الأخبار” ترفع الأعمال الصالحات والصوم إلى الله، وتختفي الشياطين إلا من يسعون للفساد في الأرض ونشر الشائعات الكاذبة للعمل على هز استقرار الدولة وتحويل كل الإيجابيات إلى سلبيات مثلما حدث بعد صفقة رأس الحكمة، رغم آثارها الإيجابية على سعر الصرف ودعم الاقتصاد الوطني وتوفير التمويل اللازم لمستلزمات الإنتاج لتشغيل المصانع والمزارع، إضافة للأثر المباشر في انخفاض سعر الدولار في السوق الموازية وانطلاق العمل في مشروعات رأس الحكمة بما توفره من مئات الآلاف من فرص العمل للمواطنين.. فتحت الدولة الحوار أمام جميع أطياف الشعب، وقام المشاركون من المخلصين بالإدلاء باقتراحاتهم من أجل تصحيح مسار الاقتصاد الوطني واقتراح مشروعات جديدة سوف ترفع نتائج الحوار إلى الرئيس السيسي لاتخاذ ما يلزم تجاه ما يمكن تنفيذه لصالح الدولة والوطن. ولكن الضعفاء من مثيري الفتن لا يعرفون الحوار لأنهم يستهدفون الوطن وبث الفتن ونشر الشائعات لأغراض دنيئة داخلهم ضد الشعب والوطن، ولا يعرفون أن الشعب المصري أصبح أكثر وعيا بتلك الألاعيب التي يسوقها أعضاء الجماعة الإرهابية وبعض الناشطين السياسيين الذين لا يفقهون في إدارة الدولة والحكم. ندعو الله أن يهدي كل هؤلاء خلال شهر رمضان ويعودوا لرشدهم، فالشعب يحتاج دائما للأمل والطموح والوعي والبناء الصحيح من أجل مستقبل الأجيال القادمة، ولا يحتاج لمثيري الفتن والشائعات، بل في حاجة للمخلصين من أبنائه الذين لا يهمهم سوى بناء وتقدم مصر للأمام بعيدا عن الأخطار التي تحيط بالدولة من كل الجوانب، فهؤلاء العملاء لن يستقيم لهم الأمر إلا بانهيار الدولة وتفكك شعبها وهو ما لن يحدث بإذن الله لأن الشعب المصري واثق من نفسه وقادر على الصبر على كل المحن واجتيازها بكل ثبات.
بديل غير آمن
تعويم الجنيه المصري كان متوقعا منذ فترة، ولكن وفقا لمحمد علي محمد في “الوفد”، كان هناك اختلاف على تحديد التوقيت، ويأتي ذلك مع تصريح البنك المركزي بأن تحديد سعر صرف الجنيه سيكون متروكا للعرض والطلب، وهذا الأمر مطلوب نحو اقتصاد حر ومرونة لسوق الصرف. وبهذا التعويم، نجح البنك المركزي في سد الفجوة بين السوق الرسمي والسوق الموازية، ويعتبر ارتفاعا مفاجئا، ولكنه يدعم قرار البنك المركزي بتخفيض الجنيه لجذب سيولة دولارية داخلية، أو تحويلات العاملين في الخارج، خاصة أن البنوك بدأت في إصدار شهادات بعائد 30%. وعدم وجود نظرية اقتصادية تطبق للسوق المصري في سعر الصرف للجنيه المصري أمام الدولار، لأن السوق المصري تحركه الإشاعات، وأن السعر العادل هو العرض والطلب وتوفر العملة. ومستقبل الجنيه، يعتمد على النمو الاقتصادي وحل مشكلات المصنعين، ودعم الصناعات والزراعة، الأمر الذي يعزز من قيمته، كما أن تراجع إيرادات قناة السويس إلى 51% في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط لن يؤثر سلبا على الجنيه المصري، ولكنه قد يؤثر على واردات ومصادر العملة. وترك الجنيه للعرض والطلب أمام سلة العملات معناه تعويم كامل، وهذا كان مطلب من صندوق النقد الدولي لإجراء إصلاحات اقتصادية، وهو أمر مفيد للمستثمرين العرب والأجانب، ويوحد سعر الصرف ويقضي على السوق السوداء، ويزيد تدفقات تحويلات المصريين في الخارج. كما أن رفع البنك المركزي أسعار الفائدة 6% جاء لحماية مدخرات المصريين بالعملة المحلية، ومواجهة التضخم وانخفاض القيمة الشرائية للنقود، ومحاولة خفض معدلات الصرف وتوجيه المتعاملين للادخار للاستفادة من ارتفاع سعر الفائدة. كما أن المواطن في الشارع المصري في حيرة من أمره بعدما شهد ارتفاع أسعار رهيب للسلع والخدمات، وكان يتوقع انخفاضها مع وجود تدفقات لاستثمارات تنمية رأس الحكمة، وأصبح لا يستطيع أن يرى المستقبل القريب، بل يخشى من عواقب التعويم في ظل وجود مضاربين على سعر العملة.
البشر أولى
تابع فاروق جويدة في الأسابيع الأخيرة صحوة غير مسبوقة في النشاط الاستثماري للحكومة، وشعر الكاتب وفق ما أطلعنا في “الأهرام” بأن هناك برنامجا حقيقيا لإعادة بناء الاقتصاد المصري على أسس وقواعد مدروسة، وربما تأخرت هذه الإجراءات أمام تحديات وأهداف أخرى أخذت بعض الوقت.. إن برنامج الحكومة في مجال الاستثمارات يضع الآن مجموعة من الأهداف في مقدمتها الاستثمارات الخارجية، وأمام أسواق كثيرة أغلقت أبوابها تبقى أمام مصر فرص كبيرة لفتح الأبواب والتخلص من سراديب البيروقراطية العتيقة. إن ما تشهده مصر الآن من حركة جامحة نحو تطوير المسار فرصة تاريخية تستعيد بها الدور والمكانة، رغم أننا قد نختلف في تحديد الهدف والمسار، فإن مصلحة الوطن يجب أن تسبق كل شيء، إذا كان تشجيع رأس المال والاستثمار الأجنبي ضرورة فيجب ألا ننسى أن الاستثمار الداخلي هو أساس التنمية والبناء الحقيقي، وهنا ينبغي تشجيع القطاع الخاص المصري إلى ابعد مدى.. إنني أدرك قيمة المال في الحياة والرخاء وتلبية مطالب الشعوب واحتياجاتها، ولكننى أضع الجهد البشري فوق كل الاختيارات الأخرى وأضع البشر في أول القائمة وأراه أهم عناصر البناء لأن الإنسان هو الذي يستطيع أن ينتج ويبدع وهو صانع المال الحقيقي.. من هنا تأتي أهمية استثمار البشر، وفي مصر كان الإنسان هو أهم ثرواتها عبر تاريخها الطويل هو الذي زرع شواطئ النيل وعلم الدنيا الزراعة وهو الذي شيد الجيوش، وعلم الدنيا كيف تحمي الشعوب أوطانها وهو الذي أبدع الفنون وأقام الأهرامات وصنع الحضارة وكتب التاريخ، الإنسان المصري المبدع يحتاج الآن إلى وقفة، من هنا فإن الملايين أيا كان مصدرها لا فائدة منها إذا لم نسترد هذا الإنسان، خاصة أن ما نراه ونشعر به، أن هناك تحولات خطيرة حدثت في مكونات الشخصية المصرية، وفقدت الكثير من مقومات تفوقها وتفردها ودورها، وأمامنا نماذج كثيرة وشواهد تؤكد هذا الواقع.. لا أتصور أن يغيب عن أذهاننا ملايين الشباب الذين ينتشرون في المحروسة بلا عمل، وتأكل البطالة أعمارهم عاما بعد عام، ونكتشف أن أكثر من 30 مليون إنسان في مصر لا يقرأون ولا يكتبون وأصبحت الأمية عارا يطاردنا في كل مكان..
حقها لن يضيع
النيابة العامة هي الأمينة على حقوق المواطنين، وهي التي يطمئن معها المواطنون على حقوقهم وحرياتهم. قالت النيابة في بيان لها حول تحقيقات واقعة الطالبة نيرة الزغبى اطلع عليه الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار”: إن حرمة الحياة الخاصة مصونة بمقتضى نصوص الدستور والقانون. وأنها ستتصدى بحزم لأي وقائع تتضمن انتهاكا لهذا الحق. كما ستتصدى لظاهرة النشر والتداول على مواقع التواصل الاجتماعي لأخبار من شأنها إثارة الرأي العام وإشاعة الفتن ونشر الكذب، دون التريث والتحقق من المعلومات قبل النشر، وذلك للحفاظ على قيم المجتمع وتماسكه أمام أي سلوكيات دخيلة تعمل على تفكيكه وإبعاده عن ثوابته الأصيلة. هذا البيان المحترم رادع لكل من تسول له نفسه الخروج على قيم وأخلاقيات وعقيدة المجتمع المصري. هذا البيان يؤكد سيادة الدستور والقانون وأن الجميع سواسية. هذا البيان يشعرك بأنك في دولة الأمن والأمان لكل المواطنين. لقد استكملت النيابة العامة التحقيقات في وفاة الطالبة المقيدة في كلية الطب البيطري في جامعة العريش، واستبان من التحقيقات، وشهود الواقعة، وتحريات الجهات الأمنية أن المتوفاة تعرضت إلى ضغوط نفسية ناجمة عن قيام إحدى زميلاتها، المتهمة الأولى، بتهديدها بنشر مراسلات نقلتها خلسة من هاتف المتوفاة إلى هاتفها، وأرسلتها إلى زميلها المتهم الثاني، الذي قام بدوره بالتدوين على المجموعة التي تتضمن جميع طلاب الدفعة بالجامعة على تطبيق «الواتساب» بأن إحدى الطالبات «دون الإشارة إليها تحديدا» لها مراسلات وصور خاصة بها، مهددا إياها بنشرها، في الوقت الذي يختاره الطلاب على «الجروب»، وإن عليها أن تعتذر عما بدر منها من إساءة في حق المتهمة الأولى. وجهت النيابة العامة للمتهمين تهمتي التهديد كتابة بإفشاء أمور تتعلق بالحياة الخاصة المصحوب بطلب «جناية»، والاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للمجني عليها «جنحة»، وحبسهما احتياطيا والتحفظ على الهواتف الخلوية الخاصة بهما وبالمجني عليها لاستيفاء الإجراءات نحوها. واستعجال تقرير الطب الشرعي. هكذا لن يضيع حق نيرة وأسرتها. وأرجو أن تكون هذه الواقعة رادعا لكل من تسول له نفسه اختراق حرمة الحياة الخاصة.. اللهم انى أعوذ بك من الغدر والخيانة.