الغاز والخلافات الجزائرية المغربية على مد أنبوب عبر أفريقيا

رشيد خشانة
حجم الخط
34

وجهت الدول المصدرة للغاز الطبيعي رسالة واضحة إلى القوى الكبرى في العالم، مفادها أنها مُصرة على الاستثمار في الطاقة الأحفورية، بالرغم من التحذيرات الغربية، من تأثير ذلك على سلامة البيئة. ومن الواضح أن قمة «نادي الدول المُصدرة للغاز» التي استضافتها أخيرا الجزائر، كانت تعبيرا عن بروز تجمُع اقتصادي/ سياسي، قد يُنافس عالميا الدول الغربية، بزعامة أمريكا.
يتألف هذا التجمع، الذي تأسس في العام 2001 من اثني عشر عضوا، وهم روسيا وقطر وإيران والجزائر وفنزويلا وليبيا والإمارات ومصر وبوليفيا ونيجيريا وغينيا الاستوائية وترينيتي وتوباغو. وانضم إلى هؤلاء الأعضاء، في قمة الجزائر، كل من السنغال وموزنبيق.
اجتمعت القمة في أجواء عالمية تسودها عدة توترات بسبب تداعيات حرب أوكرانيا، فيما ارتفع الطلب على الغاز الطبيعي هذه السنة إلى مستويات أعلى من المستويات المعتاد عليها.
وبالنظر لمحورية الغاز في اقتصادات دول كبرى، على غرار ألمانيا واليابان وفرنسا، من غير المستبعد أن تنشب صراعات بين الدول المُصدرة لهذه المادة الحيوية، والدول المستهلكة، في عالم بات أصلا متعدد الأقطاب. وعبر أعضاء المنتدى، في البيان الختامي لقمتهم السابعة، ردا على الحكومات الغربية التي تطالبهم بوقف الاستثمار في مصادر الطاقة الأحفورية، وخاصة الغاز الطبيعي، عن رفض حازم «لأية عراقيل يمكن ان توضع في طريق الاستثمار في القطاع، بحجة مقتضيات حماية المناخ». من هنا تبلورت ملامح صراع قد يطفو على السطح أكثر فأكثر في المستقبل، خصوصا أنه يأتي على خلفية الحرب في أوكرانيا، بين أمريكا من جهة وروسيا، المدعومة بقوة من إيران والجزائر، من جهة ثانية. ويشدد المسؤولون الجزائريون في هذا المضمار، على الدور المتزايد للغاز الطبيعي، في إطار الموازين الطاقية العالمية، فيما يؤكد المنتدى، في تقريره السنوي، الذي وزعه بمناسبة قمة الجزائر، أن الغاز الطبيعي سيبقى مصدرا دائما وتنافسيا للطاقة، خلال عدة عقود من الزمن، إلى جانب مصادر أخرى للطاقة. وكان أعضاء «المنتدى» قد حذروا في تشرين الأول/اكتوبر الماضي من تجميد الاستثمارات في هذا القطاع.
وتعتبر الدول الأعضاء في «المنتدى» أن أمامها تحديا استراتيجيا يتمثل في استثمار احتياطاتها من الغاز الطبيعي، من أجل تحسين الميزان الطاقي.

بنية أساسية قديمة

على الرغم من تقادم البنية الأساسية، يُؤمل الجزائريون تحقيق زيادة تدريجية في الصادرات، وخاصة بعد الاتفاق الذي وقع عليه رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي مع مسؤولين جزائريين في العام 2021 والذي يقضي بزيادة حجم الصادرات من الغاز، تدريجيا، إلى حدود تسعة مليار متر مكعب في العام الجاري. ورحبت إيطاليا، وهي المستهلك الثاني للغاز الروسي من بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، بالاتفاق، الذي يعوض قسما من وارداتها من الغاز الطبيعي من روسيا. ويُذكر أن إيطاليا توصلت في الفترة نفسها، لاتفاقين مماثلين لتوريد الغاز من أنغولا والكونغو.
ولا يقتصر شركاء الجزائر في مجال الغاز المُسيل، على زبائنها التقليديين، وإنما انضم إليهم زبائن جدد، في مقدمتهم الصين، ما سيجعل العلاقات الاستراتيجية بين أعضاء «منتدى الدول المُصدرة للغاز» أكثر متانة من ذي قبل. وهذا التقارب بين الصين والجزائر في مجال الطاقة، من شأنه أن يدعم تشكيل قطب جديد في عالم متعدد الأقطاب.
وفي السياق توصلت مجموعة «سوناطراك» الجزائرية وشركة «صينوبيك» الصينية إلى «مذكرة تفاهم» لتطوير التعاون في المجال النفطي، على صعيدي الإنتاج وعمليات التفتيش. ويستعد الطرفان للتوقيع على صفقة أخرى لشراء النفط والغاز الطبيعي الجزائريين، ما يعني أن الصين في سبيلها إلى إحراز موطئ قدم ثابت في شمال أفريقيا، وتحديدا مع الدولتين الرئيسيتين في إنتاج النفط والغاز الجزائر وليبيا.
في الجانب الآخر من المشهد، أتى الحضور القوي لإيران في قمة الغاز بالجزائر، والحوارات التي أجراها رئيسها ابراهيم رئيسي، مع رؤساء الدول المشاركة، ليؤكد عزم طهران على لعب ورقة الغاز مع خصومها، الذين فرضوا عليها عقوبات تعتبرها ظالمة.

قمة إيطاليا/ أفريقيا

تزامنت قمة الدول المصدرة للغاز في الجزائر، مع قمة أخرى لا تقل عنها أهمية، وهي قمة إيطاليا أفريقيا، في روما، التي أرادها الإيطاليون مخصصة في الأساس لملف الغاز الطبيعي، باعتبار بلدهم الزبون الثاني للغاز الروسي من بين دول الاتحاد الأوروبي، مثلما أسلفنا. وتحاول رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نقل مركز الثقل في السياسة الخارجية الإيطالية من أوروبا إلى المتوسط، بالنظر إلى عدة عوامل، أهمها أن تدفقات المهاجرين غير النظاميين تأتي من الجنوب، كما أن قسما من وارداتها من المحروقات مُستوردٌ من الجزائر وليبيا، وهي أيضا شريك تجاري رئيسيٌ لكل من تونس والجزائر وليبيا.
وفي الوقت نفسه ينتهج الإيطاليون سياسة انفتاح وتقارب مع الدول الأفريقية، التي تملك احتياطات مهمة من الغاز الطبيعي. لكن الخلاف بين المدافعين عن الاستمرار في إنتاج الغاز، والجماعات الرافضة، بحجة المحافظة على البيئة، سيبقى مستمرا، مع السعي لتدوير الزوايا، كي لا تتباعد المواقف أكثر فأكثر.
وكان أعضاء «المنتدى» قد حذروا في تشرين الأول/اكتوبر الماضي، من المطابلة بتجميد الاستثمارات في هذا القطاع. وعلى الرغم من تقادم البنية الأساسية يُؤمل الجزائريون تحقيق زيادة تدريجية في الصادرات من الغاز. كما أن إيطاليا توصلت لاتفاقين لتوريد الغاز من أنغولا والكونغو. والأرجح أن دولا أوروبية أخرى، ستسعى لتوطيد العلاقات التجارية مع البلدان الأفريقية المنتجة، للحصول على حاجتها من الغاز ومصادر الطاقة عموما.
ولم يُكشف سوى القليل من تفاصيل الخطة الإيطالية، لكن من المتوقع الإعلان عن بعض المبادرات الملموسة، التي تخص أفريقيا خلال هذا العام.
والأرجح أن إيطاليا، التي تسعى للتخفيف من اعتمادها على الغاز الروسي وزيادة استثماراتها في القارة الأفريقية، ستعتمد وإن جزئيا على الغاز الليبي، حيث حافظ العملاق الإيطالي على مواطئ قدم متينة، منذ عهد النظام السابق. ومع تراجع إمدادات الغاز الروسي العام الماضي، قامت «إيني» المملوكة للدولة الإيطالية، باستيراد كميات متزايدة من الغاز من أفريقيا.

منافسة جزائرية مغربية

أما الجزائريون فيعتزمون مد أنبوب رئيسي لنقل الغاز، ينطلق من أبوجا في نيجريا إلى مدينة بني صاف الجزائرية على الساحل المتوسطي. وأفادت مصادر مختلفة أن المغرب يخطط أيضا لمد أنبوب مواز، من أبوجا نحو ميناء طنجة شمال المغرب. غير أن الأنبوبين في حال تجسيدهما، سيتعرضان لمخاطر أمنية لدى عبور الصحراء الكبرى، خاصة بعد انتعاش الجماعات المسلحة في منطقة الساحل مؤخرا، في أعقاب مغادرة القوات الفرنسية، التابعة لخطة «برخان» كلا من مالي والنيجر وبوركينا فاسو. كما شكل انهيار المصالحة بين الفئات المتقاتلة في مالي، بوساطة من الجزائر، والمعروف بـ«اتفاق الجزائر» إضعافا للدور الاقليمي الذي حاولت الجزائر أن تلعبه في المنطقة.
في السياق لعبت قوات فاغنر الروسية دورا مهما في الانقلابات التي استهدفت الإطاحة بحكومات تُصنف على أنها تابعة لفرنسا. وما من شك بأن هذه التجاذبات، معطوفة على القطيعة الحادة بين المغرب والجزائر، لن تُفسح المجال لمشروع تكامل إقليمي، سياسي أو اقتصادي، ولن تتمكن من تطوير قطاع الغاز، بما يزيد من الوزن الاستراتيجي للبلدان المصدرة، والتي أقامت أسس اقتصاداتها على إنتاج مصادر الطاقة التقليدية وتصديرها، في إطار نظام ريعي. ويبدو أن الغاز سيزيد من التهاب الأزمة العميقة المغربية الجزائرية، بعدما تحول إلى وقود للخلافات بينهما، وخصوصا على مد أنبوب لنقل الغاز من نيجيريا إلى ضفاف المتوسط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية