نواكشوط ـ «القدس العربي»: المعروف في دواوين العرب هو شعر الشعراء الرجال ومعلقاتهم ومقدماتهم الغزلية وبكاؤهم على أطلال المحبوبة: أما المرأة العربية فقد ظلت في المجال الأدبي العاطفي حبيسة خدرها إلا من أبيات قليلة متناثرة غالبها في أغراض غير الغزل.
لكن المرأة العربية الموريتانية استطاعت أن تبدع لنفسها بحرا شعريا مستقلا يسمى «التبراع»وهي عبارة تعني باللهجة الحسانية الموريتانية القريبة من الفصحى «البوح بالعشق».
يختصر «التبراع» في كلمات قليلة الكثير من العواطف حتى أن وحدته وهي التبريعة الواحدة، تحمل من المعاني البلاغية ومن صور العشق المتهتك والمرموز ما لا تحمله القصيدة الفصحى.
واستطاعت المرأة الموريتانية أن تجتاز بشعرها وتبراعها، أسوار مجتمعها المحافظ والذي يربيها بقانون «المرأة من بيتها إلى قبرها» فتحررت من تكبيلاته وتنفست العشق بأنفاس حارة كاملة.
لا تذكر المرأة الموريتانية حبيبها بالاسم فيما تنظمه من «تبراع» غزلي، بل ترمز له بـ «المكمي» أو «المجحود» مكتفية بالتلميح، وتتولى إحدى صديقاتها حفظ ونشر ما أنتجته من تبراع إلى مجالس النساء وأسمارهن، ومن النساء من ترسل «التبراع» إلى عشيقها، عبر تطبيق الوتساب الذي أصبح متاحا اليوم.
تأصيل التبراع
تقول الدكتورة اباته بنت البراء أستاذة الأدب العربي بجامعة نواكشوط في توضيحات لـ «القدس العربي»: «التبراع نوع من أنواع الزجل الحساني، ويتميز بإيجازه وأن المرأة هي منتجته».
وأضافت «يتبع التبراع نظاما إيقاعيا منتظما، وهو عبارة عن تافلويتين (أي شطرين) تتفاوتان طولا غالبا، فتكون الأولى من بحر (لبتيت التام) وهو أحد بحور الزجل الشعبي الموريتاني والثانية من بحر (حثو اجراد) من بحور الأدب الحساني، أي 8 متحركا + 5 متحركا، هذا هو وزنه الشائع، ولكن له أوزانا أخرى».
غرض التبراع
وعن الغرض الأصلي لفن التبراع أو الغزل العذري الموريتاني، تقول الدكتورة بنت البراء، «هو تعبير المرأة في مساحته الضيقة عن عواطفها؛ ولم تكن في القديم تعلن عن نفسها فينسب التبراع إلى جيلها من الفتيات، كذلك لا تصرح باسم المعني بل تكني عنه باسم موصوف مثل المجحود أو المكمي».
ومضمون التبريعة غالبا وجداني محسوس يبتعد عن الأوصاف الحسية المباشرة للرجل؛ ومع الانفتاح على العالم الخارجي توسعت أغراض التبراع، فعبر عن شتى أحاسيس المرأة ومواقفها نفسيا واجتماعيا وسياسيا.
ولم تعد التعمية معتمدة فأصبحت البراعة تصرح باسم من تحب، كما تعلن عن نفسها، وراج التبراع في العصر الحاضر لتلحين الفنانات له، وأصبحن الكثيرات يتعاطينه، ولكنه غالبا يفتقد عنصر الإبداع، تضيف الدكتورة، «فالتبريعة على قصرها لا بد أن تتكامل فيها عناصر العملية الشعرية من إيقاع وصورة جيدة ولغة رفيعة».
حضور لافت ومميز
تقول الدكتورة فاطمة عبد الوهاب الباحثة والأستاذة بجامعة نواكشوط في تحليل لحضور المرأة الموريتانية في الشأن الأدبي «هناك حضور مميز ودور بارز للمرأة الموريتانية سياسيا واجتماعيا وعلميا، مقارنة مع ما هو موجود في الجوارين الشمالي والجنوبي، ولعل هذا التميز كان سبب مبالغة بعض الرحالين العرب بشأن سيادة النساء في المنطقة».
التبراع
النمط الجميل
وعن التبراع، تقول الدكتورة فاطمة عبد الوهاب، «هو شكل شعري خاص في الثقافة الحسانية بالنساء؛ وكلمة (التبراع) مشتقة من الفعل (تبرع)؛ و(تبرعت) (تبراعا) إذا أنشأت شعر (التبراع)؛ والنص الواحد من هذا الشعر يسمى (تبريعة)».
وأضافت «التبراع عبارة عن شطرين يتبعان نظاما إيقاعيا يقوم على تناسب المتحركات ووحدة القافية؛ وكلمة التبراع في رأي بعض الدارسين مشتقة من البراعة التي تعني الإجادة حد الإبداع، وبالنسبة لآخرين مشتقة من التبرع أي الهبة بلا عوض. والمعنيان واردان في شعر التبراع نظرا لإبداع المرأة هذا النمط الجميل على غير مثال تحتذيه من ناحية، ولأنها تهب نص التبراع من دون انتظار المجازاة من أي نوع بما في ذلك مبادلة المتغزل به حبا بحب».
موضوع التبراع
وعن موضوع التبراع، تقول الدكتورة فاطمة «موضوعه الأساسي هو الغزل، ولذلك فليس من الغرابة في شيء أن تنشأ نصوص التبراع وتتداول في غفلة من الرقيب الاجتماعي والديني بين الفتيات العاشقات دون نسبة التبراع لقائلة معينة حتى لا تتعرض البراعة أي الشاعرة لعقاب المجتمع؛ وبذلك تبقى نصوص التبراع رهينة مقتضيات الذاكرة من محو وتحريف، فكثيرا ما يشهر الحبيب موضوع التبراع ويختفي شخص البراعة».
بناء التبريعة
والتبريعة على المستوى البنائي، تقول الدكتورة فاطمة، عبارة عن نص كثيف في دلالاته قصير في امتداده مؤلف من جزأين يتناسبان في الكتلة الإيقاعية ويتحدان في القافية.
ويقوم التناسب بينهما على نماذج متعددة تراعي عدد الحركات، وأكثرها اطرادا فيما وصلنا من تبراع نوعان هما: الشطر الأول 5 متحركات والثاني 8 متحركات.
وهذه نماذج معربة من التبراع:
مَنْ صَابَ الَّ يَحْجَلْ راحْ اللٌيلة والَّ كَيْل
ليت الذي أضناني غرامه يأتي هذه الليلة أو يقيل غدا
الإله أبعث ذا العام يوسف عليه السلام
كأن الله بعث هذا العام يوسف عليه السلام
يا بالي صبراً إن مع العسر يسرا
أيها القلب اصبر فإن مع عسر الفراق يسر الوصال
عند أحمد تبسيمه تحيي العظام الرميمه
عند أحمد بسمه تحي العظام الرميم.
تلتزم كل النماذج نظام الجزأين والقافية الموحدة؛ وتتفاوت على المستوى التعبيري بين التعبير المباشر عن الأحاسيس، وبين الاعتماد على التراث في استدعاء المعاني وتكثيف الدلالات؛ وتتنوع الإحالات المرجعية في نصوص التبراع حسب تنوع ثقافة البراعة، فتستقي من الحياة المعيشة أو القرآن أو المعارف العلمية المتداولة كالفقه والتاريخ والأمثال والأساطير.
اتجاهات
كما في الشعر الغزلي عامة تتوزع نصوص التبراع إلى قسمين: قسم يعتمد التعبير المجمل عن معاني الوجد والوله والاحتراق بالشوق مع الاكتفاء بذكر صدود المحبوب وعدم تحقق الوصال؛ وآخر يتم فيه الوقوف عند المحاسن الجسدية للمحبوب الذي يكون شخصا معينا باسمه أو صفاته أو هما معا.
وهكذا فلا يختلف مضمون النص الغزلي في التبراع عن أي نص غزلي آخر إلا من حيث مستوى اقترابه من المحرم الاجتماعي الذي تتسع مساحته بالنسبة للمرأة، إذ يسمح المجتمع في النص المذكر بما لا يسمح به في النص المؤنث. ذلك أن الأنثى في العرف الاجتماعي ينبغي أن تبقى موضوعا للحب لا ذاتا فاعلة.
وبهذا يكون التبراع صنفا شعريا فريدا في جرأة مضامينه فريدا في نظامه الفني، فريدا في رسوخ تقاليد القول فيه، وهو إلى ذلك فريد لأنه يحجز مساحة إبداعية للنساء تحرم أعراف القول على الرجل أن يدخلها.