لندن ـ “القدس العربي”:
يُمثل شهر رمضان في كل سنة تحديا للحكومة في الجزائر، بالنظر لارتفاع الطلب على المنتجات وما يقابله في العادة من زيارة في الأسعار، تبدو في كثير من الأحيان غير مبررة، حيث يستغل بعض كبار التجار مناسبة الشهر الفضيل لفرض منطقهم في السوق، وهو ما تحاول السلطات التصدي له عبر مبادرات الأسواق الجوارية (من الجوار) وخفض الأسعار.
وتبدو المعضلة الأكبر في رمضان هذه السنة، أسعار اللحوم بمختلف أنواعها التي فلتت من عقالها ووصلت لمستويات غير مسبوقة، حيث تباع اللحوم الحمراء بـ2800 دينار للكيلوغرام وهو ما يعادل 20 دولار بسعر الصرف الرسمي. أما اللحوم البيضاء، فكسرت حاجز 500 دينار للكيلوغرام أي ما يعادل أكثر من 3 دولارات. ويكثر الطلب على اللحوم في الجزائر خلال رمضان، إذ نادرا ما يخلو طبق من هذه المادة، ما يزيد في الضغط على السوق ودفع الأسعار نحو الارتفاع.
ولمواجهة ذلك، لجأت الحكومة إلى حل أخير، بعد مراهنتها لسنوات على تشجيع شعبة اللحوم المحلية وانتظار أن يضبط السوق نفسه بنفسه؛ وهذا الحل لم يكن سوى استيراد كميات كبيرة من اللحوم وإعفائها من بعض الرسوم، حتى تسمح بمعادلة الأسعار في السوق. وتباع اللحوم المستوردة ما بين 1200 و1800 دينار جزائري للكيلوغرام، لكن الإشكال في كونها ليست متوفرة في كل محلات الجزارة كما أن الكثيرين يجدون طعمها مغايرا ويفضلون عنها اللحوم المحلية المعروفة بجودتها رغم سعرها الباهظ.
ووفق ما أعلنه الديوان الوطني لتغذية الأنعام وتربية الدواجن في الجزائر، فقد تم الشروع في تسويق كميات معتبرة من الدجاج المجمد المستورد على مستوى نقاط البيع التابعة له. وذكر المدير العام للديوان، حسان بن زازة في جلسة استماع أمام لجنة الفلاحة والصيد البحري وحماية البيئة بالبرلمان، أنه سيتم عرض كميات من اللحوم المجمدة المستوردة، تقدر بـ 3 آلاف طن، بدءا من اليوم الأول لشهر رمضان.
كما سيتم توفير الدجاج الطازج، الذي ينتجه الديوان، على مستوى هذه النقاط والبالغ عددها 131 نقطة موزعة عبر التراب الوطني منها 53 توجد بالأسواق الجوارية. وخصّص الديوان، في إطار برنامجه الخاص بشهر رمضان، 67 وحدة لإنتاج الدجاج الحي على مستوى 13 مذبحا عبر المستوى الوطني، حسب نفس المصدر. وبهدف تعزيز تموين المذابح بالدجاج الحي، أشار المسؤول إلى قيام الديوان باستيراد أكثر من 5 ملايين بيض تفقيس من المجر واسبانيا من أجل رفع انتاج الصيصان، إضافة إلى تموين المربين بهذه الصيصان بسعر 120 دج للصوص الواحد.
وفي سياق محاولات ضبط الأسعار، أعلن مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، الذي يمثل أكبر تنظيم لرجال الأعمال حاليا، عن إطلاق مبادرة لتخفيض أسعار المواد واسعة الاستهلاك خلال شهر رمضان المقبل، تحت شعار “وطنيون اقتصاديا، متحدون اجتماعيا”. وتسمح هذه المبادرة وفق المجلس، بتخفيض أسعار أزيد من 60 منتوجا، تشمل المنتوجات الفلاحية، الصناعات الغذائية، الأجهزة الكهرومنزلية وكذا مواد التنظيف، وذلك طوال شهر رمضان.
وذكر وزير التجارة الطيب زيتوني في نفس السياق، أنه تم فتح 477 سوقا جواريا على مستوى مختلف ولايات البلاد، يشارك فيه 8402 متعاملا اقتصاديا، مجددا دعوته للمشاركة “بقوة” في هذه الأسواق، حتى يتسنى للمستهلك اقتناء حاجياته من المنتج مباشرة ووضع حد “للانتهازيين والوسطاء”. واعتبر الوزير أن الانخراط “الإرادي” للمنتجين والمصنعين الجزائريين في مسعى الوزارة بتخفيض الأسعار خلال شهر رمضان، “يعكس روح المواطنة، التضامن والتعاون والالتزام الحقيقي بتحقيق التنمية المستدامة”.
كما أعلنت وزارة التجارة في نفس الاتجاه، عن الترخيص بممارسة نشاط البيع بالتخفيض والبيع الترويجي داخل المحلات التجارية، خلال شهر رمضان وكذا عيد الفطر لهذه السنة، عبر كافة ولايات البلاد. كما دعت الوزارة الأعوان الاقتصاديين إلى تكثيف ممارسة هذه البيوع التي تتيح لهم فرصة من أجل تفعيل وترقية نشاطاتهم وتقديم خدمات وبيع منتجات بأسعار منخفضة وتنافسية، تسمح للمستهلكين بالاستفادة من أكبر قدر منها خلال هذه المناسبات الدينية. وتسهيلا للإجراءات الإدارية، تقرر إعفاء الأعوان الاقتصاديين وبصفة استثنائية من طلب رخصة لممارسة هذه الأنواع من البيوع، وفقا لبيان الوزارة.
ورغم زيادة الأجور في القطاعات العمومية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم باتت ترهق القدرة الشرائية للجزائريين. وتلتهم الرواتب سنويا نحو 30 مليار دولار من ميزانية الدولة خاصة مع تضخم القطاع العام الذي يوظف وفق الإحصائيات الرسمية 4.1 مليون عامل. وكان الرئيس تبون قد قرر رفع الحد الأدنى المضمون للأجر من 18 ألف إلى 20 ألف دينار منتصف سنة 2020 كما أعلن عن خفض الضريبة على الدخل وإلغائها لمحدودي الأجر قبل سنة، بالإضافة إلى إقرار زيادات جديدة هذه السنة في الأجور.
وتنفق الجزائر نحو 20 مليار دولار سنويا من ميزانيتها على كل أشكال الدعم الموجهة للمواطنين. كما تم مؤخرا إقرار منحة للبطالة قيمتها نحو 120 دولارا. وتتحمل الحكومة فارق الأسعار بالنسبة لمادتي الخبر والحليب، ويتم تسقيف مواد واسعة الاستهلاك مثل الزيت والسكر، بينما يتم تقليص تكاليف الإنتاج الفلاحي عبر دعم الأسمدة وبعض وسائل الإنتاج. وتكرس هذه السياسة وفق الحكومة “الطابع الاجتماعي للدولة”، في وقت تنتقد أحزاب في المعارضة عدم فعالية الدعم ووصوله لمستحقيه وتطالب بإعادة النظر في السياسة الاجتماعية المنتهجة، وفق مقاربة اقتصادية لا تقوم على إعادة توزيع الريع.