زيارة غانتس لواشنطن نبهت الإدارة الديمقراطية الأمريكية لحقيقة مقلقة (من ناحيتها): الفوارق العملية بين نهج نتنياهو لمواصلة القتال ضد حماس وحزب الله ونهج غانتس هامشية جداً، فالمفهوم الذي كرره الرئيس بايدن في معظم خطاباته والذي دعا بيبي لتسليم إرادته السياسية إلى “الأكثر تطرفاً” في حكومته – المقصود بن غفير وسموتريتش – وأصبح عبداً مطيعاً لهما، لا يعكس الواقع الإسرائيلي المعقد، كما فهموا هناك. فحكومة برئاسة غانتس وبمشاركة القائمة الرسمية، و”إسرائيل بيتنا” و”يوجد مستقبل”، ما كانت -كما أخذت عنه واشنطن الانطباع- لتعمل بشكل يختلف عن حكومة نتنياهو؛ فما كان ليكون قتلى أقل من غير المشاركين في قطاع غزة، وما كان ليكون دخول مكثف أكثر للمساعدات الإنسانية، بل ربما كانت المساعدات أقل. كما تبين للأمريكيين بأن نهج غانتس ولبيد وليبرمان في التسوية المرغوب فيها بقطاع غزة في “اليوم التالي” ليست بعيدة عن تسوية نتنياهو: لا للسلطة الفلسطينية كما هي، نعم لمحافل فلسطينية معتدلة أخرى، داخل السلطة أيضاً، في ظل وجود “سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة” في المكان.
من عموم هذه المحادثات واللقاءات، بلور مستشارو الرئيس بايدن خطه الجديد لحرب “السيوف الحديدية” ولما يجري في غزة في فترة انتخابات الرئاسة. ويتلخص ذلك بقول واحد: بيبي إلى البيت. يقول مصدر أمريكي: “عندما يقول رئيسنا إن نتنياهو يضر بإسرائيل أكثر مما ينفعها، فهو يقصد أنه: لو كان غانتس في رئاسة حكومة إسرائيل، لقبل العالم الغربي والناخب الأمريكي السياسة إياها تجاه غزة التي يتخذونها الآن، ولكن بتفهم”. ويضيف: “بيبي هدف مريح لكل منتقدي إسرائيل: يحمل وصمة سلبية، وهو علم أحمر لليسار وللوسط الليبرالي أيضاً”. من المسلم به أن نتنياهو ليس هتلر ولا ستالين أو ماو، وليس بوتين واردوغان التركي، ولكنه أصبح رمز الشر في المنطقة، كأنه وحده المذنب بسبب الضحايا المدنيين الكثيرين في قطاع غزة، وكأن أوامر “تسطيح” هذا الحي أو ذاك خرجت على لسانه، وإن لم تصدر قط أوامر كهذه عملياً.
نتنياهو لا يقول، على طريقة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، “الدولة هي أنا”، بل يقول “أنا الدولة”، وهكذا يطبع كل مزاياه الشخصية على إسرائيل كدولة. محلل بريطاني متماه مع إسرائيل يقول: “تشخيص بيبي مع إسرائيل يمنعكم من تحقيق أهدافكم في ميدان المعركة أيضاً، إلى جانب الميدان السياسي”. انصرافه من رئاسة الوزراء في ضوء فهم جديد لدى الإدارة الأمريكية وفي أعقابها الغربية كلها، أصبح شرطاً ضرورياً – وإن كان غير كاف – لانتصار إسرائيل في المعركة ضد حماس وحزب الله. خبراء وسياسيون في واشنطن ولندن وبرلين يفهمون بأن “حل الدولتين” في الواقع الحالي ليس أكثر بكثير من ضريبة كلامية. فلا يوجد في الأفق زعيم فلسطيني ذو قامة يكون مستعداً لتبني الصيغة الكاملة للحل آنف الذكر، أي “دولتين للشعبين”، دولة يهودية لليهود ودولة فلسطينية للفلسطينيين، كنقطة بدء للمفاوضات على الحدود والقدس والأمن. لكن شعار “دولتين” استعمالي لتهدئة النقد المتعاظم على إسرائيل، والذي هو في واقع الأمر نقد على نتنياهو. تصنيف المصداقية الصفري لبيبي [نتنياهو] أصبح هو تصنيف إسرائيل كلها. ما دام هو الدولة، فالدولة في مشكلة.
نتنياهو نفسه لا يزال واثقاً بأنه ذخر أثمن من الذهب لإسرائيل وسكانها وللشعب اليهودي. هو مخطئ: فقد أصبح علامة تجارية سيئة. الضرر من ترؤسه رئاسة الوزراء بات أعلى بأضعاف من المنفعة التي يمكن لإسرائيل أن تستمدها من ذلك.
يا سيد نتنياهو، رجاء، استمع جيداً لحكمة الشعب الروسية الشهيرة: عندما يقول عنك كل المحيطين بك إنك سكران، فاذهب إلى البيت لتنام حتى لو كنت مقتنعاً بأنك لم تلمس الكحول. اذهب إلى البيت الآن، يا بيبي، من أجل دولتك وكي تنقذ الأمور الطيبة التي فعلتها في ولاياتك وزيراً للمالية ورئيس وزراء.
سيفر بلوتسكر
يديعوت أحرونوت