القاهرة ـ «القدس العربي»: شعور بالخذلان وتأنيب الضمير ليس بوسع صائم في ديار العرب والمسلمين أن يتجاوزه، وهو جالس يترقب لحظة الإفطار محاطا بأطايب الطعام والشراب، فيما موائد مليوني غزاوي تخلو حتى من الخبز، ومن المؤسف أن المأساة الغزاوية التي تركت ظلالها على شعوب العالم، لم تجد لها صدى في بلاد العرب مع قدوم شهر الرحمة، إذ تواصل الاحتفاء ببرامج الطهي والمنوعات، ما دفع كارم يحيى نائب رئيس “الأهرام” لأن يعرب عن أسفه معترفا: تصفحت عناوين مسلسلات رمضان المصرية المعلن عنها في برامج التلفزيونات. وأدركت أنها خالية من فلسطين وقضيتها ومقاومتها وبطولاتها، أو ما يفيد بالتفاتة لمعاناة الجوع والتجويع الواقع على أهل غزة، وأيضا مصر. طبعاهذا متوقع وغير مستغرب، إذا ما علمنا ما هي الجهات المنتجة والممولة والمسوقة لهذا الإنتاج الدرامي وبالأصل المالكة للقنوات التلفزيونية الفضائية، سواء أكان مقرها داخل مصر أو خارجها؟ ومن يملك ويدير الشركة المحتكرة إياها صاحبة العشرين مسلسلا لرمضان هذا العام؟ بينما أدان فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، بأشد العبارات، الهجوم الإرهابي الذي استهدف دير القديس مارمرقس الرسول والقديس الأنبا صموئيل التابع للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ومقره في جوهانسبرغ في جنوب افريقيا، وأسفر عن مقتل ثلاثة رهبان في الكنيسة. وأكد شيخ الأزهر أن الاعتداء على النفس الآمنة في دُور العبادة، عملٌ إرهابيٌّ بغيض، وأن الشرائع بقيمها الداعية للسلام والمحبة لا يمكن أن تكون أبدا مبررا للقتل والإرهاب. وتقدَّم شيخ الأزهر بخالص العزاء وصادق المواساة لقداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ولأسر الضحايا، مطالبا بسرعة ضبط الجناة وتقديمهم للعدالة.. وخيم الحزن على الشارع القبطي وتقدَّمُ الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، بخالصِ العزاءِ للبابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازةِ المرقسيةِ، في استشهاد ثلاثة رهبان. وقال إننا نصلِّي أن يمنحَ الربُّ العزاءَ لأسر الرهبان ولشعب الكنيسة المصرية. وقد أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تعرض ثلاثة من الرهبان اليوم لاعتداء إجرامي في دير القديس مار مرقس الرسول والقديس الأنبا صموئيل المعترف في جوهانسبرغ في جنوب افريقيا، وأسفر الحادث عن استشهاد الرهبان الثلاثة، وهم الراهب القمص تكلا الصموئيلي وكيل إيبارشية جنوب افريقيا، والراهب يسطس آڤا ماركوس، والراهب مينا آڤا ماركوس.
لعيون العدو
إحساسك وأنت تتابع تنافس عواصم عربية حول فكرة الإفراج عن أسرى الكيان الصهيوني يشعرك حسب عصام كامل رئيس تحرير “فيتو”، بأن الفائز من تلك العواصم سيمُنح كأس الكؤوس، أو أن أحدهم يناضل من أجل الفوز بسلطانية ذلك الذي نافس علي بابا مع الحرامية الأربعين. أتابع بخجل تلك المباراة بين عواصم عربية تتنافس في ما بينها على زعامة فارغة لا معنى لها وتنشر بلا خجل أخبارا للإشادة بدورها في عملية التفاوض من أجل الإفراج عن أسرى الكيان المحتل، وكأنها بالفعل فازت بالرضا الأمريكي والدعم الصهيوني، وهما جائزتان رفيعتا المستوى والمعنى. والمعنى أن تلك العواصم العربية لا بد لها وهي تطرح رؤيتها أن تذكر في البدء حكاية الإفراج عن الأسرى ثم تزيلها بوقف العدوان على أهل غزة العزل، أي أنها تقدم لنفسها أولا لدى الكيان الصهيوني، ثم تضيف عبارة من أجل ستر العورة حول وقف العدوان. وبلغ الخجل ذروته أثناء متابعتى لقول أحدهم إن حماس من خارج الإجماع الفلسطيني، وإنه يجب محاسبة من مولها وسلحها ودفعها دفعا لتكون قادرة على مواجهة الاحتلال، والسعي حثيثا لضرر وقع على إخوتنا من يهود هذا العصر.. عصر الاحتلال والقتل والتدمير وإعادة ملحمة وأد الأطفال. ليس هذا فحسب، فالعواصم العربية المتنافسة من أجل الإفراج عن أسرى الكيان المحتل، تزيل تصريحات مسؤوليها بضرورة وقف إطلاق النار الفوري، وقصة الفوري هذه أصبحت فعلا فاضحا على الهواء مباشرة، حيث اخترعها الأمريكيون وسار من ورائها العرب والعجم، دون تحديد لمعنى الفوري. وفوري هذه في قاموس المعاني الجامع اسم منسوب إلى فور ويعني عاجل، دون تأخير أو رد فعل فوري، ومنها فكرة الترجمة الفورية، أي التي تتم أثناء الكلام، ولو كان معناها كما يفهمه عرب اليوم واخترعه عجم العصر فإن المتحدث سيتحدث وينتظر الترجمة التي قد تأتيه خلال أشهر خمسة أو ستة أو سبعة، بناء على التفسير الصهيوني الواقعي الحاصل على الملأ في عدوان غزة. ويؤسرك حديث العواصم العربية التي تتحدث عن الفور بمعناها الجديد أكثر فأكثر، فيقول أحدهم إننا نرفض التهجير قسريا أو طوعيا، ولكننا سنتعامل مع الأمر الواقع إذا جرت وقائع التهجير التي تخطط لها دولة الاحتلال، وهذا له معنى واحد.. نحن نرفض ولكن لا مانع لدينا.. فعلا كل هذه العواصم تتنافس على فعل فاضح في التاريخ العام.
ليس بالدعاء وحده
تصور البعض مع قدوم شهر رمضان المبارك، أن الدعاء وحده سيكفي لنصرة الشعب الفلسطيني، صحيح أن التضامن بالدعاء موقف ديني وأخلاقي لا اعتراض عليه، بل وفق ما يرى عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” محبب بشرط ألا يكون حجة لعدم «الأخذ بالأسباب» ونقل الجانب الإيماني إلى فعل في الواقع، إنما الاكتفاء به دون القدرة على تقديم شيء يذكر على الأرض لن يفيد. ورغم التعاطف الكبير الذي أبداه الشارع العربي مع القضية الفلسطينية، ورغم الإدانة الواسعة لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن هذا التعاطف ظل في معظمه غير مؤثر مكتفيا بالشعارات والدعاء، ودون أن يترجم إلى عمل شعبي منظم لدعم الشعب الفلسطيني، وظلت المغرب استثناء في العالم العربي، حيث تفوقت جماهيرها في الحشد والتعبئة لصالح القضية الفلسطينية عن مظاهرات معظم دول العالم. وقد بدا الأمر لافتا حين استمعنا لتصريحات رئيس جمهورية البرازيل حين وصف الجرائم الإسرائيلية في غزة بأنها تشبه جرائم هتلر والنازية، واستخدم الرجل مفردات قوية في إدانة العدوان الإسرائيلي، وجاء موقف جنوب افريقيا التي ذهبت لمحكمة العدل الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة، وهو دعم فعلي في أرض الواقع، وليس بالشعارات أو الدعاء. لقد كشفت غزة محدودية القدرات العربية المدنية والشعبية والسياسية، والفارق بين التعاطف الفطري مع الشعب الفلسطيني والقدرة على التأثير والأمثلة في ذلك كثيرة.
اسقطوا القيود
عدد عمرو الشوبكي المزيد من العقبات التي تحول دون الدعم الشعبي للغزاويين: هناك القيود المفروضة على العمل الشعبي والمدني المستقل، بحيث صار الدعاء على إسرائيل في مواقع التواصل الاجتماعى هو الصورة الأبرز لدعم الشعب الفلسطيني، وغابت التظاهرات الشعبية ومعها التواصل المطلوب مع التحركات العالمية الداعمة للشعب الفلسطيني سواء على المستوى الشعبي من خلال قادة الحركات السياسية الداعمة للحقوق الفلسطينية أو على المستوى الرسمي، من خلال الغالبية العظمى من الزعماء غير الغربيين المنتخبين ديمقراطيا من البرازيل إلى تشيلي إلى جنوب افريقيا والذين دعموا بشكل فاضح الحقوق الفلسطينية. وقد استخدم قادة هذه الدول لغة مدنية وقانونية قوية صارمة ضد إسرائيل وأدانوها في كل المحافل الدولية وأمام الرأي العام الداخلي، رغم الهجمات والضغوط الإسرائيلية، فيكفي قيام جنوب افريقيا برفع قضية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، تتهمها بارتكاب جرائم إبادة جماعية، ولم تخش من همجية رد الفعل الإسرائيلي الذي كثيرا ما حرّض المجتمع والمؤسسات الدولية على أي دولة تعارض سياستها. إن ردع إسرائيل وإيقاف جرائمها لن يتحقق إلا في لحظة تستطيع فيها الضغوط الشعبية أن تؤثر في معادلات الحكم والسياسية، وهو أمر لم يحدث بعد، أما الاكتفاء بالدعاء عليها في المساجد وصلاة التراويح، سيريح من يقوم به ولكنه لن يغير مأساة أهل غزة، ولن يدعم بشكل فعلي الحقوق الفلسطينية، فالمطلوب تحويل طاقة الإيمان في الشهر الفضيل إلى فعل شعبي ودعم سياسي وقانوني ومادي يقدم للشعب الفلسطيني.
أعانهم الله
استقبل أهالى غزة شهر رمضان بصوم سابق بشهور على حلول الشهر الكريم، صوم الوصال الإجبارى المستمر منذ أكثر من 5 أشهر، وفقا لحسين القاضي في “الوطن”، فرضته الحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة، استقبلوا رمضان على أصوات الطائرات والمدفعية والقنابل، وفي تصريح لإحدى الصحف قالت خديجة حمادة، وهي من شمال غزة: «نحن صائمون منذ أشهر، لا يوجد أكل ولا سحور، لقد اشترينا كيلوغراما واحدا من التمر بما يعادل نحو 16 دولارا، كى نتسحّر به، أولادنا لا يستطيعون الصيام، لأنهم أصلا متعبون من الجوع، لا يوجد عندنا أرز ولا عدس ولا مكرونة، يوجد الجوع فقط، ولا نعرف كيف سنقضي شهر رمضان»، إنه تعبير عن الحالة التي يعيشها أهل غزة وسط صمت العالم والهيئات الأممية. ومن المؤسف أنه وسط الأوضاع المتردية والمجاعة والأمراض تلاشت الآمال في التوصّل إلى هدنة أثناء شهر رمضان المعظم، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي بأن وقف إطلاق النار في رمضان يبدو صعبا. لقد حذّرت منظمات إغاثية وأممية من تعرض نحو 800 ألف نسمة للمجاعة من سكان قطاع غزة، ووفقا لوزارة الصحة في غزة، فإن 25 فلسطينيا، غالبيتهم من الأطفال والرضع، وبينهم شابة ومسنان، ماتوا بسبب سوء التغذية والجفاف، وقالت منظمة الصحة العالمية: «إن الأطفال يموتون جوعا في شمال غزة»، والموت جوعا يمثل عارا في جبين الإنسانية وجبين إسرائيل وجبين كل الدول الداعمة لهذه الحرب.
القائمة تطول
لم يكن الموت جوعا حالة فردية، بل وفق ما أخبرنا به حسين القاضي حالة مكرّرة، فها هي رضيعة عمرها شهران توفيت في مستشفى كمال عدوان، بسبب سوء التغذية، ونقص الرعاية الصحية، وها هي شابة فلسطينية توفيت بسبب الجفاف وسوء التغذية في المستشفى نفسه، وأعلنت وزارة الصحة في غزة استشهاد 3 أطفال في مجمع الشفاء الطبي، نتيجة سوء التغذية والجفاف. إنها أرقام مفجعة ومذهلة 37960 شهيدا ومفقودا، بينهم 13500 شهيد من الأطفال، و133 شهيدا من الصحافيين، و364 شهيدا من الطواقم الصحية، و2721 مجزرة، و7000 مفقود، و700000 مصاب بالأمراض المعدية، و2 مليون نازح، و405 مدارس وجامعات دمرها الاحتلال، و85 مستشفى ومركزا خارج الخدمة، و10000 مريض بالسرطان، و17000 طفل يعيشون من دون والديهم أو أحدهما، ومصدر هذه الأرقام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، وكل رقم فيه رسالة تدعو العالم كله إلى التحرك لوقف القتل وإنهاء الحرب.أمريكا التي وقفت مرارا ضد قرارات وقف القتل والإبادة، قرّرت إنشاء رصيف بحري مؤقت أمام سواحل غزة، لإيصال المساعدات إلى غزة من البحر، وهذا الرصيف سيستغرق عدة أسابيع قد تصل إلى نحو 60 يوما، حتى إتمامه، وهي مدة كبيرة، تكون إسرائيل قد قضت على ما تبقى من أهل غزة، وسط عدم تأثير حقيقي للصواريخ التي تطلقها حماس على إسرائيل، وصار المواطن الفلسطيني ينتظر الفرج المقبل من خارج فلسطين. المساعدات سيتم جمعها في مدينة لارنكا في قبرص، وهناك يقوم الإسرائيليون بفحصها قبل التوجّه بها إلى الجسر البحري، وهناك مخاوف من أن هذا الجسر ظاهرُه تقديم المساعدات، وحقيقته تنفيذ مخطط التهجير، بعد أن وقفت مصر بكل قوة أمام التهجير، واعتبرته خطا أحمر، فالتفتت أمريكا وإسرائيل إلى التهجير بطريقة أخرى، لتصفية القضية الفلسطينية. دار الإفتاء المصرية أجازت إخراج زكاة المال وصدقة الفطر لإغاثة أهل فلسطين، بالغذاء والدواء والكفالة التامة، لما يحقّق لهم الحياة الكريمة في شؤونهم كلِّها، وأطلق الأزهر حملة «أغيثوا غزة» لدعم أهل غزة وفلسطين.
بالقرب من الهاوية
أكد الدكتور جودة عبد الخالق وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، قال في “الأهالي”: إن الحكومة تكرر الأخطاء نفسها من خلال التعمد في السير وراء صندوق النقد الدولي، مشيرا إلى أن الحكومة تكرر تجربة 2016 من تعويم للجنيه ورفع أسعار الفائدة، وكان من نتيجة الاتفاق فقد الجنيه أكثر من 50% من قيمته وارتفاع التضخم، ودفع الشعب ثمنا غاليا لهذا البرنامج، ولم يؤد إلى زيادة الصادرات أو تقليص الواردات كما ادعت الحكومة عند تطبيق البرنامج. كان هناك توافق على اتباع سعر صرف مرن، وليس تعويما، وتغيير نظام سعر الصرف الحالي بربط الجنيه بسلة عملات وليس الدولار فقط، مشيرا إلى أن سعر الصرف الحالي يتخذ من الدولار مرجعية، رغم أن أمريكا ليس الشريك الاقتصادي الأكبر لمصر. وبالتالي الحسبة الاقتصادية لسعر الصرف خاطئة. وأضاف أن التعويم يؤدي إلى انخفاض قيمة الأصول المصرية، مشيرا إلى أن الأسعار ارتفعت بمعدلات أسرع من معدلات زيادة الدخول، خاصة دخول الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهذا يعني إعادة توزيع الدخل من الفقراء إلى الأغنياء من المصريين والأجانب. ووصف رفع سعر الفائدة 600 نقطة أساس، ومن قبلها بشهر رفع البنك المركزي سعر الفائدة 200 نقطة أساس، بأنه زلزال ضرب السوق، قائلا: «سعر الإقراض من البنوك لا يقل الآن عن 35% بعد إضافة الرسوم الإدارية.. وهو سعر يقتل أي استثمار حقيقي، ويدمر البنية الكلية للاستثمار»، وأضاف أن هذا القرار يشجع الائتمان الاستهلاكي ويزيد من استثمار البنوك في أدوات الدين، كما يشجع الأموال الساخنة للاستثمار في مصر.
الأخطاء نفسها
انتهى الدكتور جودة عبد الخالق إلى أن الحكومة تكرر الأخطاء نفسها، مشيرا إلى أن دخول وخروج دون وضع ضوابط لها يضغط على العملة المحلية، مؤكدا أن وضع هذه الضوابط ليس بدعة، فهناك العديد من الدول التي تضع ضوابط للأموال الساخنة. وأشار إلى أن الأسعار شهدت ارتفاعا كبيرا في أعقاب التعويم، مشيرا إلى أن الحزمة الاجتماعية التي أطلقتها الدولة كإجراء استباقي بتكلفة 180 مليار جنيه تآكلت، مؤكدا أنه عندما تنخفض القوة الشرائية للأفراد، وبالتالي الإنفاق اللازم لدوران عجلة الاقتصاد يحدث أثر انكماشي على الإنتاج والدورة الاقتصادية. وحول اهتمام الدولة بجذب الاستثمار الأجنبي، قال جودة إن الاستثمار الأجنبي المباشر يبحث عن الربح السريع، ويتركز في قطاعات البترول والغاز والعقارات، وهي أنشطة ربيعية وليست إنتاجية. وقال إن العقلية التي تدير الاقتصاد عقلية عقيمة، كل ما تفكر فيه هو بيع الأصول، وهو سلوك قاصر، ونحتاج إلى تغيير العقلية من البحث عن الريع إلى خلق القيمة من خلال كيانات إنتاجية تنتج سلعا وخدمات، بحيث تكون دورة اقتصادية نستطيع من خلالها الاستغناء عن بعض الواردات وزيادة الصادرات. وقال جودة أن الصورة قاتمة اقتصاديا، فبدلا من العمل على تخفيض الدين العام اتجهت الحكومة لزيادة الدين الخارجي بنحو 20 مليار دولار عبر زيادة قرض الصندوق من 3 إلى 9.2 مليا دولار، والحصول على قروض أخرى من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، وأضاف أن القرارات الأخيرة ستؤدي إلى زيادة الخلل في الموازنة العامة للدولة نتيجة زيادة فوائد وأقساط الدين وارتفاع أسعار السلع الأساسية والبترول نتيجة التعويم.
خذلان النبلاء
سيناريو إسقاط المساعدات جوا لجوعى قطاع غزة أمر يصفه فوزي مخيمر في “الوفد”، مخزٍ وعار على المجتمع الدولي، وإذلال لأمريكا وللإرادة الدولية المنحازة لإسرائيل، وفشل ذريع وتخاذل أمريكي في الضغط على المحتل وانتصار لجبروت إسرائيل… يصرخ الكاتب حسرة على ما آلت إليه محنة الأشقاء الذين لا يكترث لحالهم العالم وفي القلب منهم شركاء اللغة والدين: وأسفاه بإن بايدن يتذلل لنتنياهو لبذل مزيد من الجهود لإيصال المساعدات لغزة.. أي جهد يبذله المجرم سوى الإبادة الجماعية على مرأى ومسمع من العالم؟ بتذلل يقول الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه يتعين على بنيامين نتنياهو السماح بدخول مزيد من المساعدات إلى غزة، وكلف وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بإقامة رصيف بحري مؤقت على سواحل غزة لتسريع إيصال المساعدات ويستغرق التخطيط له وتنفيذه «عدة أسابيع». وأضاف أن الولايات المتحدة تهدف في نهاية المطاف لتقديم مليوني وجبة إلى مواطني غزة يوميا.. أليس الأجدى أن توقف أسلحة القتل والدمار والإبادة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل من وجباتك هذه؟ وجاء الرد على الاستخفاف الأمريكي من خبير بالأمم المتحدة: سياسة أمريكا تقديم المساعدات لغزة والسلاح لإسرائيل شيء مخجل، وأن الجهود الأمريكية لتعزيز وصول المساعدات الإنسانية لغزة ومنها، خطة إنشاء ميناء مؤقت وإنزال المساعدات جوا واصفا تلك الجهود بأنها أساليب (عبثية) ومثيرة للسخرية، طالما استمرت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
آلاعيب بايدن
استشهد فوزي مخيمر بالمزيد من الشهادات التي تكشف زيف المسرحية الهزلية التي أقدمت عليها الإدارة الأمريكية: قال مايكل فخري المقرر الأممي المعني بالحق في الغذاء، للصحافيين في جنيف، إن عمليات الإنزال الجوي على وجه الخصوص «لن تفعل شيئا يذكر للتخفيف من سوء التغذية الناجم عن الجوع، ولن تفعل شيئا لإبطاء المجاعة، وإن الوقت الذي تلجأ فيه الدول لعمليات الإنزال الجوي، وهذه الأرصفة البحرية، عادة إن لم يكن دائما، عندما تريد إيصال المساعدات الإنسانية إلى الجنود الإسرائيليين. منذ شهور يصر بايدن على خداع المجتمع الأمريكي الثائر ضده والمجتمع الدولي بتكرار مقولته إنه يواصل العمل من أجل وقف فوري لإطلاق النار في غزة يستمر 6 أسابيع، وأخيرا وفي مواجهة ضغط دولي عارم ومناهض لسياساته، حذر إسرائيل من أنه لا يمكنها أن تستخدم المساعدات (ورقة مساومة).. حماس تؤكد أن (لا تنازل) عن مطالبها لإرساء هدنة في غزة، وهذا حقها بعد صمودها الأسطوري ضد آلة الحرب البشعة، والإبادة الجماعية، التي تعرض لها أهل غزة، وطبقا لبيان الحركة فإن الأولوية القصوى لإنجاز تبادل الأسرى هي الالتزام التام بوقف العدوان وانسحاب العدو ولا تنازل عن ذلك. بينما يلقي بلينكن اليهودي اللوم على حماس قائلا: الكرة الآن في ملعب حماس في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، وكأن حماس هي التي تبيد إسرائيل، ما هذا العمى الحيثي يا بلينكن؟ بالتأكيد وصلتك تصريحات المفوض العام للأمم المتحدة عن خطة إنشاء ميناء مؤقت وإنزال المساعدات جوا، واصفا تلك الجهود بأنها أساليب (عبثية) ومثيرة للسخرية طالما استمرت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
ليست كأي حرب
حارب المسلمون كثيرا في شهر رمضان المبارك، لكن ما يجري في قطاع غزة ليست حربا من ناحية التكافؤ المنعدم أو فرص الصمود، فشعب كما أخبرنا محمد الشاذلي في “الأهرام” أعزل لا يمكنه مواجهة قوة غاشمة في حرب مفتوحة، فضلا عن عدم أخلاقيتها ومخاصمتها قوانين الحرب، ورغم الفجوة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في التسليح والأفراد والآلة الإعلامية والاستقطاب الدولي، فإن إسرائيل لم تكن لتمضي أبعد مدمرة البشر والحجر، مستغنية عن رغبتها في حياة طبيعية مع جيرانها، لولا الدعم الأمريكي الكاسح وغير المشروط. والتوصل إلى هدنة في غزة في شهر رمضان ينتظرها سكان القطاع، ويأمل معها في الغوث، يجب أن لا تغطي على حقائق عدة قدمتها الحرب، في مقدمتها أن إسرائيل لا تكترث ولا تقدم تنازلات، ولم تعد تشغلها المبادئ القديمة التي شكلت افتتاحية مقبولة لمبادرات السلام، مثل “الأرض مقابل السلام”، لأنها باتت أقرب إلى فرض مفهومها للسلام، وهو يتمحور حول السلام مقابل السلام، أو السلام مقابل العيش المذل. لم تكن إسرائيل بترسانتها الضخمة في حاجة إلى جسر أمريكي بأوامر تنفيذية من الإدارة، رصد محتوياته تقرير أخير لصحيفة “واشنطن بوست”، أكثر من مئة صفقة مبيعات سلاح، تم تسليمها بالكامل منذ بدء الحرب، ومساعدات مالية فورية بموافقة مجلس النواب تجاوزت 14 مليار دولار، وحاملتي طائرات إلى البحر المتوسط، وأرسلت بريطانيا سفينتين وطائرات استطلاع، وإلى آخر ما نعرفه من وسائل النجدة التي تدفقت ورسائل الدعم السياسي التي تعددت. إنهما طرفا حرب، إسرائيل وحماس، ولكن هناك الطرف الإسرائيلي وتغدق عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأقوياء في العالم، والطرف الآخر فإن أقصى ما يتلقاه زجاجة ماء وقطعة خبز وعلبة دواء تحت القصف لمن استطاع إليه سبيلا.
الفاتورة فادحة
على مستوى المقاومة فإنها وجهت لطمة وضربة كبيرة لإسرائيل وسمعتها وجيشها في عملية «طوفان الأقصى» يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول ونجحت المقاومة في قتل وإصابة وأسر آلاف الإسرائيليين، لكن العدوان الإسرائيلي حسب عماد الدين حسين في “الشروق” تمكن حتى الآن من قتل أكثر من 31 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 72 ألفا، أكثر من ثلثيهم من النساء والأطفال، وآلاف المفقودين، وهو ما يعنى أنه قتل 5% من مجمل سكان غزة ودمر أكثر من نصف مساكن القطاع، وكذلك المؤسسات والهيئات والبنية التحتية، وتحويل أكثر من ثلثي سكان القطاع إلى نازحين لا أقصد من المقارنة إحباط الروح المعنوية للمقاومة، بل أؤمن بأن أي حركة مقاومة تدفع ثمنا باهظا من الخسائر في الأرواح والممتلكات حتى تنال حريتها، لكن ما أقصده أن معظمنا من دون أن يقصد يقدم أعذارا وتبريرات لجيش العدوان، حينما يصور المقاومة وهي مجموعة من التنظيمات غير الرسمية، ولا تملك أي سلاح طيران أو دفاع جوي باعتبارها ندا للجيش الإسرائيلي، وبالتالي فإن هؤلاء يقولون لكل المتابعين من الخارج أن هناك معركة متكافئة بين الطرفين. لا يدرك معظمنا أن الهدف الجوهري لنتنياهو وحكومته ومعظم المجتمع الإسرائيلي هو تدمير قطاع غزة، بحيث يتحول إلى مكان غير قابل للعيش، وبالتالي تحقيق الهدف النهائي لإسرائيل وهو تصفية القضية الفلسطينية وإجبار سكان غزة على مغادرة القطاع إلى سيناء أو إلى أي مكان في العالم وسكان الضفة إلى الأردن، في مرحلة تالية قد لا تكون بعيدة. لن تتضرر إسرائيل كثيرا إذا قتل كل أسراها لدى حماس، فهي طبقت منذ البداية «مبدأ هانيبال» الذي يقضي بأن وجود أسرى لدى العدو لن يحول دون تحقيق الجيش الإسرائيلي لأهدافه. أيضا لن تخسر إسرائيل كثيرا إذا ظلت حماس باقية، لكن مع قطاع غزة مدمر ويستحيل العيش فيه.
سياسة عبثية
هذه السياسة العبثية التي يصفها الدكتور محمد نعمان بالعبثية وصلت بنا إلى ما نحن فيه اليوم وأوقعتنا تحت رحمة صندوق النقد الدولي كي يطبق علينا برنامجه الذي لم يتغير منذ عام 1955 وأهم ما فيه تخفيض قيمة العملة الوطنية، أو تحريرها بالكامل وهذا ما حققه أخيرا في مصر. أولى ثمار التحرير الكامل للجنية المصري تخفيض قيمته 60% وهذا التخفيض ينسحب على تخفيض العملة في تقييم الضرائب الجمركية أيضا، أي زيادة مفاجئة في قيمة الرسوم الجمركية 60%. في الوقت نفسه يدعو الصندوق إلى السيطرة على التضخم، وكذلك البنك المركزي المصري يؤكد استهداف نسبة 7% للتضخم. كيف يمكن الوصول إلى هذا وقد انخفض الجنية 60% مع ما لهذا التخفيض من مضاعفاته في السوق المصري، إنه العبث، حتى يتحقق التعويم الكامل يشجع صندوق النقد على زيادة سعر الفائد بنسبة 6%، ومنذ شهرين زادت 2% أي خلال عام 2024 زادت الفائدة بنسبة 8% فأصبح سعر فائدة الإقراض للبنك المركزي يدور حول 30%، وسوف يكون أعلى من ذلك بالطبع في البنوك التجارية. في ظل وضع كهذا كيف يتحقق تشجيع القطاع الخاص على الدخول في النشاط الاقتصادي، هل لدى الحكومة أو الصندوق نشاط اقتصادي يدر عائد يصل إلى 45% حتى يدل القطاع الخاص عليه؟ وكيف يستقيم الحد من التضخم مع الارتفاع المتوقع في أسعار السلع أمام هذا الارتفاع الهائل للفائدة؟ هذا أيضا عبث.
غير متوفرة
الجنية المصري الحزين على حد رأي الدكتور محمد نعمان يدفع إلى ساحة التحرير الكامل ويترك تحديد قيمته لقوى السوق، وهو غير مسلح بقاعدة بيانات اقتصادية قوية قادرة على تبرير قيمته السوقية وحمايته من شائعات المضاربين. أي عملة تطرح للتداول الحر لا بد أن تقف خلفها قائمة من المؤشرات الاقتصادية ذات المصداقية، وهي: معدل النمو الربع سنوي للناتج المحلي الإجمالي ـ الأرقام القياسية الشهرية لأسعار الجملة وأسعار المستهلكين- نسبة التضخم الشهري – الرقم القياسي الربع سنوى للإنتاج الصناعي – الرقم القياسي الربع سنوي للإنتاج الزراعي – الرقم القياسي الربع سنوي لأسعار المباني – النسبة الشهرية أو الربع سنوية لمعدل البطالة – الرقم القياسي الشهري لنمو التجارة الداخلية – الرقم القياسي الشهري لنمو التجارة الخارجية – الرصيد الربع سنوي للميزان التجاري- الرصيد الربع سنوي لميزان المدفوعات – المؤشر الربع سنوي لرضاء المستهلكين ـ الانفاق الربع سنوي على الحماية الاجتماعية ـ النسبة السنوية للسكان تحت خط الفقر. بعض هذه المؤشرات متوافر بالفعل في قاعدة البيانات الاقتصادية، ولكن دون الإصدار الدوري المطلوب، وبعضها غائب تماما عن قاعدة البيانات، وفوق كل هذا فقدان أغلب هذه المؤشرات إلى المصداقية. يضاف إلى ما سبق ضرورة الشفافية الكاملة في عرض الصفقات الكبري التي تقوم بها الحكومة بصفتها اللاعب الرئيسي حتى الآن في النشاط الاقتصادي، وكذلك صفقات الاقتراض من السوق المحلي والخارجي ومبررات الاقتراض وكل ما يتعلق به من التزامات مالية. أما القدر الحزين لهذا الجنية الحزين هو عدم شفافية مالية الدولة لدينا ميزانية وزارة المالية، وميزانيات 59 هيئة مستقلة، وأكثر من ثلاثة آلاف ميزانية للصناديق الخاصة، وميزانيات الجهات السيادية. المعروف من كل هذه الميزانيات، ميزانية واحدة فقط هي ميزانية وزارة المالية. معلومات المالية العامة أي بيانات الإنفاق العام تعد أهم رافد لتقييم العملة الوطنية، لأنها أكبر كتلة مالية في الاقتصاد، وبياناتها غير متوفره بالكامل لدى الحكم على الجنية الحزين.
أخطبوط العصر
مع عالم التقنية المعاصرة أصبح الإنسان أسير وسجين كل ما تنتجه الميديا المعاصرة.. ناهيك عن ذلك حسب الدكتور حسن يوسف طه في “الوفد” الشره على استهلاك كل ما ينتج وكل ما يستحدث.. يمكن القول إن هناك ما يسمى (شهوة الاستهلاك) والرغبة العارمة في الاستهلاك والاستحواذ على كل ما يعرض بكل الوسائل التقليدية، أو في الميديا المعاصرة.. هناك (فن الإغواء) وفيه يتم إغواء المتلقي أن يلهث نحو اقتناء المعروض أو استهلاكه أو امتلاكه، وقد يكون المعروض غير مفيد، بل ضارا بصحة الإنسان.. لكن الميديا المعاصرة تتمكن من إلغاء أي تفكير عقلي أو نقدي أو تحليلي تجاه المنتج فمثلا: يتم الإعلان عن نوع من الدواء.. وأنه يعالج كذا وكذا.. وتتم استضافة الأستاذ الدكتور (فكيه فكري الفكهاني) ليقول ويقول ما هي مميزات ذلك الدواء.. وأنه آخر منتج ومجرب في أوروبا.. وأي حديث وأي عته.. وتبحث عن (فكيه فكري الفكهاني) وتخصصه فلا تجده على الإطلاق.. والمنتج يمكن أن يصل إليك في أي مكان.. وما يحدث للمتلقي هو درجة عالية من الاستهواء فيقع تحت تأثير الميديا.. والإعلان وكل ما ينزل في تلك الإعلانات حتى تجعل المتلقي يقع أسيرا بشكل تام لذلك الأمر أو الصنف.. وهكذا، وهو لا يعمل عقله ويستخدم ما يعرف باسم التفكير النقدي أو التحليلي.. بحيث يعيد النظر في كل ما يقال وكل ما يرى.. إنها عقلية أسيرة الصورة والإعلان والإبهار والفهلوة وطرق الدعاية والجذب، كل ذلك يجعل المشاهد في حالة من الاستسلام فنجده يهرع إلى التليفون ويحجز لكي يصله المنتج بأسرع وقت ممكن.
نكبة الديلفري
خدمة توصيل الطلبات والمنتجات إلى المنزل أدت وفق ما حذرنا الدكتور حسن يوسف طه إلى الكسل بشكل أو بآخر، والكل يستسهل أن يتسوق عبر الموبايل حتى تحولت الآن إلى درجة الإدمان والهوس والبحث عن المنتجات المعلن عنها في الموبايل، فكل شيء يمكن أن يصلك إلى باب منزلك، ولا داعي لأن تتعب نفسك، نحن نبحث عن راحتك ورضاكم عنا هو الهدف النهائي.. وكل تلك المقولات لها فعل وجاذبية لدى المتلقي فما أيسر أن تمسك الموبايل وتطلب وتطلب وعليه تدفع وتدفع.. والنتيجة مزيد من الكسل والكسل حتى الخمول. وعندما نتأمل الأمر سنكتشف أننا نشتري الكسل أي أننا ندفع المال من أجل الكسل، وكأن الغاية التي نرغبها هي المزيد من الكسل.. وكل الشبكات وكل الماركات لديها فهم عميق للذات البشرية.. ولذلك هي تعمل على تحريك تلك الرغبة.. الرغبة في الكسل.. الرغبة في الاستحواذ مقابل عدم التعب.. ومقابل ذلك تدفع الثمن. وكل هذا يفسر لك كل تلك الإعلانات المتزايدة بكل الأشكال وفي كل الأوقات.. الهدف الأساسي والأولي والجوهري هو إثارة الرغبة في مشاهدة الإعلانات، لكي تثير في داخل المتلقي شهوة الشراء، بغض النظر عن ما يدفع من مال.. بل إنها تزيد من تلك الرغبة في أنها تغريه بكل الطرق مثل.. إنه من الممكن أن يتم الحجز ثم يدفع مبلغ كذا وتحصل على السلعة.. والباقي في زمن كذا وهكذا…