بثينة العيسى: التحوّل وسرديات التابو

من الصعب إخضاع أيّ مفهوم إلى تحديدات قسرية، وإلى مقاربات تجعل من هذا المفهوم عالقا بأفكار محددة، وبتوصيفات تجعله تائها بين ثنائية «المطابقة والاختلاف» أو ربما مسكونا بتمثلات تداولية ضاغطة، يختلط فيها الطبقي بالجندري، والسياسي بالاجتماعي، والتاريخي باليومي..
يمكن لمفهوم «النسوية» أن يكون من أكثر المفاهيم لبساً وغموضا، ليس لطبيعة مرجعياته الجندرية، كما هو وارد في الدراسات الثقافية، بل لأنه موضوع إشكالي، له تعالقاته وإحالاته إلى ما هو مكبوت في الأنساق الحاكمة، وفي أطروحات المركزيات الكبرى، ومنها السلطة والجماعة والهوية، وهذا ما يجعله محكوما بكثير من «سوء الفهم الدائم» إذ يربط بالأسئلة التي تُثار حوله، وحول المرجعيات الخلافية التى تؤطّر «كتابات» المرأة الأدبية والفكرية، فهل يقتصر هذا المفهوم على ما ينخرط في توصيف الكتابة النسوية، أم النسائية، أم الأنثوية؟ وهل سيكون مجاله محددا بالكتابة التي تمارسها المرأة فقط، أم يمتد ذلك إلى ما يكتبه «الرجل» عن المرأة أيضا؟
هذه الأسئلة وغيرها تظل مفتوحة «عربيا» على قضايا خلافية، إذ لا تتمثل إلى توصيف محدد، وإلى ما ينطوي في الدراسات الثقافية، حيث يكون مفهوم «النسوية» أكثر تداولا، لكنه أكثر قلقا، ومكشوفا على قراءات متعددة، وعبر إجراءات خاضعة إلى فعل الهيمنة، حيث السياسي والأيديولوجي والعصابي يمارسون وظائفهم عبر صناعة مواقف ملفقة، ومزيفة، وعبر تعقيدات من الصعب السيطرة عليها.. هذه التعقيدات ترتبط بما هو عميق بهذا «الفهم» و»السوء» وبهشاشة التقعيد الفلسفي للمفاهيم، على مستوى مرجعياتها، أو على مستوى إجراءتها، ما يجعل أي مقاربة محفوفة بإشكالات ما هو مُلتبس في الواقع، وفي الدرس النقدي، وفي الأطروحات التي يقترحها الوعي الثقافي للنص، وللجندر، وللفكر، ولكلّ القضايا التي تدخل في صناعة «النسق» التي يحكم فاعلية ذلك الوعي، لاسيما في ظل «جغرافيات» لها خصوصية أنثروبولوجية، وطابع صراعي عميق، يُخفي كثيرا من «المقموع والمسكوت عنه» والذي يجعل من صوت المرأة نوعا من «النبرة الخفيضة» وتمثيلا «دونيا» لوعي يعيش شقاوة التعبير عن أسئلته.
دراسة هذه الجغرافيات تتطلب تخصيصا أكثر من التعويم، ومنظورا أكثر إشباعا بالجرأة، والجدّة التي يتطلبها ترسيم حدود ما تكتبه المرأة عن القضايا العامة، وعن القضايا الخاصة، وبما يجعل تلك الكتابة تبدو وكأنها تورية عن المخفي والمقموع، وعن وعي يكبت صخبا في التعاطي مع سرديات التابو، تلك التي تتمثل الكتابة، بوصفها إجراء واعيا عن مآزق اجتماعية ونفسية، وعن ما يتعلّق بأزمة الذات الأنثوية، المحاصرة بالنظام الاجتماعي وأقنعته الجندرية والسياسية والأخلاقية والدينية، وكذلك بالحدود التي تجعل كتابة المرأة نوعا من التصريح الصعب..
اختيار الروائية الكويتية بثينة العيسى كأنموذج للدرس الأنثربولوجي، له ضرورته في تشكيل ملامح لـ»ادبية المرأة» ولخصوصية نصها السردي، الذي يبدو جريئا في الكشف عن هويته، وعن عمقه الإنساني والقيمي، وعن فاعليته الأسلوبية، وفي مقاربة سرديات التابو، بوصفها سرديات تخلط المُتخيّل بالواقع، والتاريخي باليومي، والإنساني بالنقدي، فالعيسى تعي فعل «التحول» بوصفه مجالا للكشف، وإجراء لتمثيل الوظائف، ورصدا لما يجري في الواقع، وتعرية للمكبوتات التي تُعد من نقائض المدينة الحضرية، بوصف أن هذه المدينة بنية جامعة، وأن سردياتها تتمثل تاريخ الجماعات التي تعيش فيها..
تأخذنا الروائية بثينة العيسى إلى مقاربة إشكالية تلك السرديات، ليس بوصفه تجاوزا على الواقع، أو تخيّل ما هو ضده، بل في اتجاه الوعي به، والحفر في «بنيات التفكير» الغائرة فيه كما يسميها دوركهايم، لغرض أن يكون السرد صانعا لتاريخ ما، أو فاضحا لمخفيات تخص ما هو سري في في ذلك التاريخ، وفي النظام الاجتماعي للمدينة، وفي مقاربة هيمناته وقوامعه وإكراهاته النفسية والهوياتية الطاردة. تكتب العيسى ما يكشفه وعيها، بوصفه وعيا بالوجود، فبقدر ما أنها وجدت نفسها بعد صدمة الغزو أمام ضواغط نفسية، دفعتها إلى الخوف، فإنها جعلت من الخوف لحظة وعي فارق وصادم، استغور قلقها الوجودي، فصار الخوف وعيا وليس رعبا، وبهذا أدركت خطورة لعبة السرد كعملية لمواجهة التاريخ والواقع، ومساءلة حادة مع تابوات صنعها الواقع، واستفزها الوعي، فكان سؤال الهوية سؤالا فائق الخطورة، لأنه سؤال يمس الوجود والمكان والزمن والذات والعلاقة مع الآخر، فكانت روايتها «ارتطام.. لم يسمع له دويّ» مكاشفة لقضية إشكالية في المجتمع الكويتي، تخص «الدون» عبر إضاءة جوانبها الثقافية والإنسانية، بعيدا عن اشتراطات القوننة، وسياقات التنظيم الاجتماعي، وبهذا تحول الموضوع الاجتماعي الواقعي إلى حافز للسردنة، ولوضع الخطاب السياسي والقانوني والنفسي أمام احتياجات لحظة الإنسان الفارقة عن وجوده، وعن أزمة علاقته بالمكان والهوية والمعنى..

يتصاعد في هذه الرواية الإغواء السيميائي، بوصفه تمثيلا للمخفي من الصراع العميق بين « الأعلى والأدنى» إذ يحمل البطل الضد اسم «ضاري» وهو تورية نقيضة للضعف، ولفكرة الخذلان الهوياتي، إزاء المرأة/ الحبيبة التي تؤدي وظيفةً كاشفة عبر السفر إلى الخارج، وهي وظيفة «بروبية» تقوم على أداء فعل الكشف عن ما هو عميق في الصراع الاجتماعي، حيث تتناظر عبره ثنائيات المحو والوجود، والفقد والامتلاك، فالسفر من أجل الجائزة التي سافرت من أجلها، يتشظى إلى كشوفات مجاورة، تُحيل إلى أزمات الوجود والهوية، والاسم، والحب، فالحبيب الذي يرفض العودة إلى «البلد» يجعل من هذا الرفض حاملا رمزيا لما يمكن أن يواجهه، ولما يمكن أن يعانيه، فالعزلة/ المنفى في الخارج، تتحول إلى تعويض وإشباع قهريين عن الفقد في الداخل..
وظيفة الحوار تتحوّل هي الأخرى إلى وظيفة كشف، وإلى إشارات تنكشف من خلالها رمزية الفعل اللغوي، بوصفه لعبة كما يسميها فيتغنشتاين، تتشظى برمزيتها إلى ارتطامات أخرى، تتبدّى مظاهرها في المدرسة وفي الشارع وفي العمل، والسفر، وأخيرا في العلاقة مع الآخر/ الأستاذ/ المجتمع..

الرواية وسردنة الجسد

في رواية «سعار» تكشف الروائية العيسى عن التحولات النفسية في مصائر جيل ما بعد غزو بلدها، أي جيل المدينة الجديدة، وعن علاقته بالآخر، إذ تبدو عتبة «سعار» مدخلا لفضح هذه العلاقة، عبر الاستحواذ الثقافي، وعبر تحويل رمزية الكاتب الكبير إلى قوة أو سلطة لا تملك سوى الترويج لخطاب الاستحواذ، بما فيه الاستحواذ على الجسد..
تحضر سردية الجسد بوصفها ثيمة بنائية مركّبة، أو شيفرة لفضح سلطة الآخر/ العراب، الذي يجعل من فكرة «الهيمنة» للإيهام بالاستحواذ على الجسد، وهي ثيمة نفسية تتنامى مع هواجس هذا العراب/ الكاتب الكبير/ صديق الأب، وكأنه بهذه التوصيفات يصطنع له وجودا متعاليا، واستحواذيا يخرق به تابو سلطة الأب، ليحضر الجنس بوصفه فعلا لاوعيا، يتقوّض أمامه حلم «البطلة» المهووسة بالتمرد، حيث تتبدى سردية التابو، عبر تعرية ما يتعرّض له الجسد، بوصفه جسدا سيميائيا، يصطنع عبر سعار اختراقه، وجودا يتحوّل فيه الخرق الجنسي إلى نظيرٍ للخرق الواقعي الذي أحدثه غزو جسد الأرض/ البلاد..
وفي رواية «حارس سطح العالم» تبدو سردية التحول وعيا بالمفارقة، ومواجهة فارقة مع سلطةٍ ما، اجتماعية أو سياسية، أو عرفية دينية تضع الشخصية وسط عالم ديستوبي ضاغط وإكراهي، فلا تملك البطلة/ الكاتبة سوى سلطة وعيها النافر والمتمرد، ليكون أكثر شغفا بالتحدي والتجاوز، ومواجهة الواقع، وحتى التحول الذي يساكن وعيها، يبدو في هذا السياق أكثر تورية للمضمر في هذا التمرد، ولسردنة فكرة سلطة الرقيب، بوصفه رمزا لسلطةٍ تملك سطوة الهيمنة والتأويل، وبوصفه شخصية يجعلها التحوّل أكثر عدوانية وعنفا، وأكثر بحثا عن التعويض.. العالم الغرائبي لشخصية الرقيب يكشف عن أزمة «العقل الهيمناتي» العربي، فبقدر أزمته القديمة مع الكتب الممنوعة والمُهرّبة سابقا، تحضر هنا أزمته مع ابنته المصابة بمرض «فرط التخيل» بما يجعل موت الابنة نظيرا لموت الكتاب عبر منعه، وهذا ما يجعل العلاقة بين الشخصية الكاتبة والشخصية المتحولة إلى الرقابة علاقة وجود مأزوم لا يمارس فيه حارس الكتب، أو مهرّبها القديم، سوى وظيفة حبس العالم الذي يعرف كثيرا من أسراره..
وفي رواية «كبرت ونسيت أن أنسى» تجعل العيسى من ثيمة التحول الاجتماعي مجالا للتحول في النظر إلى مفهوم السلطة، فموت الأب والأم في حادث سيارة يضع الشخصية إزاء الفقد الذي يجعل التحول مشوّها، فالأخ «صقر» المؤدلج والمتشدد دينيا يتحول إلى سلطة قامعة، تقوم بالرقابة والتفتيش، وصولا إلى الدفع في اتجاه التحول في المكان، فالبيت الأبوي الحميم يتحول إلى ديستوبيا من خلال السرداب، حيث يكون وجودها هامشيا وعاطلا عن الانتماء، مثلما يتحول الألم والإحساس بالفقد إلى حافز نفسي عميق للاعتراف، ولسردنة الوقائع التي تفضحها خلال مجريات الرواية، حيث الرهاب الرمزي للسلطة المتحولة والعقابية والقامعة للآخر، عبر صورة الأخ بدلالته الرمزية والإحالية، وبما يجعل فكرة الحارس الأخلاقي/ حارس الشرف هو نظير لحارس الكتب..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية