الاحتلال يلاحق قاطفي «العكوب» بسياسة «اصطياد البشر»… وعلى موائد العائلات في نابلس تتعزز المفارقة المؤلمة

سعيد أبو معلا:
حجم الخط
0

الخليل – نابلس – «القدس العربي»: هناك ما هو استثنائي في تجربة المخرجة الفلسطينية جمانة مناع، صاحبة الفيلم الوثائقي «اليد الخضراء»، الذي نال جائزة عالمية قبل فترة قصيرة، والشابين نجم الدين (34 عاما) وصلاح الدين (26 عاما) من مدينة الخليل، فكلاهما يتضمنان حديثا مأساويا يعكس الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية.
ولو قدر لفيلم المخرجة الفلسطينية، التي تقيم في برلين، أن يتأخر انتاجه قليلا لكان من المؤكد أن يكون نجم ونور الدين من أبطاله.
لقد حاز فيلم «اليد الخضراء» (إنتاج 2022)، جائزة فريق تحكيم «مركز السينما العربية»، المؤلَّف من 193 ناقداً عربياً، وعالمياً، وهي جائزة أفضل فيلم وثائقي في الدورة السابعة من مسابقة الأفلام العربية لعام 2023، التي يقيمها المركز كل عام، فيما نال الشابان الفلسطينيان رصاص الاحتلال القاتل أثناء رحلة جمعهما «للعكوب» في أقصى جنوب مدينة الخليل خلال رحلة توفير لقمة الحياة لعائلتيهما.
فقبل نحو عشرة أيام سقط الأخوان شهيدين مضرجين بدمائهما، وكانت الجريمة أنهما قاما بقطف «العكوب» من داخل جدار الفصل العنصري.
ويبدو أن القصة التراجيدية لم تنل اهتماما مستحقا، مثلما فوز فيلم المخرجة مناع، وهو الذي يوثق صراع «العكوب» والزعتر، بصفتهما أحد مكونات الصراع على الأرض الفلسطينية.
ولم يكن يعتقد كل من نجم وصلاح الدين الشوامرة أن تكون نهاية حياتهما أثناء جمع العكوب، فيما أصيب أخوهم الثالث نور الدين (30 عاما) برصاص جنود الاحتلال.
ويعتبر في فلسطين المحتلة، هذا الوقت، هو الموسم المثالي لجني محصول العكوب البري، الذي ينمو بكثرة في جبال جنوب الخليل، فيما يؤكل بشهية في شمال الضفة الغربية وتحديدا في مدينة نابلس.
ويبدو فيلم المخرجة مناع (1987) وهي فنانة تبحث في أفلامها وأعمالها الفنية في كيفية انعكاس علاقات القوة، من خلال الجسد والمادة، في الروايات القومية، وتاريخ الأمكنة، يبدو الفيلم عودة مؤقتة من برلين كي تحكي قضية الكفاح اليومي للمُزارعين الفلسطينيّين، بوجه ما يُسمّى «سلطات حماية الطبيعة»، التي اختلقها الاحتلال الإسرائيلي، ليُصادر حقّ الناس في أراضيهم.
وفرض الاحتلال قانونا يمنع جمع الزعتر البرّي عام 1977، ثم أردفه بآخر يشمل العكوب عام 2005، بحجّة حمايتهما من الانقراض.
ويعتبر الفيلم الوثائقي (60 دقيقة) محاولة لتفكيك سياسات الهندسة الاستعمارية، بما تتضمّنه من مراقبة للأراضي، وعزل منتوجاتها عن أصحابها الأصليين، وهي سياسة أضحت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي قاتلة ودموية، يقوم خلالها جنود الاحتلال بممارسة «صيد البشر»، حسب وصف أطلقته صحيفة «هآرتس» العبرية على حادثة إعدام الشقيقين الشوامرة.
ويقول الطبيب الفلسطيني ماهر الشوامرة، وهو عم الشهيدان، في حديث خاص لـ»القدس العربي» إنهما كانا يبحثان عن ثمرة العكوب، «كانا عائدين من جمع العكوب، بعد أن كانا يعملان في المطاعم داخل الخط الأخضر قبل الحرب على القطاع، حيث منع العمال من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة».
و«العكوب» نبات ينتج عنه طعام شهير في شمال الضفة الغربية.
وأطلق الجنود رصاصة مباشرة جاءت في قلب نجم الدين، حيث أودت بحياته مباشرة بعد أن اخترقت قلبه وخرجت من ظهره، أما صلاح الدين فأصيب بخمس طلقات في مناطق متفرقة في جسمه وضعت حدا لحياته أيضا في الحال حسب عم الشهيدين.
ويشدد الطبيب الشوامرة، الذي يعمل في دائرة صحية في المنطقة المستهدفة احتلاليا على مدار الساعة، أن الشقيق الثالث نجى بأعجوبة، حيث «كتب له عمر عندما أصيب وسقط على الأرض فيما سقط عليه أحد أخويه، فاعتقد الجنود أنه ميت».
ويشدد أن جيش الاحتلال يعرف كل شيء في المنطقة التي وقعت فيها الجريمة، «لقد مرت عنهم المركبة العسكرية ولم تتوقف عندما كانا يقطفان العكوب داخل الجدار، فيما ترجل الجنود بعيدا وهناك قاموا بتصفية الشابين من خلال قنصهم مباشرة».
ولم يكتمل المشهد إلى هنا، حسب الشوامرة، فبعد استشهاد الأخوين وإصابة الثالث قامت شرطة الاحتلال باعتقال أخوهم الرابع محيي الدين (24) الذي كان يعمل بطريقة غير قانونية داخل الخط الأخضر.
يضيف: «إنهم يعلمون كل شيء، كانوا يعرفون مكان عمله وقاموا باعتقال أخوهم الرابع مباشرة».
وبعد أن جاءت الإسعاف، يقول الطبيب، إن أحد الجنود خاطب الشقيق الجريح قائلا: «كيف نجوت؟ كان يجب أن تكون ميتا أيضا».
ولم تتوقف الحكاية المأساوية للعائلة حتى هذا الحد، فبعد أن سمعت زوجة الشهيد نور الدين خبر استشهاد زوجها فقدت حملها الذي كان في الشهر السادس.
أما نجم الدين المتزوج حديثا، فلديه فتاة عمرها سنة واحدة.
وبغضب يعلق الشوامرة: «إطلاق نار فوري، وبدون أي مسبب، يعكس حالة من الواقع المؤلم للغاية، نحن نموت بطريقة مخططة، إنه ظلم لم نعشه من قبل».
وفي مدن مثل دورا ويطا جنوب الخليل، ينشط الجنود والمستوطنون ضد الرعاة وجامعي نبات الأرض، ويطاردون الجميع، ومن يعترض يحاكم أو يطلق الرصاص عليه.
وفي نابلس، غالبا ما يكون طعام العكوب على موائد المواطنين في أول أيام الشهر الفضيل.
وتتساءل المواطنة (ر.ح) في حديث لـ»القدس العربي»: بحسرة وحيرة: «هل علينا التوقف عن طبخ العـكوب، الأكلة أصبح ثمنها دم.. لا تستحق أن تؤكل!».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية