في متابعة الخطاب الأمريكي الذي يتراوح بين الثابت والمتحول من إسرائيل وحربها الطاحنة ضد غزة لاحظنا «تكتيكا» في استراتيجية إدارة جو بايدن للحرب في الشرق الأوسط.
فقد نشرت تعليقات وتسريبات رغبت واشنطن بأن توصل عبرها رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهي أن مساره الحالي في الحرب وإصراره على مواصلة العملية العسكرية في رفح بدون تقديم خطة واضحة لحماية المدنيين غير مستدامة لن تدعمه أمريكا.
وكان هذا الموقف واضحا من كلام وزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي قال إن بلاده لم تتلق أي خطة واضحة تتضمن حماية المدنيين وتكون محددة باستهداف مقاتلي حماس وقادتهم الذين تقول إسرائيل موجودين في جنوب القطاع. واللافت للانتباه أن غزة تحولت للعبة كلامية بين بايدن ونتنياهو، فلو قال الرئيس الأمريكي إن رفح هي «خط أحمر» رد نتنياهو بالقول «لدي كما تعرف خطي الأحمر» كما قال في تصريحات لأليكس سبرنغر، النشرية الألمانية المالكة لمجلة «بوليتيكو». ومن هنا فاستراتيجية بايدن في غزة، باتت تقوم على النقد ومحاولة إصلاح الضرر، فعندما تحدث بايدن في مقابلته مع شبكة «أم أس أن بي سي» يوم الأحد الماضي بأن نتنياهو يضر بإسرائيل أكثر مما ينفعها، ورد رئيس الوزراء على كلام بايدن بنفس الطريقة المتحدية. وفي سياق الحرب الكلامبة، شرت صحيفة «وول ستريت جورنال» (11/3/2024) تقريرا لوكالات الاستخبارات الأمريكية يرى أن نتنياهو لن يكون قادرا على البقاء في السلطة وهزيمة حماس. وجاء في التقرير «ربما أصبحت قدرة نتنياهو وتحالفه الحاكم من أحزاب اليمين المتطرف الذي طبق سياسات متشددة ضد الفلسطينيين وفي الموضوعات الأمنية، في خطر». وأضاف التقرير أن «عدم الثقة بقدرة نتنياهو على الحكم قد تعمقت وتوسعت في الرأي العام وعلى أعلى المستويات قبل الحرب ونتوقع تظاهرات كبيرة تطالب باستقالته وانتخابات جديدة. وهناك احتمال ببروز حكومة مختلفة ومعتدلة».
ويبدو أن إدارة بايدن وجدت أن طريقتها الناجحة هي محاولة التفريق بين دعمها لإسرائيل كمصلحة قومية ونقدها لنتنياهو الذي يرفض الاستماع لنصائحها ودعم بايدن الذي يواجه حملة إعادة انتخابات صعبة في تشرين الثاني/نوفمبر، ووسط تمرد في قواعد الحزب الديمقراطي التقدمية والشبابية المحبطة من موقف بايدن ودعمه الثابت لإسرائيل في غزة. فقد رفضوا محاولات الترضية من البيت الأبيض وقاموا بحملات في ميتشغان لحظر الدعم عن بايدن في الانتخابات التمهيدية نهاية الشهر. وهناك مخاوف من انتشار حركة «غير ملتزم» للتصويت لك ما دمت تدعم الحرب الإبادية في غزة. ورغم فوز بايدن في الانتخابات التمهيدية حيث أصبح مرشح الديمقراطيين الرئيسي إلا أن ما يقلق المسؤولين هي الولايات المتأرجحة التي تعيش فيها أقليات عربية ومسلمة مثل ميتشغان وشيكاغو التي يعيش فيها أكبر تجمع فلسطيني حجمه ما بين 70.000 ـ 100.000 شخص وهم قوة انتخابية، ومثل زعماء ديربورن، بميتشغان الذين رفضوا استقبال مبعوثي الأبيض أو أجروا مقابلات حادة معهم بشأن رفض الإدارة الدعوة لوقف إطلاق النار، فقد رفض مسؤولون وقادة عرب ومسلمون وفلسطينيون في شيكاغو دعوة لمقابلة في البيت الأبيض، حسبما أوردت مجلة «بوليتيكو» (14/3/2024).
وعليه يفهم حجم التصريحات الناقدة لنتنياهو والمطالبة بالابتعاد عنه. فقد شن النائب الديمقراطي رو خانا في بودكاست «وان ديسيشن» أو قرار واحد حملة على رئيس الوزراء الإسرائيلي ووصفه بأنه «مغرور بشكل لا يطاق» واتهم خانا، النائب عن كاليفورنيا نتنياهو بأنه يتصرف وكأنه «مساو» في المرتبة لرئيس أعظم دولة في العالم. واعتقد خانا أن استراتيجية «عناق الدب» التي تبناها بايدن في بداية الحرب كانت خطأ استراتيجيا. وأن إسرائيل تدير حربا «متهورة» وحان الوقت لكي يضع بايدن «تداعيات» على إسرائيل إن لم تستمع لكلام أمريكا. وحسب التصريحات التي نقلتها صحيفة «الغارديان» (14/3/2024) فإن التداعيات تشمل وقف إرسال السلاح بدون شروط وتوقف عن الحماية لنتنياهو في مجلس الأمن والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وأنت لا تكون على قدم المساواة عندما «تتسول السلاح» من أمريكا، حسب النائب. ولكن الأسبوع انتهى بتصريحات أقوى، وجاءت من زعيم الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، عن نيوريورك. ولطالما ذكر شومير اليهودي المستمعين لخطاباته بأن اسمه يعني بالعبرية «حارس» وقال إن نتنياهو فقد طريقه ووضع نجاته السياسية فوق مصالح إسرائيل. ولقي شومر دعما من بايدن الذي وصف خطابه بـ«الجيد». ولا يوجد ما يشي أن السناتور قد نسق هجومه على نتنياهو مع البيت الأبيض، إلا أن تصريحاته تعكس ما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (15/3/2024) القلق وسط النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بالكونغرس والذين حثوا الرئيس على التحدث علنا ضد نتنياهو، فالرئيس غاضب من رفض الأخير تقييد العملية العسكرية باستهداف حماس وعدم حماية المدنيين أو الموافقة على خطة الولايات المتحدة لما بعد الحرب في غزة. وجاءت تعليقات بايدن أثناء لقائه مع رئيس الوزراء الأيرلندي، ليو فارداكار في البيت الأبيض، حيث أكد الضيف الأيرلندي أنه يريد الحديث عن غزة وضرورة وقف إطلاق النار فيها، ووافق بايدن على كلام الضيف، إلا أن فارداكار خرج بانطباع بأن الرئيس لا نية له بوقف الدعم العسكري لإسرائيل ولا حتى اشتراطه. وقال: «الرئيس واضح من أن الولايات المتحدة ستواصل دعم إسرائيل ومسىاعدتها للدفاع عن نفسها، ولا أعتقد أن هذا سيتغير» و«لكنني لا أعتقد أن أيا من يرغب برؤية السلاح الأمريكي يستخدم فيه بالطريقة المستخدم حاليا، فهي لا تستخدم في هذه اللحظة للدفاع عن النفس».
مهما كان الوضع فلن أفعل شيئا
وتعكس تصريحات شومر، اليهودي وصديق نتنياهو والصقر في موضوعات إسرائيل الفجوة في الخطاب وعدم الرضى الأمريكي من نتنياهو، وكما قال دبلوماسي إسرائيلي سابق لنيويورك تايمز، «لو خسرت شاك شومر فقد خسرت أمريكا». ورغم دعم يائير لابيد زعيم المعارضة لكلام شومر وأنه دليل على خسارة نتنياهو لأمريكا، إلا أن خطاب السناتور ودعوته للانتخابات كوسيلة صحية لانتخاب زعيم جديد، لن تجد صدى في إسرائيل. وهنا تكمن مشكلة السياسة الأمريكية من غزة، فهي تقوم على التعبير عن عدم رضا من حليف بدون أن تستخدم ما لديها من أدوات ضغط أو أوراق نفوذ. وكان ديفيد أرون ميلر محقا في كلامه عندما وصف سياسة بايدن بأنها تقوم على عدم تغيير الموقف الجوهري الداعم لإسرائيل، مهما كان سخط بايدن أو إدارته من نتنياهو وتحالفه المتطرف. وفي مقاله الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»(14/3/2024) قال ميلر إن كل ما صدر من نقد للرئيس، سواء في خطابه حالة الاتحاد أو تصريحاته لشبكة «أم أس أن بي سي» وما بدر من نائبته كامالا هاريس ودعوة لوقف النار، لا تعلم تغيرا جوهريا في الموقف الأمريكي بل «كانت جزءا من النهج العدواني- السلبي الذي تبنته الإدارة ضد الحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل». وعبر بايدن عن صخب وسخط من الحرب وعنف المستوطنين في الضفة ورفض إسرائيل إدخال المساعدات الإنسانية ما أجبره للجوء إلى ميناء عائم قبالة غزة، و«لكنه رفض وبثبات فرض تداعيات حقيقية على إسرائيل». ويجب ألا يكون لدينا أي داع للشك وهي أن سياسة «لست راضيا عن إسرائيل ولكنني لن أفعل الكثير» هي سياسة بايدن، ونابعة من مشاعره المؤيدة لإسرائيل وكذا السياسة وخيارات السياسة التي يواجهها في الحرب الحالية.
ورأى ميلر أن بايدن يتعامل مع الحرب في غزة من خلال ولائه للدولة اليهودية وموقفه من إدارة نتنياهو للحرب. فقد حدث تحول في آراء بايدن بعد زيادة الضحايا بين الفلسطينيين وتحول الوضع الإنساني في غزة إلى كارثة. وبات بايدن يفهم الآن حرص نتنياهو ويأسه للتمسك بالسلطة، وإن كان هذا على حساب المصالح الأمريكية. إلا أن بايدن ليس مستعدا لوقف الدعم العسكري أو وضع شروط عليه، وليس مستعدا في الوقت نفسه للتصويت ضده في مجلس الأمن الدولي علاوة على الدعوة لوقف دائم لإطلاق النار إلا في حالة عودة الأسرى الإسرائيليين.
وتظل النقطة الأخيرة المتعلقة برفض بايدن استخدام أوراق نفوذه ضد نتنياهو، وهي أن الرئيس يشترك مع إسرائيل في أهداف الحرب المتعلقة بتدمير حماس وإنهاء سيادتها على غزة، رغم ما يشعر به من عدم ارتياح على الطريقة التي تدار فيها الحرب والثمن الإنساني الرهيب.
فوضى وجوع
وهو واضح في الكارثة الإنسانية في القطاع وبخاصة شمال غزة. ففي ظل التراوح الأمريكي بين النقد ورفض الدعوة لوقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل حملتها ضد السكان وعرقلة أي جهود إنسانية. وقالت صحيفة «واشنطن بوست» (14/3/2024) إن إسرائيل مسؤولة عن الفوضى والجوع في شمال غزة، حيث منعت وصول المساعدات الإنسانية وشنت حملة لتشويه أونروا. وأضافت أن الأزمة الحالية نابعة من فشل إسرائيل تطوير استراتيجية عملية لما بعد الحرب أو التخطيط لتداعيات احتلال مفتوح وطويل الأمد. وقال عيران إيتزيون، الذي عمل في السابق نائبا لمدير مجلس الأمن القومي إن الوضع في شمال غزة يشير إلى «عمق المستنقع، الفوضى وعدم القدرة على بناء نوع من الحياة الطبيعية» وبعد انتهاء العمليات العسكرية المكثفة. وأضاف أن «منع المجاعة هي مسؤولية إسرائيلية من الناحية القانونية، وعمل غير ذلك هو ضد ما تتظاهر إسرائيل باعتناقه، وكذا من الناحية الإستراتيجية لتجنب الضغط الدولي». كما وفشلت إسرائيل في البحث عن بدائل في القطاع، سواء من رجال أعمال حاولت استخدامهم لتوزيع المواد الإنسانية القادمة مباشرة من إسرائيل، كما ولم تقنع قادة العشائر والعائلات للتعاون كإدارة تضبط الأمن وتفرض النظام. وحذر مسؤول أمني من «صوملة» غزة من خلال تسليح العشائر والعائلات والتي قد تتقاتل فيما بينها. في وقت حذرت حماس هذه الأطراف من التعاون مع إسرائيل. وفي غياب أي جهد جوهري من إدارة بايدن أبعد من إدارة الملف على أمل أن تحقق إسرائيل أهدافها المعلنة بتدمير حماس عسكريا وسياسيا، فالوضع في غزة مرشح للتدهور والعلامات بدت واضحة عن فشل الحملة العسكرية.
جمود
والمشكلة كما تقول مجلة «إيكونوميست» (14/3/2024) أن الوضع بات مرشحا لحالة جمود لم يعد أي طرف فيه قادرا على تحقيق أهدافه. وأثار الفشل في تحقيق الهدنة بحلول رمضان عدة أسئلة، منها مصير الحملة التي يهدد بها نتنياهو ضد رفح، وإن كانت الحرب ستستمر لعدة أشهر قادمة وما هو مصير المساعدات الإنسانية. وترى المجلة أنه في غياب هدنة- رغم استمرار المحادثات وحديث أمريكا عن توافق بشكل ما بين ما تقدمت به حماس من مطالب ورؤيتها إلا أن البديل عن هذا هو الجمود، فلن تتمكن إسرائيل من هزيمة حماس بشكل كامل أو إطلاق سراح جميع الرهائن، ولن تتمكن حتى من العثور على زعيم حماس يحيى السنوار، على الرغم من المطاردة التي استمرت أشهرا. وما تبقى من حماس، من جانبها، لا يستطيع أن يأمل في شيء أكثر من الصمود. وسيتراكم الغبار على الخطط الطموحة لتشكيل حكومة جديدة في غزة ودبلوماسية ما بعد الحرب. وسواء كان هذا الوضع مناسبا للسنوار ونتنياهو حسب تحليل المجلة، فهو أمر آخر. فهي تربط بين نجاة حماس من الحملة العسكرية وكونه انتصارا وبين استمرار الحرب حتى يبقى نتنياهو في الحكم. وفي كلا الحالتين فهو سيناريو قاتم.
هل خسرت الحرب؟
وبعد أكثر من خمسة أشهر من الدمار والموت المعلن الذي مارسته إسرائيل على غزة: تجويع وهدم كل المعالم التاريخية وتعذيب السجناء، كما كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»(13/3/2024) وفشل في تحرير الأسرى لدى حماس وعدم استسلام الأخيرة بعد، فكل الإشارات تظهر أن إسرائيل تلقت هزيمة استراتيجية، حسب ديفيد هيرست، محرر موقع «ميدل إيست آي» (14/3/2024). وقال إن الفظائع التي يرتكبها الجنود في غزة ويمدحون بعضهم البعض حتى عند قتل شيخ أعزل من السلاح احتمى بسريره، تكشف عن تعاليم الحاخام إلياهو مالي، مدير مدرسة دينية في يافا حيث قال إن التوراة واضحة بشأن قتل الأطفال والنساء في غزة وكذا الرجال. ومشكلة مالي والجنود الراقصين على الدم الفلسطيني هي أن العالم يراقبهم اليوم و «على مدى 75 عاما لم يهتم العالم، إلا أن هذه الحرب تجبر داعمي إسرائيل على مشاهدة الرعب الكامل للجرائم التي ارتكبت في الحملة العسكرية التي وصفت قبل خمسة أشهر بالعادلة. وحتى الناقد التقدمي لإسرائيل مثل بيرني ساندرز قال قبل خمسة أشهر أن الحرب ضد حماس عادلة». وأضاف هيرست أن مستوى الوحشية والفرح الذي أظهره الجنود الإسرائيليون وهم يقومون بعملهم اليومي بالقتل وتجويع غزة وقتل 400 شخص كانوا ينتظرون المساعدة وبعد ذلك التعهد بإغراق غزة بالمساعدات هي أمور من الصعب كنسها تحت السجادة». وقال إن إسرائيل دخلت عبر الحرب إلى دائرة الدول المنبوذة. وهي اليوم «أبشع البشاعة ومن الصعب الغفران لها ولا يمكن تبريرها أو وضعها في السياق، وكل العملية في غزة هي جريمة».
وأضاف أن إسرائيل لم تعد ملجأ للهاربين من الاضطهاد بل قلعة لدعاة التفوق العرقي. وانتقد هيرست التعريف البريطاني الجديد للتطرف، فحسب الحكومة البريطانية فإن دعم حكومة تتحدى ميثاق الإبادة وتجوع سكانا خاضعين لاحتلالها وتقتل الأمهات والأطفال حسبما تريد، مسموح به، أما التظاهر ضده في شوارع لندن، فهو تطرف. ولاحظ هيرست الخلافات الداخلية حتى بين أعضاء حكومة الحرب الإسرائيلية ورفض الحريديم الخدمة في الجيش. وتحدث عن الخلاف العلني بين بايدن ونتنياهو «مع أنني لا أعتقد أن بايدن غير موقفه بشكل دراماتيكي أو أن القذى قد سقط من عينيه، ذلك أن المسؤولين الأمريكيين يعرفون جيدا بما يجري على الأرض وبكل مراحل العملية في غزة ويعرفون أن حماس لا تحول أو تسرق المساعدات الإنسانية». ويعتقد هيرست أن خسارة إسرائيل الرأي العام واستمرار حالة الإبادة أمام محكمة العدل الدولية وتآكل الإجماع اليهودي، كلها تؤشر إلى هزيمة استراتيجية. وحتى لو توقفت الحرب، فالثمن الذي دفعته إسرائيل في إعادة احتلال غزة سيكون أعلى مما قدرته قبل خمسة أشهر، لكنها لم تكتشف هذا بعد، وستعرفه بالتأكيد.