القدس ـ «القدس العربي»: «أي شخص من دون تصريح وممغنط رجعوه» بهذه الكلمات وصف أحد المصلين القادمين من مدينة رام الله واقع الحال في الجمعة الأولى من شهر رمضان المبارك.
ووقف الحاج السبعيني على حاجز قلنديا العسكري لساعات منتظرا المرور بادعاء أنه لا يمتلك تصريحا للدخول، فيما جلس مسنون من الجنسين على حجارة كبيرة بانتظار أي أمل يسمح لهم المرور من الحواجز العسكرية الثلاثة التي تفصل مدن الضفة الغربية عن المدينة المحتلة.
وجلب مواطنون بطاقات ممغنطة وهويات شخصية فيما تشدد الاحتلال بالحصول على تصريح للدخول وهو مطلب جديد فرضه الاحتلال على الراغبين بالدخول للأقصى.
وفي حين قدرت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أعداد من تمكن من الوصول للأقصى بـ 80 ألفا، أشارت تقديرات إسرائيلية أن من صلى في الأقصى وصل إلى 40 ألف مواطن، وأشارت التقديرات ذاتها أن من تمكن من الوصول للأقصى من الضفة الغربية لم يصل حد الـ10 آلاف مصل.
وتنص الإجراءات الجديدة على أن من يريد من أهالي الضفة الغربية الدخول للقدس يوم الجمعة فإنه يجب عليه الحصول على بطاقة ممغنطة، ويجب استصدار تصريح من تطبيق «المنسق» الإلكتروني، شريطة أن يكون التصريح ساري المفعول ليوم جمعة واحد من الساعة 4 فجرا وحتى 5 مساء.
ويعني ذلك أن حامل التصريح لا يمكن له تأدية صلاة المغرب والعشاء والتراويح في الأقصى من يوم الجمعة ذاتها.
ورغم أن الاحتلال أعلن أن مجموع من سيسمح لهم بالدخول من كل الضفة الغربية 10 آلاف فقط إلا أن تقديرات إسرائيلية تقول إن العدد لم يصل إلى هذا الرقم القليل جدا مقارنة مع الأعوام الماضية.
وكانت الإجراءات العام الماضي مختلفة عن العام الحالي، حيث سمح للنساء بالدخول من دون قيود والرجال فوق الـ 55 بدون تصريح ومن 45- 55 عاما بتصريح.
وتظهر المقارنة ما بين الجمعة الحالية من رمضان والجمعة الأولى من العام الماضي حجم التضييق الاحتلالي وأثر سياسات الحصار والتخويف وفرض الشروط الأمنية والتصاريح الجديدة على قدوم المواطنين من الضفة الغربية.
وفي العام الماضي كانت عشرات الحافلات القادمة من شمال الضفة الغربية تصطف على حاجز قلنديا العسكري القريب من مدينة رام الله.
وعلق مواطنون أن «هناك أناسا معها تصاريح وما دخلوها» وهناك «مواطنون ضمن السن المسموح به فيما لم يسمح لهم الجنود بالدخول».
وعلقت مسنة منعت من الدخول: «هذا أقصانا.. وما رح ارجع لو بضل للمغرب على الحاجز» وبقيت لساعات من دون أن يسمح لها بالمرور.
وتأتي هذه الإجراءات بحق سكان مناطق الضفة الغربية بعد يوم واحد من تركيب الشرطة حواجز حديدية دائمة «أقفاص» على ثلاثة من أبواب المسجد الأقصى المبارك لاستدامة حصاره.
والحواجز الدائمة مبنية من الحديد وضعت على ثلاثة من أبواب الأقصى وهي: الحديد والغوانمة وباب الملك فيصل، وكلها أبواب في زاويته الشمالية الغربية، وتأتي في سياق استدامة حصار المسجد الأقصى المبارك، وتكريس وقائع جغرافية تصغر أحجام الممرات التي يمكن للمصلين منها دخول المسجد الأقصى.
استدامة حصار الأقصى
وحسب بيان مؤسسة القدس الدولية فإن نصب الاحتلال لحواجز حديدية جديدة على أبواب الأقصى هو إمعان في حصاره، ولا شيء يزيل هذا العدوان سوى هبة كهبات باب الأسباط وباب الرحمة وباب العمود.
وقالت المؤسسة في بيان صحافي إنه وإزاء هذا العدوان الجديد والخطير تؤكد على أن هذا العدوان يأتي في ذروة حربٍ انطلقت انتصاراً للأقصى في وجه أعتى محاولات تهويده وتغيير هويته؛ وإن تغول الاحتلال على الأقصى هو محاولة لتفريغ المعركة من معناها ويجب التصدي لها بكل قوة واعتبارها جزءاً من مجهود الحرب والواجبات تجاهها.
واستحضرت المؤسسة تجارب سابقة من الاحتلال لتغيير واقع الأقصى حيث قالت إن محاولات الاحتلال تثبيت حواجز وقيود وإغلاقات في المسجد الأقصى ومحيطه لم تتوقف منذ سنوات عديدة، لأن هذه الطريقة الوحيدة التي يمكنه عبرها تقليل وجود المصلين في الأقصى إلى أدنى عدد ممكن، وفرض السيطرة الأمنية والإدارية الكاملة على المسجد. فقد حاول عام 2017 تثبيت بوابات إلكترونية عند أبواب الأقصى، وحاول عام 2019 إغلاق مصلى باب الرحمة بقفل جديد وضعته الشرطة الصهيونية، وحاول عام 2021 إغلاق مساحات من ساحة باب العمود في سور البلدة القديمة، وكل هذه المحاولات فشلت.
ورأت المؤسسة ان العدوان الجديد والخطير يتطلب تحركًا جماهيريًّا فلسطينيًّا عاجلًا لإزالته، قبل أن تتحول هذه الحواجز والأقفاص الحديدية إلى حقائق تهويدية عدوانية يصعب تغييرها.
وعلق الباحث المقدسي زياد ابحيص على محاولة شرطة الاحتلال تمرير عدوانها بصفتها «أعمال صيانة روتينية» وحاول تفنيد الخداع والتحايل قائلا إن ما تسميه شرطة الاحتلال «صيانة روتينية» هو فرض لواقع جديد لم يكن موجوداً من قبل على أبواب الأقصى، فهي تحول نقاط الشرطة من نقاط مؤقتة تتكون من كراسي بلاستيكية وطاولة وقاطع حديدي متحرك إلى حاجز حديدي ثابت يستحوذ على معظم مساحة المدخل.
وشدد الباحث في حديث لـ«القدس العربي» أن الحواجز الحديدية الدائمة تترك مساحة لدخول شخص أو شخصين في اللحظة الواحدة وبالتالي تفرض نفس ما كانت تريد فرضه عبر البوابات الإلكترونية وهو السيطرة بالكامل على حركة الحشود في الأقصى.
واعتبر أنه في حال نجح الاحتلال في فرض هذه الحواجز على الأبواب الثلاثة (الحديد، الغوانمة، الملك فيصل) فإنه سينقلها إلى بقية الأبواب.
ووصف نقاط شرطة الاحتلال على أبواب الأقصى بإنها عدوان من الأساس، ولا حق لها بأي صيانة أو تطوير فيه، وحتى بنظر القانون الدولي ورغم ميزان عدالته المختل فإن مقاومة هذه النقاط والحواجز كاملة المشروعية ولا يمكن إدانتها.
ورأى أن الواجب اليوم هو التعامل مع هذه الحواجز الحديدية الدائمة كما جرى التعامل مع البوابات الإلكترونية في 2017.
تخفيف شكلي
وعلق الدكتور والأكاديمي عبد الله معروف عمر، في حديث خاص لـ«القدس العربي» على مسألة البوابات الحديدية وسياسة حصار الأقصى وتحديدا عن الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية قائلا إن «الاحتلال اتخذ قرارا بتغيير الوضع القائم بشكل كامل».
وتابع معروف، وهو باحث ومتخصص في علوم القدس والمسجد الأقصى، يعمل حالياً مدرساً في جامعة إسطنبول في مدينة إسطنبول في تركيا، أن هناك تقارير ترد في مدينة القدس من مصادر مختلفة وكلها تتكلم عن دور أمريكي محتمل لإدارة المنطقة وشؤونها بشكل ينهي قضية الأقصى، بحيث يصل لصيغة توافق عليها سلطات الاحتلال، وهي صيغة ستصب في مصلحة الاحتلال.
وتابع معروف قائلا: «الاحتلال حاول فعليا، كما يحاول دوما، إجراء تغييرات جذرية، وما جرى يوم الخميس الماضي هو أنه يقوم بجس النبض والتجربة في 3 بوابات كمقدمة لإغلاق المساحات أمام بوابات الأقصى في حال رأى الاحتلال غياب رد فعل فلسطيني، وهو أمر يعني أن الاحتلال يسعى إلى تحويل وجوده أمام البوابات إلى وجود دائم».
ويشدد معروف أن الاحتلال يراوغ في مسألة الأقفاص على البوابات الثلاثة عندما يقول إنه يرمم ما كان موجودا، وهو أمر يمتد إلى سياسة التخفيف عن المقدسيين والفلسطينيين في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 فما جرى هو تخفيف مع بقاء ذات السياسات بحق الأقصى.
وأكد الباحث المقدسي معروف أن الحقيقة تقول إن الاحتلال قام بذلك «التخفيف الشكلي» لكنه لم يتراجع عن «سياسة التضييق على الفلسطينيين، حيث منع من هو أقل من 50 عاما من الدخول، وهو أمر يعني منع آلاف الفلسطينيين من الوصول للأقصى».
وحذر من أن الاحتلال يحاول كسب الرأي العام العالمي من خلال تقديم «صور شكلية وغير حقيقية» تفيد أنه يخفف من إجراءاته ويسمح للمسلمين بالدخول والصلاة في الأقصى، حيث هناك ما يقوم به في مقابل هذه الصورة وهو أنه يجري تغييرات شاملة على الأرض تشابه الإجراءات التي قام بها أمام باب العمود قبل نحو 3 سنوات، عندما قام بتركيب بوابات حديدية وغرف استخدمت للاعتقال والتعذيب أمام باب العمود.
ووصف ما يريد الاحتلال تحقيقه بإنه «خداع استراتيجي للمقدسيين عبر الضرب والتخفيف، إنه صورة تظهر واقعا مغلوطا حول طبيعة الوضع الراهن في المسجد الأقصى المبارك».
تغيير الوضع القائم
وشدد معروف أن الاحتلال الإسرائيلي وعبر سياساته يريد بكل قوته أن يفرض واقعا جديدا، يلغي فيه الوضع القائم بالمسجد الأقصى المبارك، وبالتالي يلغي الوصاية الأردنية، وأي دور للأردن وللأوقاف الدينية في المسجد الأقصى.
وتابع: «لذلك، فإن الواجب يحتم ببقاء أو وجود دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى المبارك، هذه مسألة لا نقاش فيها من ناحيتنا، الاحتلال الإسرائيلي لا يخفي نيته بشكل واضح، إعلان نهاية الدور الأردني في المسجد الأقصى المبارك، وإقامة واقع جديد، في المسجد الأقصى، وكان ينتظر أي فرصة يمكن أن تلوح في الأفق ليقوم بهذا الدور، وهذا الذي تنادي به جماعات اليمين المتطرف الإسرائيلية، والتيارات الدينية الإسرائيلية، منذ سنوات بالتالي إضعاف دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى، هو من صالح الاحتلال الإسرائيلي، وهذا الذي يقوم به الاحتلال على مدار الشهور الخمسة الماضية».
ورأى أن هذا الأمر الخطير يحتم على الأردن بالذات، أن يقوم بدوره في الدفاع عن وجوده في المسجد الأقصى، والدفاع عن دوره في المسجد الأقصى، لأن الدور الأردني في المسجد الأقصى، ليس اختيارا، وإنما هو مسألة فرضها القانون الدولي، بسبب الظرف التاريخي الذي جرى فيه احتلال الشطر الشرقي للمدينة المقدسة في عام 1967 وبالتالي، فإن الأردن أمام دور تاريخي لا بد أن يحافظ عليه بأي شكل من الأشكال، ولا بد أن يتعامل مع خطورة الموقف بحجمه، وليس من خلال التصريحات فقط، وإنما من خلال الأوراق التي يمتلكها الأردن، والتي أثبتت جدواها في تراجع الاحتلال.
وتابع أن الأردن يمتلك ورقة شديدة القوة، في الضغط على الاحتلال، وهي التلويح بمعاهدة وادي عربة، وهذا الأمر قد أثبت في السابق نجاحه، في الدفاع عن المسجد الأقصى، والدفاع عن الدور الأردني في المسجد الأقصى، ووجود دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى، حيث أن الاحتلال لا يمكن أن يغامر ببساطة بأطول حدود برية، وأن يعرض أطول حدود برية لدولة الاحتلال لخطر معاهدة وادي عربة، وبالتي تعريض حدوده البرية إلى الخطر.
ورأى الأكاديمي المقدسي عبد الله معروف أن الأردن أمام واجب تاريخي لإعادة الأمور بالنسبة له إلى نصابها، وتقوية دائرة الأوقاف الإسلامية، والتمترس خلف الإرادة الشعبية في مدينة القدس، والتي أثبتت نجاحها في مدار السنوات الماضية، وهذا الأمر كان واضحا بشكل كبير في السنوات الماضية، عندما تحصن مجلس الأوقاف الإسلامي في القدس بالإرادة الشعبية المقدسية في عدة محطات، كان من أشهرها هبة باب الأسباط، عام 2017 والبوابات الإلكترونية، وهبة باب الرحمة في عام 2019.
وختم مشددا أنه ينبغي أن تكون هذه الفرصة الآن مواتية، لإعادة إنعاش دائرة الأوقاف الإسلامية، وإفشال الخطة المعلنة إسرائيليا، لتحويل مهمة دائرة الأوقاف الإسلامية من إدارة المسجد الأقصى إلى إدارة الوجود الإسلامي فقط، في المسجد الأقصى، كما يريد الاحتلال.