حين يتحول النقد إلى هذيان وإلى نوع من العنف الرمزي، فإنه يفقد جدواه وفاعليته في المشاكلة والمساءلة، وحتى في إثارة الجدل الذي نتوخاه منه، فالتعليق على نصٍ ما يعني السعي إلى مناقشته والحوار معه، وفق أسس ومرجعيات علمية وموضوعية، بعيدا عن نزعة الكراهية و«الانفعال» الذي يغيّب الدقة في الحوار..
الناقدة نادية هناوي، التي تكتب في اليمين واليسار، وفي مقاربة قضايا إشكالية لم يتم إلى اليوم الاتفاق على مرجعياتها النقدية، لاسيما في تسويق مصطلحات ومفاهيم غير قارّة في القاموس النقدي، وما زالت إلى اليوم محط شدٍّ وجذب واختلاف.
تعليقها المنشور في جريدة القدس في 13/ 3/2024 تحت عنوان «إنشائيات الواقع.. إنشائيات التاريخ» على مقالنا المنشور في جريدة «القدس العربي» أيضا يدخل في مجال الهلوسة النقدية، وليس في حقل المراجعة العلمية الرصينة، التي يجب أن تتحلى بها ناقدة ينبغي أن تعرف أصول الحوار والنقاش. توصيفها للناقد بأنه «من يملك القدرة على تذوق النصوص وسبر مستوياتها» تعبير عمومي، فهل تملك الناقدة هذه المواصفات؟ ومن يقرّ لها بذلك؟ وحشر الأسماء والمقولات في النصوص كما تقول الناقدة، يدعونا لمراجعة كل مقالاتها التي يمكن وصفها بأنها سيرك مفتوح للمصطلحات والمفاهيم الغائمة، وربما باعتماد مغامرة «التوهم بالمعرفة المتعالية» لغرض اجتراح آراء تحتاج هي الأخرى إلى المراجعة الموضوعية، وصولا إلى الطلسمية التي تتسم بها كتاباتها المسكونة بتكرار حديث «المابعديات» واختيار تقعيدات نظرية لها، تتكئ بها على ترجمات ومرجعيات غامضة، بوصفها جزءا من مشغلها في التعاطي مع إشكالات التاريخ والسرد، والرواية والنقد والتاريخ، وكأنها موضوعات اكتسبت التوصيف القطعي في مشغل الناقدة.. نزعة رفض الآخر وتقصيره، واتهامه بشتى التهم الجاهزة، هو إجراء «نقدي» كثيرا ما تلجأ إليه الناقدة في مواقفها مع الآخرين، لتسويغ حديثها عن امتلاك «حاضنة معرفية ونقدية» تدعّي بها سعة المعرفة والجدّة، في تتبع تنامي ما يخص معرفة الإجراءات والتحولات التي يتطلبها المشغل النقدي، وقد تكرر هذا الموقف في جدالات سابقة مع الناقدين سعيد يقطين وعبد الله إبراهيم وثائر العذاري، والغاية من هذا الرفض هو الإثارة ليس إلّا، وبهذا المزاج الحاد والعنيف، الذي يتقاطع مع «الهدوء العلمي» الذي ينبغي اعتماده في مساجلة الآخرين، لاسيما وأن النقد يظل رغم كل «الحيازات المعرفية» تمثيلا لوجهات نظر، قد نختلف أو نتفق معها، فالنقد ليس علما، بل هو جزء من المعرفة التي تتعدد وتتنوع مقارباتها..
تهمة الإنشائية تعكس ضآلة في القراءة، وضعفا في التشخيص، وحكما يفتقد للمنطق، فبقدر ما تتهم المقالة بكثر الانتقالات بين أسماء وأفكار وأطروحات، وهي إشارات يتطلبها البحث، مثلما هي جزء من أيّ إجراء نقدي يخص الحفر في قضايا إشكالية ومختلف عليها حول التاريخ والسرد، ما زال عصفها صاخبا في الجدال والتوصيف، لاسيما في الحديث عن الرواية، وعن مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة، وأحسب أن فيلسوفا كبيرا مثل هابرماس، لم يعترف إلى الآن في مقارباته الفلسفية بمفهوم ما بعد الحداثة، لإيمانه بأن مشروع الحداثة لم ينته بعد، فكيف للناقدة أن تضع حكمها القار حول ما بعد الحداثة وكأنه تسقيط في مقالنا، وربما لأي مقاربة ترد في أيّ حديث عن التحولات الحادثة في السرد..
لا أريد أن أجعل من هذا الرد دفاعا عن وجهة النظر، وهو حق لي، بل أضع أمام القراء حجم التشوه في القراءة، وفي إطلاق التهم، وبطريقة تقترب من العنف الرمزي وليس «الشك النقدي» وربما لأني لم أشر إلى أطروحات الناقدة في كتاباتي، وهذا ما يُثير غيظها، وعنفها ، لأني لا أثق بآرائها، وبعشوائيتها النقدية التي تفقد التوازن الموضوعي، وتوغل كثيرا في الحديث عن أشياء مكرورة، وبطريقة تجعل من الخطاب النقدي يبدو وكأنه خطاب في الاستعراض النقدي أكثر من كونه مجالا لإغناء مساحة الحوار النقدي وإثارة الأسئلة التي تُعبّر عن هوية صاحبها، وعن أمانته العلمية.
كاتب عراقي