القاهرة ـ «القدس العربي»: بين يوم وليلة باتت القاهرة تتلقى المزيد من التدفقات المالية، لمستوى غير مسبوق، ضاعف من آمال أنصار السلطة وخصومها، على حد سواء، بقرب عبور مصر من كبوتها الاقتصادية، وثارت تكهنات وأسئلة حول علاقة رضا الكبار عن القاهرة، وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، إن القمة المصرية ـ الأوروبية والحزمة الاستثمارية المالية المُعلن عنها، جرى العمل عليها منذ عامين، نافيا وجود رابط بينها وبين ما يحدث في غزة. وأشار إلى أن الرئيس السيسي، أكد خلال لقاءاته مع قادة الاتحاد الأوروبي أن الوضع في غزة أمر لا يحتمله الضمير الإنساني ووصل إلى مستوى الكارثة، مشيرا إلى أن القطاع يعاني من مجاعة فعلية؛ لا يمكن السماح باستمرارها بهذا الشكل على الإطلاق. وأكد رفض مصر للتهجير القسري للفلسطينيين في أول اجتماع مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، معقبا: «الربط بين ما حدث اليوم والوضع في غزة يؤكد تصرفات مصر المسؤولة وضبطها للنفس وحكمتها في التعامل مع الموقف ودورها الأساسي بحكم الجوار».
وأشار إلى أن «مصر تتحمل الصعوبات والعراقيل والعقبات، دون أن تمل أو تترك الموضوع»، مضيفا: «هناك إصرار مصري على ذلك مناقشة الممر البحري الجاري العمل عليه من قبرص لغزة، ونرحب بوصول المساعدات إلى غزة بأي صورة، كما نرحب بانتهاء الوضع الحالي في القطاع». وكشف في تصريحات متلفزة عن آخر تطورات الوساطة المصرية القطرية الأمريكية للتهدئة في غزة، مؤكدا أنها «تعمل على مدار اللحظة وتتحمل صعابا كثيرة في سبيل ذلك». وتابع: «مصر هدفها وقف إطلاق النار، والموقف الدولي يتطور ليقترب من الموقف المصري الثابت منذ اندلاع أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، كما أن الرئيس طالب الدول الأوروبية والمجتمع الدولي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية كطريق لحل الدولتين».
وحول الأوضاع في السودان أكد سامح شكري وزير الخارجية خلال استقباله المبعوث الأمريكي الخاص للسودان توم بيرييلو، ترحيب مصر بتوليه منصبه، وحرصه على زيارة القاهرة في أول جولة خارجية له، وأحاط شكري المبعوث الأمريكي بالاتصالات التي اضطلعت بها مصر مع الأطراف السودانية المختلفة، والجهود الدبلوماسية التي قامت بها مع القوى الدولية والإقليمية والمنظمات الأممية والدولية، واستعرض موقف مصر القائم على أهمية التعامل مع النزاع في السودان، باعتباره شأنا سودانيا خالصا، وضرورة عدم تدخل أي أطراف خارجية في الأزمة بشكل يعيق جهود احتوائها ويهدد بتفكك السودان.
وقال مصدر أمني أن قوات الحماية المدنية تمكنت من السيطرة على حريق نشب في فندق جوهرة الأهرام، دون أي إصابات بشرية. يعد ذلك ثالث حريق تشهده القاهرة لليوم الثالث على التوالي بعد حريق استوديو الأهرام ذو القيمة التاريخية الكبيرة لما يحتويه من أرشيف فني ضخم. وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن الأرشيف لم يتعرض لأي أضرار كما شهدت القاهرة الجديدة حريقا شب في أحد المراكز التجارية..
تناقض فاضح
تكاد تتماهى ازدواجية الخطاب الأمريكي مع عوالم مسرح اللامعقول، فالكلام وعكسه في خطاب واحد حسبما لاحظ عبد الله السناوي في “الشروق”: دعوات متواترة لإدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية ومستدامة لإنقاذ أهالي غزة من الموت جوعا، وتمديد بالوقت نفسه للعدوان الذي يزهق أرواحهم. مشاهد الجوعى الذين يتعرضون للقتل العمدي أثناء انتظارهم الحصول على مساعدات غذائية، تبقيهم على قيد الحياة، تطرح تساؤلا جوهريا ما إذا كانت أي دعايات أمريكية عن القيم الإنسانية قابلة للتصديق، إذا لم يمت مئات الآلاف من الفلسطينيين بالقصف المتواصل فإنهم قد يلقون المصير نفسه بالتجويع المنهجي المقصود. باليقين فإن الإدارة الأمريكية تتحمل المسؤولية الأولى عما يحدث للفلسطينيين من تنكيل تجاوز كل كابوس متخيل، أو غير متخيل. مددت للعدوان الهمجي على غزة ومنحته غطاء سياسيا واستراتيجيا وعسكريا كاملا، حتى ينجز هدفيه المعلنين، اجتثاث حركات المقاومة الفلسطينية واستعادة الأسرى والرهائن بلا تكاليف سياسية باهظة. لمرات عديدة منعت بحق النقض استصدار أي قرارات من مجلس الأمن الدولي، بوقف الحرب دون أن تتوقف عن دعوة القوات الإسرائيلية لمراعاة القانون الدولي الإنسانى في حماية حياة المدنيين. طوال الوقت تدعو لإدخال المساعدات الإنسانية دون نجاح يذكر. وأخيرا دعت في خطاب الاتحاد، الذي ألقاه الرئيس جو بايدن أمام مجلسى الكونغرس، لإنشاء رصيف بحري قبالة سواحل غزة لإنجاز هذه المهمة الإنسانية، لم يكن الدعم الإسرائيلي المعلن لذلك المشروع كلاما في فراغ الاستراتيجيات. أول ما يلفت النظر أن إنشاءه وتشغيله قد يستغرق نحو ستة أسابيع، حسب التقديرات الأمريكية. المعنى أنه لا حديث في أي مدى منظور عن وقف إطلاق النار، أو تحسين الوضع الإنساني بضخ مساعدات كافية عبر المنافذ البرية. ربما يمتد المعنى إلى تخفيض أي رهانات على تسوية ما عبر المفاوضات غير المباشرة بين «حماس» وإسرائيل.
رئة وحيدة
حسب الحيثيات المعلنة فإن المشروع الأمريكي يستهدف وفقا لعبد الله السناوي، رفع نسبة المساعدات الإنسانية، أو أن تصل مباشرة إلى الجوعى من المدنيين لا إلى «حماس»، وبالتنسيق الكامل مع السلطات الإسرائيلية. بنظر منظمات الأمم المتحدة: «لا بديل عن الممرات البرية»، قاصدة أن معبر رفح الحدودي المصري أسهل وأسرع، إذا ما أجبرت الولايات المتحدة إسرائيل على عدم استهدافه بالقصف، أو التعسف المفرط في إجراءات دخول المساعدات». بتعبير وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون: «لا بديل عن الممر البري»، قاصدا معبر رفح بالذات. بتقدير «واشنطن بوست» فإن «الممر البحري لا يكفي»، توافق على مشروعه، لكنها تشكك في قدرته على الوفاء بالمهمة الإنسانية المفترضة. أخطر ما في ذلك المشروع: تجريد مصر من معبر رفح وقيمته الاستراتيجية. وتجريد غزة في الوقت نفسه من الرئة العربية الوحيدة للحركة والتنقل. هذا يستدعى التنبه البالغ والتصحيح الضروري لأي أخطاء وخطايا ارتكبت في إدارة ذلك المعبر بعد توقيع اتفاقيتي «كامب ديفيد». باسم الإنسانية مرة أخرى يجري التواطؤ على أدوار وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» بذريعة أن ذلك الرصيف البحري سوف يوفر خدماتها دون حاجة إليها. هذا محض ادعاء لا أساس له. استهداف «الأونروا» بادعاءات غير ثابتة عن علاقة بعض موظفيها بـ«حماس»، وفرض حصار دولي على تمويلها، قصده تفكيكها لإحكام الحصار مستقبلا على القطاع في خدمات لا غنى عنها كالصحة والتعليم والتشغيل. بتعبير وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت فإن الرصيف البحري يساعد على انهيار «حماس» قاصدا التركيع النهائى للفلسطينيين. هكذا بكل وضوح، فإن ذلك المشروع هو عمل متوافق عليه بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي. إنهما يعملان تحت أفق استراتيجي واحد، رغم أي تناقضات بين إدارة بايدن وحكومة بنيامين نتنياهو. يحاول بايدن بخطابه المزدوج أن يحسن صورته داخل الحزب الديمقراطى كرجل يتبنى خطابا إنسانيا، دون أن يتوقف عن توفير القنابل والذخائر والدعم المالي والاستخباراتي للعدوان على غزة. لا يصلح ذلك الخطاب لتحسين صورة أو لإضفاء هيبة. إنه تواطؤ باسم الإنسانية على غزة ومستقبلها.
سينتصرون رغم ضعفهم
بالحسابات المجردة فإنه لا يمكن المقارنة بين الإمكانيات والموارد والأسلحة الفتاكة التي تملكها إسرائيل، وإمكانيات المقاومة الفلسطينية وأهمها إيمانهم بعدالة قضيتهم وصدورهم العارية، والقليل من الأسلحة البدائية. وبالتالى فعلينا جميعا وفق ما طالبنا به عماد الدين حسين في “الشروق”، أن نكون واثقين من أن النصر مكتوب في النهاية للفلسطينيين مهما طالت معاناتهم، ومهما زاد البطش والإجرام الصهيوني. المنطق البسيط يقول إن العبارات السابقة هي كلمات عاطفية بلا أي قيمة، وإن الفيصل دائما هو لحسابات القوة الشاملة بكل أنواعها، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو إعلامية وثقافية أو تكنولوجية. لكن الرد على هذا المنطق بسيط وواضح ومقنع في الوقت نفسه، فلو أن الأمور تقاس فقط بالقوة المادية والمقارنات المجردة بين الإمكانيات والموارد والأسلحة والأموال، ما انتصرت أي دولة صغيرة وتحررت من احتلال دولة قوية جدا، بل أحيانا من أقوى الدول في العالم. التاريخ القريب والحديث يقدم لنا عشرات، وربما مئات الأمثلة على أنه في الصراع بين القوى الكبرى المحتلة الغاشمة والمتجبرة، وقوى المقاومة الصغيرة والضعيفة، فإن الغلبة النهائية، رغم كل العقبات والتحديات تكون دائما لمن لديه الحق والإصرار، ما دام يمتلك الشروط الموضوعية. في تاريخ حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، فإن الدول الاستعمارية كانت أقوى بعشرات ومئات المرات من الدول المحتلة، ورغم ذلك فإن الأخيرة هي التي انتصرت وطردت المحتلين. القوة بأنواعها المختلفة مهمة جدا، وهي السبب الأساسي الذي مكن الدول التي تمتلكها من احتلال الدول الأصغر، لكن قانون الحياة الطبيعي يقول لنا بوضوح، إن النتيجة في النهاية هي أن أصحاب الحق هم الذين ينتصرون ما داموا يتمسكون بأسباب النصر.
نهاية المحتل
يتساءل عماد الدين حسين: لو أن المقياس هو القوة فقط، فلماذا انتصر الأشقاء في الجزائر على الاستعمار الفرنسي الاستيطاني بعد 130عاما من الاحتلال البغيض، لدرجة أن فرنسا كانت تعتبر الجزائر أرضا فرنسية وراء البحار، وليس مجرد مستعمرة تنهب خيراتها؟ لو أن المقياس هو القوة فقط، فلماذا تمكن الشعب الفيتنامي من الانتصار على أقوى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة، وطردها من بلاده رغم الفارق الضخم بين الإمكانيات، وقبلها تمكن الفيتناميون من طرد الفرنسيين؟ لو أن المقياس هو القوة فقط فلماذا غابت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية، التي كانت توصف بأنها لا تغيب عنها الشمس. وكيف تمكنت كل الدول التي كانت تحت الاحتلال البريطاني من دحر هذا الاستعمار وطرده، ومنها مصر بعد 70 سنة من الاحتلال؟ وكيف يمكن تفسير هزيمة فرنسا وطردها من البلاد التي كانت تحتلها خصوصا في افريقيا؟ وكيف اندحرت البرتغال وإيطاليا، وكيف انتهى الاستعمار الإسبانى من غالبية أمريكا اللاتينية؟ لو أن الأمور تقاس بالقوة فقط، فلماذا تمكن الأفغان من هزيمة أقوى دولتين عسكريتين في العالم وهما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة؟ سيرد البعض بأن كل الأمثلة السابقة لا تشبه الصراع العربي الصهيوني، وأن إسرائيل قوة استيطانية استحلالية تتسلح ليس فقط بالأسلحة الأشد فتكا ومنها النووية، ولكن بخرافات دينية وصراع ديني يمتد آلاف السنين؟ والإجابة ببساطة هي أن الاستعمار الأوروبي الأبيض كان له المنطق نفسه إلى حد ما، حينما كان مستعمرا لجنوب افريقيا لمئات السنوات، وارتكب الجرائم نفسها تقريبا ضد السكان الأفارقة الأصليين، ورغم ذلك تمكن شعب هذا البلد العظيم من تحرير أرضه وإنهاء نظام الفصل العنصري بقيادة الراحل الكبير نلسون مانديلا.
دينية على الأرجح
قرأ الدكتور ياسر عبد العزيز عشرات المقالات والتحليلات التي سعى كتُابها إلى تمييز الحرب الدائرة في غزة راهنا على صعيد علاقتها بالدين؛ فوجد وفق ما أخبرنا في “الوطن” انقساما كاملا وواضحا بين فريقين؛ أولهما يراها “حربا دينية بامتياز”، وثانيهما على العكس من ذلك تماما؛ إذ يؤكد كونها “ليست حربا دينية على الإطلاق”. سيكون للفريق الأول حظ وافر عند البحث عن الذرائع التي تسند مقاربته، وسيكون له حظ أوفر عندما ستُذاع أطروحته، ويتلقفها الجمهور، ويشعر قطاع كبير منه أنها تعزز مفهومه عن تلك الحرب ورؤيته لها، بل ولعديد الحروب التي جرت على مدى التاريخ. فلطالما تمتع التفسير الديني للقتال- أو التوسل بالدين لتسويغ الحروب وتحليل أبعادها – بالكثير من الأنصار، خصوصا في الشرق، الذي يؤدي كل من الدين، والتدين، والتأويل الديني دورا مركزيا في تحديد علاقته بالكثير من المفاهيم، وهو أمر يمكن أن نجد له أثرا في الغرب أيضا، ومناطق أخرى من العالم، بشكل متفاوت بطبيعة الحال. لقد قيل الكثير عن الحرب على مرّ العصور، ومن بين المحاولات الجادة التي سعت إلى سبر أغوارها وتحليل أبعادها، تبرز المحاولة التي أقدم عليها البروفيسور بريان فيرجسون، الذي خلص – بعد بحوث جرت على مدى ثلاثة عقود عن الحرب – إلى عدد من الأفكار المهمة، وهي أفكار يمكن أن تساعدنا على فهم أسباب اندلاع تلك الحرب، ودور الأيديولوجيا والقيم الدينية فيها.
فتش عن المصالح
على عكس ما يعتقد كثيرون، يبدو والكلام ما زال للدكتور ياسر عبد العزيز، أن المصالح تأثيرها أكبر من الأيديولوجيا الدينية في تطور النزاعات المسلحة؛ سواء كان هذا الأمر يخص الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو يتعلق بالحرب الدائرة في السودان راهنا، أو حتى النزاع المحتدم بين “حماس” وإسرائيل في غزة. يعطينا تاريخ الحروب الكثير من الإثباتات لهذا الطرح؛ خصوصا عندما يجري الحديث عن التآلف والسلام والتحالف بين دولتين سبق أن انخرطتا في حرب ضروس، علما بأن هذا التحالف اللاحق للعداء لا يأتي عادة بمواكبة توافق أيديولوجي، بل يتحقق عبر تنحية الخلاف لإفساح المجال لحديث المصالح. وفي هذا الصدد، يتراجع تأثير الركائز الأيديولوجية ذات الأبعاد الدينية التي تجتهد لشرح واقع الصراع الدائر حاليا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم “وجاهة” تلك الطروحات، وصمودها لعقود طويلة باعتبارها مفتاحا لفهم حقائق الصراع. لا يمكن نفي أن ثمة اتجاها فكريا رائجا يؤكد أن ثمة جذورا دينية واضحة لهذا الصراع، وهو أمر تعززه تصريحات واضحة لعدد من القادة الغربيين، الذين سعوا، “انطلاقا من معتقدات دينية”، إلى التأكيد على “خلفية توراتية يؤمن بها المسيحيون الغربيون على اختلاف مذاهبهم تجعلهم يتعاطفون مع اليهودية العالمية”. فضلا عن الحديث عن تبني “خطة إلهية للخلاص المسيحي”، لا تكتمل عناصرها من دون إنشاء دولة إسرائيل على أرض “الحق التاريخي المستند إلى الوعد الإلهي”، وهو أمر تعززه نبوءات وتفسيرات تجد رواجا في الغرب. كما أن تصريحات بعض القادة اليمينيين في إسرائيل وتصرفاتهم تشي بأن ثمة بعدا دينيا رئيسا في سلوكهم السياسي، أو خطابهم المعلن على الأقل. لكن هذا الاتجاه يشهد اختلافا حتى بين اليهود أنفسهم، وقد تعرض لمراجعات عدة، وصولا إلى تقليل أثره كمفتاح لفهم حقائق الصراع، خصوصا في ظل وجود قادة صهاينة مؤثرين من العلمانيين، واختلاف التفسيرات التوراتية والإنجيلية بخصوص إنشاء الدولة العبرية في الأراضي الفلسطينية بين من يراه ضرورة ومن يراه خطأ دينيا لا يجوز ارتكابه. من هنا يتراجع هذا التفسير، وفق حقائق ووقائع عديدة، لصالح التفسير المستند إلى الاعتبارات العملية والمصالح المادية.
ظهرت الحقيقة
بدأت المؤامرة ضد وكالة (أونروا) تتكشَّف، فقد أعلن عدد من موظفيها الفلسطينيين، الذين اعتقلتهم إسرائيل أنهم تعرضوا لانتهاكات إسرائيلية، بالضرب المبرح والإذلال والاعتداءات بالكلاب والعنف الجنسي والإغراق إلى حد الاختناق والتهديد بإيذاء ذويهم، لكي يُدلوا بأقوال كاذبة تدعم الاتهامات التي تدعيها إسرائيل ضدهم لتعممها على الوكالة، وقد سجلت الأونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) هذه الانتهاكات في تقرير، اطلع عليه أحمد عبد التواب في “الأهرام” بثت مضمونه وكالة رويترز للأنباء في أرجاء العالم، ونشرته مواقع كثيرة قبل أيام. قال مندوب (رويترز) إنه تَوَجَّه بأسئلته إلى متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إلا أن المتحدث لم يَردّ بشكل مُحدَّد على أقوال موظفي الأونروا، وقال إن الجيش الإسرائيلي يتصرف وفقا للقوانين الإسرائيلية والدولية لحماية حقوق الفلسطينيين المعتقلين، بل زعم أن المعتقلين المُطلَق سراحهم يخضعون الآن لسيطرة (حماس)، وأنهم قد يُجبَرون على التنديد بإسرائيل، وإلا تعرضوا لأذى من حماس. لاحِظ أن إسرائيل اعتقلت 12 موظفا فقط من جملة 13 ألفا يعملون في (أونروا)، إلا أنها اتهمت الوكالة كلها، دون دليل واحد، بأنها تشارك (حماس) في قتالها ضد إسرائيل، ورغم تهافت الاتهام إلا أن 16 دولة من أصدقاء إسرائيل قرروا فورا وقف حصصهم، نحو 450 مليون دولار، في دعم الوكالة، التي هي أهم وكالة تابعة للأمم المتحدة تعمل في غزة، تأسست عام 1948 لتقديم خدمات تعليمية وصحية وإغاثية وغيرها من المساعدات الإنسانية، لنحو 5.7 مليون لاجئ فلسطيني في غزة والضفة الغربية وبعض الدول. والغريب أن اتهامات إسرائيل ضد (أونروا) انطلقت مباشرة بعد قرارات محكمة العدل الدولية، في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، التي تضمنت أوامر لإسرائيل بتسهيل المعونات إلى الفلسطينيين المحاصرين في غزة، والمعروف أن (أونروا) هي المنوط بها تلقي المعونات وتوزيعها على الفلسطينيين، كما أن مقارها صارت ملاجئ للفلسطينيين المدنيين العزل الفارين من القصف المميت، وأصبحت إعاشتهم وإعالتهم ضمن المسؤوليات الإضافية على كاهل الوكالة.
فارق حضاري
لا تستطيع أن تمنع نفسك من المقارنة بين انتخابات رئاسية انطلقت في روسيا يوم الجمعة 15 مارس/آذار، ثم استمرت ثلاثة أيام كان آخرها أمس، وانتخابات رئاسية ستنطلق في الولايات المتحدة الأمريكية يوم الثلاثاء 5 نوفمبر/تشرين الثاني. في الحالة الثانية وفق ما أطلعنا سليمان جودة في “المصري اليوم” نتابع على مدار اليوم ما يجري في بلاد العم سام بين الرئيس جو بايدن، مرشح الديمقراطيين في السباق الرئاسي، والرئيس السابق دونالد ترامب مرشح الجمهوريين في السباق.. نتابع، ولا نكاد نصدق، من كثرة ما في التفاصيل من تشويق وإثارة. وبالتوازي مع جولات بايدن وترامب الانتخابية بين الولايات الأمريكية الخمسين، نجد أنفسنا مشدودين إلى قراءة تفاصيل أخرى تتعلق باستطلاعات الرأي، التي تقيس مدى تقدم كل مرشح على الآخر ومدى حظه أو نصيبه من الفوز في السباق.. ولا بد أننا نلاحظ أن نتائج هذه الاستطلاعات لا تكاد تشفي غليل أحد لأنها كلما وضعت مرشحا منهما في المقدمة في يوم، عادت في اليوم التالي لتضع المرشح الآخر في مكانه. ومهما نشط المحللون السياسيون، ومهما بذل المنجمون من جهد، ومهما حاول المتابعون، فإنهم جميعا عاجزون عن القطع بفوز ترامب على بايدن، أو العكس لأن هذه هي كلمة صندوق الاقتراع وحده يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني، وليست رأيا يُبديه محلل متفذلك هنا، أو متابع متعالم هناك.. ذلك أن احتمالات فوز بايدن تكاد تكون هي نفسها احتمالات فوز ترامب، ولا يوجد شيء يمكن أن يؤكد فوز هذا على ذاك.. ولا بد أن هذه هي الانتخابات الحقيقية.. وهي حقيقية لأنك لا تعرف مَنْ في ختام المطاف سيفوز؟ ولعلنا نذكر أننا تابعنا مشهدا كهذا في نوفمبر 2020 عندما تنافس الاثنان معا، وتابعناه في نوفمبر 2016 عندما تنافس ترامب مع هيلاري كلينتون، ففاز عليها.. أما في روسيا، فالرئيس الروسى فلاديمير بوتين يخوضها أمام ثلاثة من المرشحين لم نسمع بأسمائهم إلا يوم الاقتراع، ولذلك، فالنتيجة محسومة للرجل، ولا حديث للكلام عن احتمال فوز واحد من المرشحين الثلاثة، ولو بنسبة واحد في المئة.. لا حديث، ولا مجال، ولا احتمال. أظرف ما في الموضوع أن المرشحين الثلاثة أعلنوا، قبل يوم الاقتراع، أنهم يؤيدون بوتين في سياساته، وهذه نكتة سياسية.
هل يصدق ترامب؟
لو لم أفز في الانتخابات المقبلة سيكون هناك حمام دم.. هكذا هدد الرئيس السابق ترامب مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية، الذي ينافس غريمه بايدن الرئيس الحالي ومرشح الحزب الديمقراطي، والذي فاز في الانتخابات الرئاسية السابقة، ورفض ترامب أن يعترف بفوزه وما زال يطعن بالتزوير في هذه الانتخابات. ويرى عبد القادر شهيب في “فيتو”، أن الديمقراطية الأمريكية في أزمة حقيقية وحادة.. فهذه الديمقراطية التي تتباهى بها أمريكا وتعتبرها النموذج والمثل الذي على الدول الأخرى محاكاته، يمكن أن تلوثه الدماء طبقا لتهديدات ترامب.. وإذا حدث ذلك فلا مجال عن التحول السلمي للسلطة إذن.. وإنما هي البداية لصراع دموي على السلطة مثلما هو حادث في دول لا تحوز مكانة أمريكا لا السياسية ولا الاقتصادية، والتي أتاحت لها أن تصير دولة عظمى تشارك بعد الحرب العالمية الثانية في إدارة العالم، ثم تنفرد بهذه الإدارة وحدها على مدى تجاوز الثلاثة عقود، عندما انهار الاتحاد السوفييتي. ويجب عدم الاستهانة بتهديدات ترامب.. ألم يسبق أن طالب أنصاره قبل أكثر من ثلاث سنوات مضت أن يخرجوا إلى الشوارع للاعتراض على فوز منافسه بايدن؟ وألم يقتحم البعض من المعترضين على نتيجة الانتخابات مبنى الكونغرس؟ احتمال إسالة دماء في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة هو احتمال قائم وليس مستبعدا حدوثه.. وإذا حدث ستكون هذه هي البداية في تقويض مكانة أمريكا عالميا.. أو أنها بداية تحول أمريكا من دولة عظمى إلى دولة صغيرة عادية تفتقد التحول السلمي للسلطة، وسيمهد ذلك لتقويض النظام العالمي الحالي وظهور نظام عالمي جديد.
ستوديو الأهرام
سارع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء إلى موقع حريق استديو الأهرام، وأمر بصرف 15 ألف جنيه لكل أسرة تضررت من الحريق كقيمة إيجارية مؤقتة لحين تأهيل المباني وإعادتها لوضعها الأصلي. وقد انتهى رجال الحماية المدنية بالجيزة، حسب الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار” من إجراء عمليات التبريد لموقع الحريق والعقارات المجاورة له، منعا لتجدد اشتعال النيران مرة أخرى. ولمن يتذكر من العواجيز أمثالي فإن منطقة استديو الأهرام الذي أنشئ عام 1944 كانت جناين وحدائق تجري فيها الخيول. وفي غفلة من الزمن امتلأت بالمباني والعمارات السكنية في زمن امتداد العشوائيات والزيادة السكانية في القاهرة الكبرى. وشهد تصوير العديد من الأفلام والمسلسلات المهمة، ويضم عددا من الديكورات. توقف العمل فيه عام 2017 ثم عاد للعمل عام 2023. بمسلسل «بابا المجال» بطولة الفنان مصطفى شعبان. وقبل الحريق كان تصوير مسلسل «المعلم» لمصطفى شعبان أيضا، الذي يذاع حاليا في شهر رمضان. فجأة التهمت النيران الاستوديو وامتدت للعمارات الملاصقة له، وأسرعت قوات ومعدات الحماية المدنية لإطفاء الحريق. الحمد لله لم ينجم عن الحريق ضحايا في الأرواح، لكنه خلف خسائر تفوق الـ100 مليون جنيه. تبحث النيابة العامة الآن عن أسباب الحريق، وهل كان متعمدا، أم بسبب الإهمال والتقاعس عن اتخاذ إجراءات الحماية المدنية المقررة. محافظ الجيزة قال: آثار الحريق امتدت لتسبب تضرر واجهات 7 عمارات بشكل كبير وبعض الوحدات السكنية، وطلب مدبولي الاطمئنان على السلامة الإنشائية للمباني، وتشكيل لجنة عاجلة مكونة من شركات المقاولات المعتمدة بالمحافظة، للوقوف على حجم الضرر وإعداد مقايسات هندسية تضمن الوقت اللازم وتكلفة إعادة المباني لأصلها قبل الحريق.
نجا مؤقتا
قبل أيام أعلن الادعاء العام في سويسرا توجيه الاتهام للسياسي السوري السابق رفعت الأسد لمسؤوليته عن مذبحة مدينة حماة، التي مرّت عليها أربعون سنة، وراح ضحيتها نحو عشرة آلاف إنسان. قطعا كما أخبرنا مصطفى عبيد في “الوفد” فإن هذا الإجراء شكلي، لأن المتهم عاد بالفعل إلى بلاده، بعد سنوات طويلة قضاها بين منفى وآخر، إثر خلافه مع الرئيس الراحل حافظ الأسد، ولأن عمره اقترب الآن من التسعين عاما. وفي كل الأحوال فقد عودتنا الدوائر الغربية على مثل هذه المحاكمات الشكلية التي قد يكون وراءها أغراض سياسية أخرى، ففيما مضى رأينا دعاوى مثيلة ضد الجنرال الجزائرى خالد نزار، ومن قبله ضد رجل الأمن المغربي محمد أوفقير، وغيرهما الكثير من المسؤولين والقادة العرب. وقد يقول قائل، ومعه الحق إن مثل هذه القضايا ليست انتصارا للعدالة فقط، وفي الأغلب فإن وراءها ضغوطا وأغراضا غير نزيهة، وإلا فمَن حاكم الجنرالات الإسرائيليين المسؤولين عن المذابح وعمليات الإبادة العلنية ضد الفلسطينيين على مدى أكثر من نصف قرن؟ لكن على أي حال، فإن ذلك لا يعنى أبدا أن المذابح مختلفة، وأن المتهمين أبرياء، وأنهم ضحايا تلفيق غربي استعماري مؤامراتي. وليس هناك مبرر مانع للشعور بالازدراء تجاه كل مَن اقترفت يداه جرائم في معارك من أجل حُكم أو سلطة أو مكسب، شرقا أو غربا، حديثا أو قديما، حيا أو ميتا، فجرائم الدم لا تسقط بالتقادم، وضحايا الظلم لا يعوضهم شيء.
سيجتمع الخصوم
من خلال تدبره لسير كثير من الظالمين انتهى مصطفى عبيد إلى أن كثير من القتلة يفلتون بجرائمهم، وأن بعضهم قد يحقق أمجادا ظاهرية، وأن صور البعض تزدهر، وأن مكانتهم قد تعلو في مخيلة الأجيال التالية، بفعل تدوين التاريخ الرسمي، لكن مَن قال إن حسابات الدُنيا دائما عادلة؟ وحسبنا أن نذكر مثالا مهما وواضحا لتحول السفاحين القتلة إلى عظماء، هو الوالي الكبير محمد على باشا، الذي حكم مصر خمسا وأربعين سنة قهرا، واستبد منفردا بكل شيء، بعد أن أزهق أرواح ألف مملوكي غدرا في مذبحة مروعة قتل فيها خصومه بعد دعوتهم إلى مأدبة طعام، لقد صار هذا الرجل ملء السمع والبصر بما حقق من انتصارات على أعدائه، واعتبرته الذاكرة الجمعية للمصريين باعثا لنهضتهم الحديثة، وهو قول باطل سبق أن فندته، وفنده آخرون ممن يهتمون بتحليل التاريخ. وربما كانت من أخطاء أحد مثقفي جيلي البارزين، وهو الكاتب أحمد المسلماني، التي لا تغتفر أنه كتب يوما في «المصري اليوم» مقالا يحتفي فيه بمذبحة المماليك مُسميا إياها بـ«الجريمة الرائعة» مقدما تفسيرا مغلوطا مفاده أن المذبحة كانت فاصلا بين التخلف والحداثة، وأنها كانت ضرورة لبناء الأمجاد وتحقيق الانتصارات، وقد أعفى الأكاديمي النابه خالد فهمي الجميع من الرد على «المسلماني» بتفنيده للفكرة الواهية، المبررة للدم في سبيل ما يتصور البعض أنه مجد وتقدم. ولا شك أن إفلات القتلة والسفاحين من العقاب والحساب ممكن وجائز في الدُنيا، لأن العدل يبقى دائما منقوصا على هذه الأرض، لكن ثمة يوم عدل أكبر لا يُمكن الإفلات منه، يقف فيه كل ظالم أمام الله لا يفتح فمه، موقنا أنه لا إفلات ولا نجاة. فكما قال الشاعر العظيم أبو العتاهية: «أما والله أن الظُلم شؤمٌ/ وما زال المُسيء هو الظلومُ/ إلى الديّان يوم الدين نمضي/ وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ».
ويطعمون الطعام
ينصحنا عبد الغني عجاج في “المشهد”: علينا أن نكون كرماء في هذه الأيام المباركة (المفترجة) وأن نوظفها في صلة الرحم ورعاية الجيران والعطف على أصحاب الحاجات والمتعففين، الذين لا يسألون الناس إلحافا.. وعلينا أن ننفق مما رزقنا به الله وكلنا ثقة في أن أكرم الأكرمين سيخلف علينا وسننال البر، حيث يقول الحق (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) ومن أقرب القربات إلى الله إطعام الطعام، خاصة في هذه الايام التي ازداد فيها الغلاء وحرمت أسر كثيرة من الحصول على كل ما كانت تشتريه في السابق.. في هذه الأيام علينا أن ندعو أقاربنا وأرحامنا، خاصة رقيقي الحال منهم على الإفطار.. وعلينا أن نرسل أطباق الطعام كما كنا نفعل في السابق لجيراننا، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.. وقال صلى الله عليه وسلم: ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم. وإطعام الطعام عن طيب خاطر ولوجه الله يدخلنا ضمن الأبرار، حيث يقول الله سبحانه وتعالى (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) وعلينا أن نعطي الأولوية في إطعام الطعام لليتامى والمساكين استجابة لقول الحق تبارك وتعالى (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة) والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أوصانا حتى ندخل الجنة بسلام بإفشاء السلام وإطعام الطعام ووصل الأرحام والصلاة بالليل والناس نيام.. وهو من بشرنا: خياركم من أطعم الطعام وعلينا أن نجتهد في الشهر الكريم لتجنب أن نكون ممن يكذبون بالدين (أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين).