الدولة العصرية الحديثة في المنطقة العربية وتحديات حقوق الانسان

حجم الخط
0

رغم التطور الهائل في المنطقة العربية في كثير من الميادين المختلفة، الا أن العالم الغربي يعتبرها متأخرة في ميدان حقوق الانسان. ورغم أن هذه النظــــرية لا يمكن اثباتها الا أن الدول الغربية مصرة على أن يحصل تغيير في المنطقة، يتماشى مع ما تروج له من افكار لأجل تلبية احتياجات مصالحها الخاصة في ظل المتغيرات على الساحة الدولية، وليس لتلبية مصالح مواطني المنطقة.
وفي هذا السياق استغل العالم الخارجي هذا الوضع ليدق اسفينا بين مواطني البلد العربي الواحد، حيث تأزمت الامور في عدد من الدول العربية لتخرج تيارات على اساس ولاءات وعصبية دينية فاقمتها الطائفية التي ازدادت في المنطقة بسبب البعد الديني الذي ينتهجه عدد من القوى السياسية. ولهذا اصبحت الدول الغربية التي تنادي بالتغيير من خلال قضايا حقوق الانسان، الملاذ المنقذ لبعض هذه القوى، الدول التي تنادي بحقوق الانسان، مما ادى بها للاستعانة بتلك الدول في سبيل انتشالها من الوضع الذي تعيشه ولتحصل على مكاسب اكثر قد توصلها بعد فترة الى سدة الحكم، مستخدمة في ذلك عددا من المطالب الشعبية المشروعة. وفي الوقت ذاته فإن بعض القوى الليبرالية والحاكمة بالمنطقة ترى أن الدول الغربية ترغب في أن تكون بالمنطقة أنظمة مستوردة من الغرب تحاكي النظام العراقي الذي أُتِي به بعد سقوط نظام العراق السابق بقيادة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. ولهذا تنظر الى القوى التي تستعين بالدول الغربية نظرة ريبة وعدم ثقة، مما صعب عملية التوافقات السياسية في هذه الدول وجعل العنف اقرب وسيلة لبلوغ غايات الطرفين.
ولعل المدخل الذي تفضله الدول الغربية التي تطمح في التغيير في هذه المرحلة يأتي من خلال قضايا حقوق الانسان، التي تعتبر مؤثرة على الساحة العالمية، ولدى تلك الدول سيطرة كبيرة على تلك القضايا تاريخياً بالمحافل الدولية ، ووجود منظمات مجتمع مدني لها تأثير عالمي تسير على نهج السياسة الغربية التي يمكن استخدامها لاثبات صحة ما تدعيه تلك الدول.
وبالمقابل فإن تجربة العراق التي حصلت مع بداية الالفية من هدم الدولة السابقة وإنشاء دولة جديدة تحت سيطرة افراد يعكسون النمط الغربي قد ساعدت الدول التي ترغب في التغيير بالمنطقة على ايجاد متعاطفين معها من أبناء تلك الدول للوصول الى السلطة في الدول العربية، حيث برزت خلال السنوات الماضية بعض الجمعيات والاحزاب السياسية التي تطابقت اهدافها مع اهداف تلك الدول من اجل احداث تغيير سياسي في المنطقة، مستغلة في ذلك قضايا حقوق الانسان والتجاوزات الحقوقية في بلدانها.
وبالمقابل قامت بعض الدول العربية بتطوير مسائل حقوق الانسان ومواكبة التطور العالمي في هذا الميدان والقيام بانجازات عديدة لم تحصل من قبل لوقف الهجمة المنظمة تجاهها، التي تستهدفها الا أنه مع سقوط عدد من الانظمة في المنطقة واستلام الحكم فيها من قبل انظمة جديدة، سواء بقوة السلاح أو بالحراك الشعبي من خلال اثارة الشعوب على حكامها وجدت نفسها محاصرة بواقع جديد يتمثل في الضغوطات الكبيرة التي تتعرض لها في ميادين حقوق الانسان، بداية من قبل منظمات المجتمع المدني الغربية، وبعد ذلك من قبل الدول المختلفة التي تنادي بحقوق الانسان أو التي تهاب سطوة تلك الدول. وقد بدأت تلك الضغوطات بابراز قوى المعارضة فيها على أنها كيانات تسعى للتغيير الديمقراطي وتحسين اوضاع حقوق الانسان وهي في حقيقة الوضع لا تختلف كثيراً عن الانظمة الحالية بالمنطقة، بل ان بعضها أسوأ من الانظمة الموجودة لوجود دوافع طائفية ودينية لديها وهي على استعداد لانتهاك حقوق الانسان والانتقام من مناوئيها كما حصل في بعض الدول التي سقطت أنظمتها خلال موجة الربيع العربي.
ومما يذكر فإن بعض الدول قامت بتجنيس عدد من مواطني الدول العربية بجنسيات أجنبية ومن ثم الحقتهم بمنظمات المجتمع المدني الدولية لإضفاء مصداقية على تحركاتهم وعملهم الحقوقي الموجه ضد بلدانهم الاصلية.
ومن الجدير بالذكر ان سياسة التغيير التي تتبع تشمل ارسال وفود من منظمات المجتمع المدني أو بعثات مسيسة للتحقق من أوضاع حقوق الانسان في الدول العربية، خاصة خلال الاحداث التي تحصل في تلك الدول. وفي حقيقة الامر فإن تلك المنظمات، رغم أنها منظمات حقوقية الا أنها لم تسع بجد الى تحسين أوضاع حقوق الانسان، بل لوحظ عليها أنها تسعى لأجل الشهرة من خلال التشهير بالدول. فخلال زياراتها غالباً ما يطرح عليها سؤال حول ماهية توصياتها بشأن ما تراه من أوضاع في البلد المعني؟ الا أن تلك المنظمات لا تجيب على ذلك بل نجدها في أغلب الاحيان تصدر تقارير تدين الممارسات التي تعتبرها قد ارتكبت في تلك الدول استناداً الى أقوال عامة وادعاءات من منظمات حقوقية في تلك الدول، وفي الوقت ذاته لوحظ كذلك أنها تدين الانظمة في الدول التي زارتها بعد كل زيارة. وهذا الوضع لم يكن مقتصراً على بلد معين بل على جميع البلدان العربية.
وخلال هذه المرحلة استطاعت الدول التي تسعى للتغيير في المنطقة من بلوغ نتائج في بعض الدول التي لم تتمكن من احداث تغييرات فيها في المراحل السابقة، وفشلت في الدول التي حصنت نفسها في الماضي بالتغييرات التي احدثتها في بلدانها، من خلال ضمان الرفاهية لمواطنيها، سواء في الميادين السياسية او المدنية او الاقتصادية او الاجتماعية او الثقافية. ومن المتوقع أن تستمر الدول التي تهدف الى احداث تغييرات في جهودها للتغيير، وليس من المستغرب انها ستتجه مباشرة في المرحلة القادمة الى الجهات الحقوقية الدولية مثل مجلس حقوق الانسان لاستصدار قرارات ضد الدول التي لم تتمكن منها في المرحلة السابقة، لكونها تعلم مدى تأثير تلك القرارات على صناع القرار في الدول المستهدفة. ومما يذكر فإنها ستستفيد من بعض أوجه القصور التي تعاني منها الدول المستهدفة، خاصة أن الدول العربية المستهدفة لا ترد على تلك التحركات الا في اوقات متأخرة بسبب عدم وجود كوادر حقوقية فيها ملمة بطريقة التعامل مع الاوضاع الجديدة وبسبب اقصاء الكفاءات الحقوقية والاعتماد على أفراد من تنظيمات سياسية مؤيدة، ليسوا ملمين بالموضوع أو على أفراد منظرين لا توجد لهم خبرة عملية في ميدان حقوق الانسان، أضف الى ذلك عدم وجود استراتيجية حقوقية يمكن اتباعها للرد على ما تثار من ادعاءات، وعدم وجود تنسيق بين اجهزة الدولة والاجهزة الحقوقية المعنية، وعدم وجود كوادر دبلوماسية متمرسة في التفاوض، وأخيراً وجود نظرة الى قضايا حقوق الانسان على أنها قضايا تختص بالقانون وهو أمر غير صحيح، حيث أن القضايا تتطلب كوادر دبلوماسية قبل ان تتطلب كوادر قانونية.

‘ عضو اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة .. وعضو المجلس العالمي للصحافة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية