كوارث مياه المتوسط: هل حان الوقت لوقف السياسات الأمنية الأوربية

حجم الخط
3

على امتداد التاريخ البشري، ما فتئت الهجرة تشكل تعبيرا عن رغبة الفرد في التغلب على الظروف الصعبة، والهروب من الفقر، وبدء حياة جديدة قد توفر له الحق في العيش الكريم. إذ يلخص العالم الديموغرافي الفرنسي، ألفريد صوفي، إشكالية الهجرة بقوله: «إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر، وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات «.
 والحقيقة أن الهجرة ظاهرة تاريخية ساهمت في إعمار الأرض، وهي تلعب دورا مهما في تلاقي مجموعات بشرية متنوعة الثقافات، وفي بناء حضارة إنسانية مشتركة، ولا يقلل من هذا الطموح كون الهجرة في المرحلة التاريخية المعاصرة ذات اتجاه واحد، بسبب الأوضاع السيئة في مناطق كثيرة من الدول النامية، ولانعدام التوازن في العالم، مما جعل المهاجرين غير الشرعيين يخاطرون بحياتهم وبكل ما لديهم، حالمين بتحقيق مستوى معيشي أفضل، والتخلص من شبح الفقر الذي يطاردهم في بلادهم، يأتون من الدول الإفريقية و إفريقيا جنوب الصحراء إلى دول شمال إفريقيا، لينطلقوا بعدها بقوارب شبه بالية عبر مياه البحر المتوسط، ويتوجهون في الغالب نحو شواطئ أوروبا، الكثير منهم يبحر باتجاه الشواطئ الإيطالية، في حين يتوجه القسم الآخر إلى شواطئ اليونان و مالطا و إسبانيا، منهم من وصل إلى وجهته، ومنهم من لم يحالفه الحظ، و يصبح جثة هامدة تبتلعها مياه المتوسط.
هذا المشهد الدرامي الأخير الذي تجري أحداثه قبالة شواطئ جنوب القارة الأوروبية لا يزال يتكرر في كل مرة، كان آخرها انقلاب قارب مكتظ بالمرشحين للهجرة السرية قبالة الشواطئ الليبية وعلى بعد 110 كيلومترات تقريبا جنوب جزيرة لامبيدوزا، والذي أسفر عن غرق حوالي 700 شخص، حيث تم اعتبار هذه الكارثة الأسوأ حتى الآن في البحر الأبيض المتوسط. وهنا يثار السؤال حول مدى نجاعة الآليات الأمنية الأوربية في محاربة الهجرة غير الشرعية في مياه المتوسط ( تشديد الحراسة على الحدود الأوروبية، الترحيل والإبعاد، إنشاء مراكز الاحتجاز، الاتفاقيات الأمنية المشتركة مع دول شمال إفريقيا،الوكالة الأوربية لإدارة الحدود الخارجية…)، وهل بالفعل ساهمت هذه المقاربة في الحد من هذه الظاهرة و»آثارها السلبية» و ويلاتها؟
كون الاتحاد الأوروبي لا يتوفر على إستراتيجية واضحة للتعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية، جعلته يغلب المقاربة الأمنية في التعامل مع المهاجرين في وضعية غير قانونية، التي ساهمت في تأجيج مشاعر العنصرية وكراهية الأجانب، فغالبية المشروعات الأوروبية التي طرحت لمكافحة هذه الظاهرة التي تقوم على الحلول الأمنية، أثبت عدم فعاليتها و عدم نجاعتها، كونها تهمل الأسباب والظروف المحيطة بموضوع الهجرة غير الشرعية، كما إن هذا النوع من الحلول مكلف بالفعل، فعلى سبيل المثال، هناك اتفاقات ثنائية بين دول مثل إيطاليا وليبيا، وأخرى بين الاتحاد الأوروبي ومصر والمغرب والجزائر، يدفع الاتحاد بموجبها الملايين من أجل مشروعات مثل: رفع قدرات الحراسة على الحدود، والدعم اللوجيستي المتمثل في طائرات المراقبة، وبناء معسكرات الاحتجاز. فالاتحاد الأوروبي ينفق بالفعل أموالا طائلة ولكن في الطريق الخطأ، وبدلا من ذلك، فمن الأوفق التركيز على دعم مشروعات تنموية، يكون عمادها مؤسسات المجتمع المدني، خاصة في القرى والأرياف، أما الحل الأمني فقد أثبتت التجارب أنه لا يؤدي إلى نتائج إيجابية.
كما أن هذه الإجراءات الأمنية المتشددة فشلت في تحقيق الهدف منها، وهو الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، فحسب الباحث شتيفان ألشر من معهد دراسات الهجرة المقارنة، أكد أنها لن تؤدي سوى إلى تغيير طرق الهجرة غير الشرعية وليس وقفها، فعلى سبيل المثال، بعد تشديد المراقبة على مضيق جبل طارق، يتبع المهاجرون الآن طريقا بحريا آخر شرقي الأندلس في جنوب إسبانيا، ونظرا لصعوبة الطريق وسوء حالة المراكب، يتعرض الكثير منهم إلى الغرق في البحر، وهو ما يؤدي فعليا إلى إتاحة الفرصة لخلق عصابات محترفة تسهل نقل المهاجرين بتكلفة أعلى. وبالتالي، تحقق الإجراءات المتشددة للاتحاد الأوروبي نتائج هي عكس النتائج المرجوة تماما.
من جهة أخرى، تتعارض هذه الإجراءات الأمنية مع المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فبالرغم من الخطاب الحقوقي العالمي، و التزام الدول باحترام حقوق المهاجر الصحية و الثقافية والاجتماعية، فإن الواقع الأوروبي يؤكد، أن الفرق بين الخطاب والممارسة، يتسع بشكل مستمر. وحسب المراقبين، فالعديد من البلدان الأوروبية، لا تحترم مبادئ حقوق المهاجر، وخير دليل على ذلك، أن كل البلدان المتقدمة لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة حول ضمان حقوق كل المهاجرين و عائلاتهم، وخاصة أنها تتضمن مواد تلح على عدم التمييز بين المهاجر الشرعي و غير الشرعي، مثل المادة الأولى من الاتفاقية.
كما تؤكد التقارير والدراسات المهتمة بالهجرة الأوروبية أيضا أن المقاربة الأمنية ليست الوسيلة الناجعة لمعالجة الهجرة السرية، بل هناك مقاربات اقتصادية وحقوقية وثقافية وإنسانية، وما يمكن أن تقوم به دول الاتحاد الأوروبي يتمثل في إقامة مشاريع تنموية وعلى نطاق واسع في البلدان المصدرة للهجرة لإيجاد الظروف المناسبة التي تغري مئات الآلاف بالبقاء داخل بلدانهم، دونما الحاجة إلى ركوب الخطر في اتجاه الضفة المقابلة للمتوسط هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي مطالبة بتنظيم عملية الهجرة بالتنسيق الكامل مع البلدان المصدرة للهجرة، وذلك بتحديد القطاعات ومدى حاجاتها من المهاجرين وتنظيم ظروف استقبالهم وضمان حقوقهم الكاملة، وكذلك عدم جعلهم يشعرون بأي تمييز أو أي ممارسة عنصرية، إن مثل هذا التنظيم وحده هو الكفيل بالقضاء على الظاهرة غير الشرعية، ويضع حدا لما يشعر به المهاجرون حاليا من حالات غبن واضطهاد وليدة سياسات تمييزية وعنصرية واضحة ما انفكت تعبر عن نفسها في الدول الأوروبية المستقبلة للعمالة المهاجرة.
بالإضافة إلى ذلك، ينبغي التعامل مع إشكالية الهجرة غير الشرعية أو السرية، باعتبارها ظاهرة اجتماعية ناجمة عن خلل وجب إصلاحه، ينبغي أن يتم وفق استراتيجية اجتماعية واقتصادية وتربوية متكاملة تشرك كل الفاعلين، وتراعي مصلحة كل الأطراف وبالتأكيد فإن هذه الرؤية الشمولية تجسد بالفعل، المنطلقات الأساسية لمعالجة الهجرة من منظور إنساني وتنموي واقتصادي، يؤدي حتما إلى تحريك عجلة الإنتاج والتنمية المحلية وتقوية فرص الاستثمار، لتشغيل اليد العاملة التي تشكل مصدرا للهجرة السرية.

هشام بولنوار – باحث في القانون الدولي العام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية