أكاديمي فلسطيني وصل مصر لـ”القدس العربي”: نزحنا 8 مرات داخل قطاع غزة تحت قصف الاحتلال

تامر هنداوي
حجم الخط
1

القاهرة- “القدس العربي”:

“نزحنا داخل قطاع غزة عدة مرات، وكانت رحلة نزوحنا ما بين تل الزعتر ومدينة الزهراء وحي النصيرات ودير البلح وخان يونس ورفح، وشاهدنا الموت بأعيننا ودمر منزلنا، وكان توفير الطعام أمرا صعب المنال”، بهذه الكلمات حكى الكاتب والأكاديمي الفلسطيني الدكتور عبد القادر حماد، المأساة التي عاشتها أسرته خلال الشهور الماضية قبل أن يتمكن من دخول مصر عبر معبر رفح البري ويستقر في القاهرة.

حماد قال لـ”القدس العربي”، إن القاهرة كانت المحطة الأخيرة في رحلة نزوح بدأت بعد شهر من اندلاع العدوان الصهيوني الغاشم على قطاع غزة، كنت أسكن وعائلتي في تل الزعتر في شمال قطاع غزة، عندما دمر منزلي في قصف للاحتلال، فانتقلت إلى مدينة الزهراء جنوب مدينة غزة، وفي ظل استمرار قصف الاحتلال الإسرائيلي على أنحاء القطاع، قامت طائرات الاحتلال في ليلة واحدة، بتدمير 29 برجا سكنيا.

طائرات الاحتلال دمرت 29 برجا سكنيا في مدينة الزهراء خلال ليلة واحدة

وأضاف: في هذه الليلة استمر القصف من الساعة التاسعة مساءً، حتى صبيحة اليوم التالي، ولم نستطع النوم طوال هذه الليلة، واضطررنا إلى النزوح، إلى منطقة النصيرات التي تقع وسط مدينة غزة.

ما بين الزهراء والنصيرات، كانت عائلة حماد على مدار أكثر من شهر تحاول الفرار من القصف الصهيوني: “نزلنا في ضيافة أحد الأصدقاء في غرفة صغيرة أنا والأسرة، حتى فوجئنا بتهديد من الاحتلال بقصف المنطقة، فاضطررنا للعودة إلى مدينة الزهراء مرة أخرى، وصمدنا رغم القصف الشديد لمدة 10 أيام أخرى، وعاد القصف مرة أخرى بشدة مستهدفا الأبراج السكنية، وطال منزل مجاور للمنزل الذي نسكن فيه، وأصيب منزلنا بأضرار جسيمة، فاضطررنا، للنزوح مرة أخرى إلى منطقة النصيرات، وعندما وصلنا إلى النصيرات تعرض المنزل الذي أقامنا فيه المرة الأولى لقصف مرة أخرى، فعودنا أدراجنا إلى مدينة الزهراء مرة أخرى، وفي طريقنا إلى هناك، هاتفني شقيقي وأخبرني أن المنطقة تتعرض لقصف شديد، فتوجهت إلى منطقة دير البلح”.

لم يكن دير البلح أكثر أمانا بالنسبة لحماد وعائلته مبينا: “تعرضنا للقصف في دير البلح، فنزحنا مرة أخرى إلى منطقة خان يونس، ولجأت إلى جامعة الأقصى، وهي الجامعة التي أقوم بالتدريس فيها، ومكثت أنا وأسرتي في أحد الفصول الدراسية لمدة شهر كامل، وكان في الجامعة آلاف النازحين من الأساتذة والمواطنين الذين لجأوا إلى مقر الجامعة طلبا للحماية بعد أن دمرت منازلهم”.

وزاد: “كان محيط الجامعة يتعرض للقصف، لكن بعد مرور شهر، كانت الجامعة نفسها مستهدفة من الطائرات الحربية الإسرائيلية، إضافة إلى القصف المدفعي، طال المباني التي كنا نقطن فيها، ما أدى إلى سقوط العديد من الأساتذة الجامعيين الذين كانوا قد لجأوا مثلي إلى الجامعة، وأذكر منهم الدكتور فضل أبوهين استاذ الصحة النفسية، التي بترت قدمه جراء إصابته بقذيفة مدفعية مباشرة”.

واصل حماد الحديث عن رحلة عائلته داخل القطاع قائلا: “بعد أن دمرت مباني الجامعة واحترقت، اضطررنا إلى النزوح إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، كان القصف في مدينة رفح أخف وطأة من المناطق الأخرى لكنها كانت تتعرض للقصف هي الأخرى، ونزلنا في منطقة ملعب برجا، لمدة شهر، كانت المنطقة تتعرض للقصف من حين لآخر”.

وأوضح حماد، أنه قبل خروجه من قطاع غزة، تعرضت المنطقة التي يسكن فيها إلى قصف شديد، وبدأ التلويح الإسرائيلي بعزمهم تنفيذ اجتياح بري لمدينة رفح، فقررت النزوح والعودة مرة أخرى إلى منطقة النصيرات وسط مدينة غزة، واستأجرت محل بقالة فارغ لتمكث فيه عائلتي، وتعرضنا لقصف شديد، واضطررت إلى العودة إلى رفح.

يحكي حماد أنه كان يرفض الخروج من قطاع غزة، لكن مرض أحد أبنائه بمتلازمة دوان، وإصابته بحالة من الذعر الشديد خلال عمليات النزوح، هي ما دفعته للتفكير في الخروج من قطاع غزة، قائلا: “كدت أن أفقد ابني عدة مرات خلال رحلة النزوح، لأنه كان أحيانا لا يستطيع التنفس، وفي ظل خوفي على ابني، ساعدنا البعض في الخروج من قطاع غزة”.

أزمة توفير الطعام للأسرة، عاشها حماد خلال رحلة النزوح، لكنه قال إنه يجب أن نفرق بين الأوضاع في شمال قطاع غزة وجنوبه، لا يوجد في مدينة غزة وشمال القطاع طعام بالمطلق، ففي البداية وقبل تدمير منزلي في تل الزعتر في شمال غزة، لم نكن نجد أي طعام، واضطررنا لأكل الأعشاب والعلف الحيواني، ولا يوجد ماء صالح للشرب، وفقدت من وزني 15 كيلو غرام، وابني الصغير فقد من وزنه ما يقرب من 10 كيلو غرامات، أما في جنوب القطاع، لم يكن هناك وفرة في الطعام، وكان الاعتماد الرئيسي على المساعدات، التي تأتي عبر معبر رفح، وهي في الأغلب عبارة عن 4 أصناف الفول والفاصوليا والبازلاء والعدس.

يؤكد حماد، أن نصف المساعدات التي كانت تدخل القطاع في الأشهر الثلاثة الأولى من العدوان، كانت عبارة عن أكفان لتكفين الشهداء، وباقي المساعدات تنحصر في الأصناف الأربعة التي سبق وذكرتها، وهي الأصناف التي اعتمدنا عليها لمدة تقارب من 5 أشهر، إضافة إلى شح المياه الصالحة للشرب، واختفاء اللحوم.

نصف المساعدات التي دخلت القطاع في الأشهر الأولى كانت أكفانا

يدلل حماد على الأزمة، بأسعار السلع التي ارتفعت بشكل غير معقول بسبب ندرتها، سعر شوال الدقيق الذي يزن حوالي 25 كيلوغرام وصل لأكثر من 100 دولار في بعض الأوقات، وفي شمال قطاع غزة بلغ سعر الكيلو غرام الواحد من الدقيق 50 دولارا، وكيلو الخيار يعادل 30 دولارا وكذلك البصل، وهذا سيكون له آثار سلبية على الصحة في المستقبل.

يختم حماد حديثه: “ما تشاهدوه في وسائل الإعلام لا يمثل واحد في الألف من الواقع وما عانيناه خلال العدوان أو يعانيه أهالينا في قطاع غزة، البنية التحتية دمرت، تم تجريف الشوارع وشبكات الصرف الصحي، وتدمير شبكات المياه والكهرباء، إضافة إلى أن حوالي 70 في المئة من مباني قطاع غزة دمرت بالكامل”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية