لعبة التدبيج وبازار البقالة

من الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان، أن الحوار نشاط معرفي كما هو فن أيضا، وجماليات هذا الفن هي في ما يأتي به من إضافات فكرية بطرائق نافعة. وتتوقف قيمة هذه الإضافات على ما لدى المتحاورين من قدرات في المعرفة وممارستها. وكلما كانت الأطراف المتحاورة متكافئة في قدراتها ووسائلها ونواياها من الحوار، بدت الإضافات أكثر نفعا من الناحيتين الجمالية والمعرفية. ولا يستغني النقد الأدبي كميدان معرفي وإجرائي عن الحوار، أيا كان النقاش والتناظر بشكل مباشر وجها لوجه في المؤتمرات والملتقيات أو كان تحريريا على وسائل النشر المختلفة. ولطالما شدد كبار نقادنا على فوائد الحوارات لأن فيها تتحقق الاستزادة العلمية وتتحرك الفاعلية النقدية فيجتهد النقاد أكثر في تحمل مسؤولياتهم وأداء وظائفهم، اكتشافا للثغرات وحضا على ردمها، عبر تصحيح المسائل المغلوطة كي توضع في نصابها، أو دفاعا عن حق مستلب أو تعرية لمدلس أو ساط. والقيمة المعيارية في تقدير قيمة الحوار هي في ما يقدمه من منفعة، يقول الشافعيُّ: (ليس العِلْمُ ما حُفِظَ، إِنما العِلم ما نفع).
وفي التعليق المنشور في «القدس العربي» بتاريخ 18 مارس/آذار 2024 على مقالتي (إنشائيات الواقع إنشائيات التاريخ) توقعت هذا الهيجان وطغيان الإنشائية على المعلق علي حسن الفواز، كما توقعت أيضا أنه لن يدخل في محاورة موضوعية لصلب ما أثرته في مقالتي أعلاه وما كشفت فيها من فضفاضيته ومغالطاته، التي تخلط الحابل بالنابل كما هو ديدنه الأبدي في كل ما كتب ويكتب، لكنها لم تمسس شخصه بشيء، غير أن الذي لم أتوقعه أن يلجئه هذا الهيجان لمغادرة ساحة النقاش إلى افتراءات بنعوت شخصية خاصة؛ فدبج تعليقا متداعيا وقاصرا عن مواجهة ما أخذته عليه من تخبطات وأغلاط فادحة، متدرعا بالأسئلة مسوفا من خلالها ضعف الباع متخذا من الإنشاء طريقة بها يستغني عن القراءة والمذاكرة، ظنا منه أن ذلك يجعله ناقدا يتكلم في ما لا يعلم، ويكتب بما لا يفهم، ثم لا يريد أن يؤاخذه أحد؟!
ولا شك في أن قلة الانتفاع من القراءة تجعل الكتابة فضفاضة تماما مثل كومة قش، تخدع البصر فيحسبها صلبة وهي من الهشاشة ما لا تحتمل أن تكون سندا. وفائدة القراءة أنها تمكّن المرء من معرفة ما يجهل، والإجابة عما يَسأل عنه وما يستفهم حوله، كما أن لها منافع تأتي تباعا وبشكل ضمني، وأولها أنها تهذب النفس وتخلصها من أدران ما لصق بها من خلل فتعلي الوعي وتبعده عن السفاسف. ومن هنا نحكم على المتعلم أنه مثقف بالقراءة حتى إذا دخلتَ معه في محاورة عرفتَ أثر القراءة فيه وما هذبته منه. والناقد قبل أن يكون مثقفا هو متعلم، فلا يتطاول عليك بالزعيق، ناظرا إليك عدوا لن يتغلب عليك إلا بالشتائم وهذا هو ديدن الفارغين.
وميدان العلم متسع وطريقه طويلة، ولا يمكن للمرء أن يستغني عن التعلم، وإذا استغنى مكتفيا بما عنده فكأنما يحكم على نفسه بالجهل. ومن هذا الباب نظل نبحث عمن يضيف إلينا مزيدا من العلم، ونقدم الامتنان تلو الامتنان لمن يعرفنا أخطاءنا ويدلنا على نواقصنا.
ومعلوم أن الحوار في مسائل النقد يقتضي الصدق مع الآخرين، والرد في إطار الموضوع المتحاور فيه، وليس منابزة بالألقاب وتحاملا واغترارا، بل هو النقاش المتوازن والاستناد إلى العلمية من أجل فهم المشكلة والإحاطة بأبعادها بدقة. والحوار أيضا تواصل ثقافي ليست الغاية منه تبادل وجهات النظر فقط، بل الوصول إلى ما هو صحيح بقوة الحجة ومنطقية الأدلة العلمية والإثباتات الموضوعية. ولو كان المعلق فواز مدركا أن الحوار من ضرورات النمو الفكري، وأن القراءة مهمة في الإجابة عما يلهج به ـ بمناسبة وغير مناسبة ـ من الجمل الطنانة حول (أسئلة الثقافة، سؤال المثقف، تساؤلات ثقافية.. إلى آخره من مفرداته المستهلكة) لكان أتى إلى لب الموضوع، وناقشني في ما أخذته عليه من مآخذ ومغالطات تضمنتها مقالته (الرواية سردنة التاريخ وفاعلية المتغير) ولكن العكس هو ما حصل، إذ ترك المآخذ وراح على ديدنه في الخبط والخلط يشرِّق ويغرِّب، وعنده الكتابة (لعبة تدوينية). وفاته أن النقد الأدبي علم، وليس كما ذهب (فالنقد ليس علما) وطبيعي بعد ذلك أن لا يفرق بين المصطلح والمفهوم، ممررا من خلال ذلك المغالطات والأفكار الخاوية كأمر شائع خبرناه بعبارته المكرورة (قضايا إشكالية/ وعي إشكالي/ إشكالات تاريخية) حاسبا أن هابرماس يحتاج إلى اعتراف بما بعد الحداثة وهو صاحب المقولة المعروفة (الحداثة مشروع غير مكتمل).

بهذه الطريقة يصبح النقد تدبيجا إنشائيا، خطورته أنه يتخذ من المغالطة طريقا، ومن الأسئلة دريئة يخفي بها الكاتب خلو وفاضه، حتى إذا واجهتَه بإخفاقاته وخطأ مسلكه تهرَّب من لبِّ ما أخذته عليه إلى ما لا علاقة للنقد به.

ولا ينفع مع علم النقد اللعب على الكلمات من خلال مسك القلم وتركه على هواه يدبج ما يرد على خاطر حامله من مفردات وأسماء بلا مسؤولية ولا معرفية جهلا بأجهزة النقد الاصطلاحية ومفاهيمه ونظرياته التي لا مجال معها للتقافز عليها والتطاول على أهلها ومن تخصص فيها.
والنقد ليس فهلوة واحتيالا، إنه مدارسة تحتاج تكريسا، والتكريس يعني جهدا ووقتا كبيرين كي يتمكن المرء من أداء الوظيفة النقدية ويصح عند ذاك أن يوصف بأنه ناقد. والناقد لا يستعمل مفهوما أو يأتي إلى نظرية إلا وهو على دراية كافية بدلالة ذاك المفهوم وحقيقة تلك النظرية.
أما من يأتي إلى النقد من دون مدارسة وتكريس، فطبيعي جدا أن يكون فهمه للنقد تعلة، به يحقق مكاسب معينة. ولا يهمه بعد ذلك أن يجمع ما اختلط عليه فهمه حول (الحدث والخبر والحكي) فيكتب (لكن ربط الخبر والحدث بفاعلية التمثّل السردي، هو الأفق المختلف الذي يتقشّر فيه الحكي، أو الحدث أو الخبر من مباشرته وعموميته) أو يدمج فعل القراءة بفعل السرد فيكتب (تغيّر عادات القراءة، تعني تغيّرا في تقانات الكتابة الروائية، حيث فقد الراوي العليم كثيرا من وظائفه، وحتى الطريقة البروبية) أو يجمع المؤرخ بالسارد والتخييل بالوثائق في جملة واحدة فيكتب (وهو يُعطي للسارد وظيفة تتجاوز وظيفة المؤرخ، إذ لا يملك الثاني طاقة التخيّل، ولا امتلاك جرأة الحفر في بنيات النصوص والوثائق).
بهذه الطريقة يصبح النقد تدبيجا إنشائيا، خطورته أنه يتخذ من المغالطة طريقا، ومن الأسئلة دريئة يخفي بها الكاتب خلو وفاضه، حتى إذا واجهتَه بإخفاقاته وخطأ مسلكه تهرَّب من لبِّ ما أخذته عليه إلى ما لا علاقة للنقد به، وأعني بازارات البقالة (وعلوات المخضر) ومعلوم ما يحصل فيها من تدافع ومخادعات وسرقات وتدليسات، وما من مجال للدفاع عن النفس سوى بفتل العضلات والهمز واللمز وإسقاط ما في النفس من دنو وبما تعفه الأخلاق الكريمة. ويمنعني الوقار من أن أهبط إلى مستوى صاحب التعليق الذي عكس بطريقته في الرد ما أُسقط في يديه، وبدلا من أن يردَّ عن نفسه ما جردته منه، راح يلجأ إلى العبارات الفارغة السمجة.
ولا أتفاجأ من هذا السلوك فأمراض الوسط الأدبي تزايدت، وتم التفريط بالسياقات التي أسسها الرعيل الأول واتباعهم المخلصون لمنطلقاتهم، وكان أول المفرِّطين بها هم أدعياء الثقافة والطارئون على الأدب. الأمر الذي يحتاج علاجا ناجعا. وأتشرف أني شخصتُ بعض تلك الأمراض. وأعلم أن هذا الأمر لا يقبله الأدعياء والهامشيون وأنه يؤجج الضغائن التي في نفوسهم لكن الوعي النقدي والشعور بالمسؤولية هو الذي يحملني على تحمل ذلك كله. فالحقيقة هي مطلبي ولن أتوانى عن كشفها. ولأني أثق بمعرفية نقاد واحترم شخصياتهم دخلت في حوار معهم، وقد ذكر المعلق بعضا منهم. وبالتأكيد هو ليس أفضل منهم في معرفة أهمية ما تحاوروا به ومن حاوروه، كما أني دخلت في حوار مع نقاد لا أثق بناقديتهم وأعلم أني سيلحقني من جهلهم كثير لكن المسؤولية تقتضي مني أن أكاشفهم. فحين أجد أحدهم يسطو على نظرية، أكتب كي يكف، وإذا تمادى أحدهم وأدعى أن تقانة ما هي جنس أدبي، فإني أخوض معه نقاشا معرفيا بغية تصويب الخطأ، وحين أجد أن أحدهم يغالط ويدعي ما ليس له، أقف أصاديه أيا كان حجم ثقله الإعلامي وموقعه الوظيفي. ولست مهتمة برأي كاتب كعلي فواز بمشاريعي النقدية التي حظيت بتقدير عال من كبار نقادنا في مشرق الوطن العربي ومغربه ومؤسسات ثقافية وعلمية محترمة أكاديمية وغير أكاديمية خارج العراق وداخله، في حين لم أقرأ حتى هذه اللحظة رأيا إيجابيا بما يكتبه الفواز.
ولأن ما أردته من حواري معه هو تعريفه بوجهة النظر التاريخية للسرد، لذا اقترح عليه أن يُعيد قراءة مقالتي أعلاه جيدا كي يستوعب ما فيها. وبعد إعادة القراءة والتملي فيها، اقترح عليه أن يقرأ ما كتبه المتخصصون الآخرون حول هذا الموضوع. وعند ذاك سيعرف الفرق بين الرواية الواقعية والرواية التاريخية، وبين تعدد الأصوات والقراءة والتلقي، وبين فلاديمير بروب وهايدن وايت.. وسيجد إجابات وافية عن تساؤلاته، وهو المولع بمفردات (الأسئلة ـ السؤال ـ المساءلة) غير أن لا أثر مقنعا لها في مجمل ما يكتب.

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية