رواية «خضرا والمجذوب»: حفرٌ ثقافي في السرديات المحلية

الكتابةُ مُتعدِّدةُ الأصوات والرُّؤى

يُطالِعُنا نفسٌ صوفي عرفاني في الارتباط بين السارد ومعشوقَتِه، فبعد دورة الحياة، من الطفولة والمنشأ إلى ما بعد التقاعُد، يُؤْثر الأوبةَ إلى بيتِ الوالدَين بالدُّوار واستصلاحه من جديد، حتى يبقى قريبا من عين خضرا منبع الماء والعشق المجالي. إن العلاقة وثيقةٌ بين الأدب والتاريخ، وهنا يُقدم الكاتبُ عبد المالك المومني نصا شبيها بالإسطوغرافيا، إذ اختارَ مجالا جغرافيا مُحدّدا وقدّم سرديتَه التاريخية بجوانبها الاجتماعية، البيئية، الأنثروبولوجية، الفلكلورية، والإثنوغرافية.

الموروث الشعبي

في هذا النص ذي الأبعاد والمكونات الخطابية المُتعددة، يحتفي الكاتبُ بالموروث الشعبي، خصوصا الشفهي، ويَرقى باللغة المُتداوَلة إلى مصاف الشعرية، نورد لذلك مثالا: لالة خضرا غبرت وبانت/ شحال مّا بْلات زيانت» يتواصل هذا الاحتفاء، فيضعُنا الروائي أمام شخصيةِ الرجل الغريب/ المجذوب، وهو يُنشِد في وصفِ خضرا: مولاتي خضرا/ الزينة العذرا/ مرة جنة خضرا/ ومرة خالية صحرا/ هي ما تعذر/ ونا من غرامها/ عمري ما نبرا».
وما هي إلا بضعُ صفحات حتى يُفاجئَنا السارد، مُوضِّحا من تكون خضرا، إنها حسب المقول الروائي: « خضرا أو لالا خضرا هي الاسم الشعبي لمَولاة هذه العين». إلى هنا يظهر على سطح المسرود الحكائي رجلٌ فصيح في عاميَته، فنشعُر كأنه امتدادٌ روحي للسارد الرئيسي، أو قرينُه، إنه الأنا الآخر على حد قول السارد واصفا إحساسَه تجاه الرجل الغريب.
يعتمد المومني تقنيات سردية متنوعة، تساعد القارئ في تنويع النفَس القرائي وتنأى به عن المَلالة، من بينها تقنيةُ الحوار كوسيلةٍ للخطاب المعروض، حيث تُفصح الشخصيات عن رؤاها الخاصة، وتُبئِّر المواضيعَ والأحداثَ من منظورها السردي الخاص، فتكون تلك فرصةً فنية لاطْلاع القارئ على مجموعةٍ من المُعطيات وتقديم الإضاءات المتعلقة بالمكان والأحداث، من ذلك مثلا حوارُ السارد مع الشخص الغريب، وحوارُه التفصيلي مع شخصيةِ صاحب السيارة المقبلة من وجدة إلى العين الخضرا، قبل أن يتضح لاحقا، ومن خلال الحوار، أنه مهندسُ مياه ومقاول. إننا نعرف عبر الحوار تفاصيلَ كثيرة حول هذه العين الناعسة أو الركّادة التي تشكل رمزا طوبونيميا، يدل على مكوناتٍ ثقافية وفنية للمنطقة، وهي تفاصيل تُثري وتُنير الخلفيةَ المعرفية للسارد من أجل استيعابِ الرهان الروائي، لاسيما أن هذه العين تشكل البؤرةَ السردية في بناءِ العمل، حتى إنها تحتلُّ واجهةَ الغلاف، سواء من حيث عبارة خضرا كجزء مُشكّل للعنوان، أو من حيثُ لوحةُ الغلاف التي تدل على المنبع المائي للعين. والعنوانُ كما يقول جاك ديريدا شبيهُ القمة أو التاج، إنه يتحدث من أعلى النص. لذلك، فإن صوتَه يحمل دلالةً ومعنى مُتعاليا له قوةٌ تكثيفية.
إن الرواية جنسٌ أدبي مرنٌ بمُكنته توظيفُ واستثمارُ أشكال تعبيرية متنوعة، أدبية وغيرها، وهو ما أفلح فيه الكاتب بشكل لافت، إذ صاغ نصَّه الروائي مُتَّكِئا على خيرةٍ من الروافد والمُستنَدَات التعبيرية المختلفة، من ذلك مثلا توظيفُ مقاطع شعرية وامِضة تُفيد في تكثيف الدلالة السردية، لاسيما حول الشاغل الرئيسي، ألا وهو زينة العيون، أي العين الناعسة. كما توظِّف الروايةُ فنَّ الحكاية الشعبية بامتياز، والمروي الشفهي من الحكم والأقوال، والأزجال، وقصص الكرامات، والأشعار. إنه انتصارٌ للمحلية واحتفاء بالمروي الشعبي، كعلامات فنية مائزة في تكوين الهوية الجمعية.
وهنا يحضُرنا ميخائيل باختين، إذ يربط ظهورَ الرواية بأسباب مختلفة، في مقدمتها الثقافة الشعبية، من خلال مظاهر الكرنفال الذي كان تعبيرا عن الأصوات الشعبية، فهي فضاءٍ إبداعي مُتعدّد الأصوات، من حيث قدرتُها على استيعاب وهضم كثيرٍ من أشكال التعبير السابقة واللاحقة عليها، ممّا يمنحُها هويةً وحياةً دائمة ومستمرة، فهي مَرنة بحيث يُمكِنُها أن تضم في طياتها كلَّ أشكال الخطاب والتعبير الإنساني.

رواية بوليفونية

بهذا الشكل نكون أمام رواية بوليفونية، متعددة الخطابات والأصوات، حافلةً برُؤى ووجهات نظر أثْرت النصَّ ورفدَته بمقوّمات معرفية وجمالية عدة، والملاحَظ أن كل نوع من هذه الخطابات يوظَّف بشكل غائي وقاصد، بحيث يفيد في إغناءِ وإفادة المتلقي بمعلومات مُهمة حتى يستكمل الرحلة القرائية، تُضاف إلى ذلك الأقوالُ الحكائية على لسان الكوّال/ المجذوب، ثم مُحاورات أعضاء جمعية قدماء مدرسة الناعسة، والتدوينات التي كتبوها بعد أن تفرقوا داخل وخارج المغرب، وغيرها من الصيغ السردية.
اللافت في نصِّ «خضرا والمجذوب» أن المجال، أي العنصرُ الطبيعي لفضاء العين الركّادة، يُشكل الشخصيةَ المحورية في المسرود الروائي، وقليلا ما نجد الروايةَ المغربية تحتفي بموضوع الماء رغم ما له من أهميةٍ مصيرية ورمزية. إنه احتفاءٌ بالجانب الإيكولوجي، من خلال ثيمة الماء، لذلك نجد أن الفصل أو المقطع السردي الأول يحمل اسم «ماء» علاوة على أن البؤرة التي تتفجر منها ينابيع السرد وتتدفَّق منها عروقُ البناء الحكائي هي موضوعةُ الماء، بحيث إنها تشكل ما يُسمّى في النظرية الظاهراتية المُتعاليات النصية، لأنها حاضرةٌ في كل جزء من النسيج الروائي، إنها أشبَه بالحروف والكلمات والمعاني التي قُدَّ منها النصُّ الروائي.

الميتالغـة: الروايـة تتحـدث عن نفسـها

تتحدث الكتابةُ عن نفسها وتتّخذ ذاتَها موضوعا للقول والتأمُّل، إذ يُعلن السارد رغبتَه في أن يكتب كتابا حول محبوبته التي يُسمِّيها خضرا، يتركُ أنفُسَنا مشدودة دون الإتيان على ذكر التفاصيل في البداية، ثم يتّضح مع المُتواليات السردية أن السارد أستاذٌ اسمُه أحمد، شديدُ الولع والارتباط بمسقط رأسِه، حيث توجد العين. وهذه الأرضيةُ التمهيدية جعلَته مُؤهَّلا لأن يهتم بسرديةِ جغرافيا الانتماء، ما يدفعُه إلى الكتابة عن العين، حتى إنه اشتهر بين الناس كونَه مجنونا في حبها، وما يأتي منها. تأسيسا على ما سبق نفهم حضورَ الكتابة الروائية داخل النص، أي حين تتحدث الكتابة عن ذاتها وتحتفي بالخلق الإبداعي، لنستمع إلى السارد: «وقال العالمون أو المتعلمون رجعي القلم والمقال، مفتر قوال.. باك على الخرائب والأطلال… مخترع قصص لا يعرف كيف يحكيها أو يسديّيها… ولا كيف يبدؤها ولا كيف يُنهيها… احتكر الدراية والرواية في عين خضرا الناعسة ادعاء.. وليس لأحد معه أو بعده أن يقول فيها شيئا… وكأن القول قوله… ولا قائل فيها غيره» بل إن السارد يتوجه بالكلام مباشرة إلى القُّراء في نوعٍ من المصاحبة والميثاق، مثال ذلك قوله: «وإنما هي ابنة الهيمان بالنبع النعسان، الذي تعرفون عنه ما تعرفون وما ستعرفون». كما نقرأ ما جاء على لسان عبد الكريم متوجِّها بالكلام إلى صديقِه أحمد: «لماذا لا تكون لوحةَ غلافٍ للحكاية الرواية التي تكتبُها كما أخبرتَنا». ثم إن القفلة الروائية التي يُنهي بها الساردُ المُجريات تكون عبر وصيةٍ يُودِعُها لصديقه عبد المجيد، طالبا منه الاحتفاظَ بجهاز Usb، يحتوي ما كتبه الساردُ من الرواية، وهو على متن سيارةِ الإسعاف بعد أن دخل في غيبوبةٍ جرّاء مكروهٍ ألمّ به حينما كان واقفاً بمكان عشقِه المجالي في عين خضرا. وهي إشارةٌ ختامية تُكثِّف حالةَ الارتباط الوجودي بين الإنسان والمكان، والحلول في هويةٍ واحدة حدَّ الهذيان والفَناء.

التقنيـات الزمنيـة في تسريد الحكاية

يُخالف المومني النمطيةَ الخطيةَ السردية، إذ يبدأ من الآن، الزمن الراهن كأنه تمهيدٌ سردي يتعاقد به مع القارئُ هنا والآن. وفيما بعد يرتدُّ سرديا إلى الماضي البعيد، ماضي الطفولة، ويجعل ذلك الماضي السردي يأخذ بدوره تفرُّعاتٍ مُتوازية تتجمّع خيوطُها ببراعةٍ ودقة في الذاكرة، بحيث إن الذاكرة تُعادل الانتصارَ للمحلية ضد المحو. ومن خلال هذا الاسترجاع السردي يؤسّس الكاتبُ لعلاقةِ السارد أحمد بالعين، فقد كانت تقع على الطريق المُؤدّي إلى المدرسة، فكانت له ملاذا يوميا، ونشأت بينهُما وشائجُ وثيقةٌ ارتقتْ إلى درجةِ المُخايَلات وأحلامِ اليقظة والرُّؤى الليلية في نوعٍ من الغرابة الروحية بين طفل وعين ماء تتجسد في صفات امرأة ساحرة خلاّبة. وهكذا يتحرك السارد بكل رشاقةٍ بين الأزمنة السردية في بنيةٍ مُركّبة تعدُّدية، مُعتمدا تشكيلةً من التقنيات، منها: الحذف، الوقفات الوصفية، الاستباق، الاسترجاع، الحوار الداخلي، الرسائل الرقمية، والملاحظ أن هذه التقنيات الزمنية في تسريد الأحداث والوقائع جعلت النصَّ حافلا بالمفُاجآت والتشويق وتقليب وجهات النظر، من ذلك مثلا أننا نَظل لا نعرف تفاصيلَ الشخص الغريب صاحب الأقوال الزجَلية عالية الشعرية الناضحة بالحكمة، ولا تفاصيلَ شخصيةِ خضرا الدلالة، كما نبقى غير عارفين خفايا شخصيةِ صاحب الضيعة، إذ يُلْمح السارد، ثم يمضي عبر التقنيات السردية إلى تفريع آخر، وهكذا دواليك. لكن المُفاجآت تحدث بين فينةٍ وأخرى فنُدرك مُعطيات أكثرَ حول الشخصيات الروائية بشكل يشُدُّ الأنفاس.
ختامـا، بعيدا عن الرهان المباشر الذي يقترحه النص، يمكن أن نَمضي قُدما بالدلالة التأويلية للنص، ونقول إن الارتباط بالجغرافيا المحلية قد يكون رمزا حول الارتباط بالوطن كمجالِ انتماءٍ عام، وتكريسِ قيم المُواطنة والارتباط بالمجال. وإذا كانت التدوينات والمواقف التضامُنية لقُدماء تلاميذ وأطر منطقة العين الناعسة، اهتمت بمشروع إعادة الاعتبار لفضاء العين وتأهيلِها، فيُمكن أن يكون ذلك دعوة لتآزُر جهود أبناء الوطن الصادقين وتكافُلهم من أجل الوطن وإصلاح ما اعتوَره من فساد وسوء تدبير.
إننا نتفاعل مع كتابةٍ روائية بملامحِ السيرة الذاتية الفردية، لكن بروحٍ جماعية تحتفي بالذاكرة والمجال الإنساني والطبيعي، إنه نوعٌ من الوفاء لجذور الانتماء، ضدا على الهوس الإسمنتي الذي يمحو روح الأمكنة ويُدمّر الأبعاد الرمزية للمجال والعُمران، كيف لا ونحن مع سارد كان أستاذا للجغرافية الثقافية يعرف كيف يَقُدُّ الروحَ من الحجارة.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية