القاهرة ـ «القدس العربي»: انتهى ثلث الشهر الكريم وابتلع العالم وعوده التي أطلقها قبل أسابيع بشأن استحالة استمرار المذابح التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، خلال الشهر الفضيل، تلك الوعود التي قطعها بايدن ورفاقه، ذهبت أدراج الرياح، إذ يشاهد العالم بأسره كل يوم الغزاويين يفطرون على موائد القتل، التي تعد لهم طيلة نهار الشهر الكريم، دون أن تجرؤ الأنظمة على التنديد بالمؤامرة التي تعد برعاية أمريكية، وتبلغ المأساة ذروتها حينما يبدو مليارا مسلم وعربي موزعون على قارات العالم المختلفة، غير مؤثر أو مستعدين لممارسة ضغوط على حكوماتهم لتوقف المقتلة المقامة للشهر السادس على التوالي للشعب الذي يواجه اعتى قوة بدون دعم يذكر.. واستقبل الرئيس السيسي وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن والوفد المرافق له، بحضور سامح شكري وزير الخارجية، واللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة. توافق الجانبان المصري والأمريكي على أهمية استمرار الجهود المشتركة في الأوضاع الراهنة في قطاع غزة، وضرورة اتخاذ كل الإجراءات لضمان نفاذ المساعدات الإنسانية لأهالي القطاع، ورفض تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم بأي شكل أو صورة، وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المستشار الدكتور أحمد فهمي، بأن وزير الخارجية الأمريكي نقل للرئيس السيسي تحيات الرئيس بايدن وتقديره لدور مصر الراسخ في إرساء السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما ثمنه الرئيس، مشيدا بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين، واستمرار التشاور إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية. وأضاف المتحدث الرسمي أن اللقاء تناول الأوضاع الراهنة في قطاع غزة، حيث تم استعراض آخر مستجدات الجهود المشتركة للوساطة، بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتبادل المحتجزين. وشدد الرئيس في هذا الصدد على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، مشيرا إلى ما يتعرض له القطاع وسكانه من كارثة إنسانية ومجاعة تهدد حياة المدنيين الأبرياء، ومحذرا من العواقب الخطيرة لأي عملية عسكرية في مدينة رفح الفلسطينية، كما شدد الرئيس على ضرورة التحرك العاجل لإنفاذ الكميات الكافية من المساعدات الإنسانية للقطاع، مؤكدا ضرورة فتح آفاق المسار السياسي، من خلال العمل المكثف لتفعيل حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ومن جانبه أشاد الوزير الأمريكي بالجهود المصرية للدفع تجاه التهدئة، مؤكدا حرص الولايات المتحدة على التنسيق والتشاور بهدف استعادة الاستقرار والأمن في المنطقة، وقد توافق الجانبان على أهمية استمرار الجهود المشتركة في هذا الصدد، وضرورة اتخاذ الإجراءات كافة لضمان نفاذ المساعدات الإنسانية لأهالي القطاع، ورفض تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم في أي شكل أو صورة.
وبمناسبة الذكرى التي تنتظرها ملايين الأمهات ورفض الكثير من رجال الدين اعتبارها عيدا، قالت دار الإفتاء أن الاحتفال بيوم الأم أمرٌ جائزٌ شرعا ولا حرج فيه ولا إثم على فاعله، بل هو أحد مظاهر البر والإحسان المأمور بهما شرعا؛ فقال تعالى في سورة لقمان، الآية 14 “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إليّ الْمَصِيرُ”. وأشارت فتوى الدار، إلى أنه لا يوجد في الشرع ما يمنع من أن تكون هناك مناسبة يعبر فيها الأبناء عن برهم بأمهاتهم؛ فهذا أمرٌ تنظيمي لا علاقة له بمسألة البدعة التي يتحدث عنها كثير من الناس.
المخرب وصل
ها هو أنتونى بلينكن، وزير الخارجية (الإسرائيلى)، القابع في البيت الأبيض، حسبما وصفه عبد المحسن سلامة في “الأهرام” يقوم بجولة سادسة في المنطقة، لخدمة مصالح تل أبيب، وحمايتها، ورعايتها، والتحدث باسمها، في إطار جولة شهرية مكوكية يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي (أقصد الإسرائيلي) منذ اندلاع الحرب على غزة، ودخولها شهرها السادس. بلينكن جاء إلى المنطقة والجوع يُخيِّمُ على كل سكان غزة، والمثير في الأمر اعترافه في مؤتمر صحافي بأن جميع سكان غزة يعانون «مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد»، والأمر نفسه أكده البيت الأبيض حينما أشار في بيان له إلى أن إدارة بايدن تشعر بقلق بالغ إزاء تقرير عن «مجاعة وشيكة» في غزة، بعد أن أعلن المرصد الدولي للجوع، الذي تعتمد عليه الأمم المتحدة، «أن نقص الغذاء في غزة تجاوز بالفعل مستويات المجاعة بكثير، وأن السكان سيموتون من الجوع، إذا لم يتسن التوصل إلى هدنة فورا». كل هذا وأمريكا تكتفي بالكلام، ويقوم وزير خارجيتها بدور وزير خارجية إسرائيل، ويذهب إلى تل أبيب ليقدم لها كل أوجه الدعم، والحماية، في وقت يهدد فيه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، باجتياح رفح لارتكاب أكبر مجزرة بشرية بحق 1.5 مليون نازح جاءوا إليها من كل مكان في غزة بتعليمات من الجيش الإسرائيلي، بعد اجتياح كل مناطق القطاع، وإجبار السكان على الاتجاه إلى رفح جنوبا. قبل زيارة بلينكن ارتكب الجيش الإسرائيلي مذبحة جديدة في مستشفى الشفاء، وقتل المرضى، والمصابين، وقام بتدمير الأجهزة، والمعدات، والمباني في جرائم حرب، وأعمال إبادة جماعية لم يشهد لها التاريخ مثيلا. كل ذلك يوضح أسباب جولة بلينكن في المنطقة التي يقوم خلالها بنشر الأكاذيب، وتبرير العدوان، والمجازر الإسرائيلية، والحديث الوهمي عن المساعدات، وضرورة زيادتها، والكلام مزدوج المعنى، والمضمون عن ضرورة الحد من الخسائر البشرية، لكنه في الوقت ذاته لا يتحدث عن وقف شامل، ونهائي لإطلاق النار لإنقاذ 2.5 مليون مواطن فلسطيني من الموت جوعا. للأسف الشديد كشف بلينكن عن انحيازه (الأعمى)، ووجه أمريكا (القبيح) خلال جولاته المكوكية الست، التي لم تقدم شيئا سوى مزيد من الدعم للنازيين الجدد في إسرائيل، والاكتفاء بـ «مصمصة الشفاه» عن القتلى، والمصابين، والجوعى الفلسطينيين، ما يؤكد مشاركة أمريكا (عمليا) في أكبر عملية قتل، وإبادة، وتخريب في التاريخ الإنساني الحديث.
بشروط إسرائيلية
بدأ وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن جولته السادسة للمنطقة بزيارة السعودية ثم مصر لمناقشة الجهود الرامية لضمان اتفاق فوري لوقف إطلاق النار، بشروط إسرائيلية تضمن حقوقا للكيان الصهيوني المحتل، مع إجراءات ضئيلة لضمان وقف إطلاق نار نهائي. وتأتي زيارة بلينكن حسبما اطلعنا محمود الحضري في”المشهد” في وقت تجري فيه محادثات برعاية قطرية ومصرية بشأن وقف إطلاق النار، وسط مماطلة صهيونية واضحة، في وقت يسعى فيه الوزير الأمريكي لبحث الوسائل الكفيلة بإنهاء هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، باعتبارها من هموم واشنطن ليس مع الحوثيين فقط، بل مع إيران. ومن المهم أن ندرك بأن تلك الجهود تأتي في أجواء ملغمة بمماطلة إسرائيلية واضحة، وتسويف لكسب الوقت بكل الطرق، دون تقديم أي ضمانات لوقف حرب الإبادة، وإصرار على تنفيذ عملية برية في رفح المكتظة بالسكان. ما يهم إسرائيل إطلاق سراح الرهائن المحتجزين، ومنحها الفرص التي تضمن استمرار الحرب بكل الوسائل للقضاء على ما تسميه بجيوب “حماس”، لتحقيق أهداف استراتيجية، بدأت تتحدث عنها وسائل إعلام صهونية. وتشمل هذه الأهداف، القضاء الكامل على حماس وقواتها وما يضمن لها عدم تكرار ما جرى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتسعى قوات الاحتلال إلى كسب الوقت للقضاء على حركة حماس، وتحرير الأسرى والمحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، دون ثمن مقبل لتبادل الأسرى. ومن خطط وأهداف إسرائيل، العمل على تصفية القضية الفلسطينية، بعمليات إبادة لأكبر عدد ممكن من المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة. ونشرت وسائل إعلام أن إسرائيل تعمل حاليا على فصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، باقتطاع ما يقرب من نصف مساحة القطاع بشق طريق من الشرق إلى الغرب في وسط وشمال قطاع غزة.
الحسم مطلوب
الأخطر في المخطط الصهيوني من وجهة نظر محمود الحضري يتجاوز كل الحدود، بإعادة احتلال قطاع غزة وتفريغه من السكان، تمهيدا للاستيلاء على حقول الغاز الطبيعي قبالة شواطئ غزة، والعمل على تنفيذ مخطط قناة “بن غوريون” لربط خليج العقبة بالبحر الأبيض المتوسط، التي تمثل تهديدا مباشرا لمصر ومنافسة لقناة السويس. وفي ظل هذه المخططات الصهيونية تستمر المماطلة الإسرائيلية التي تحيط بأي مفاوضات، سواء تلك التي تجري في الدوحة للتهدئة، أو تلك التي يقوم بها وزير الخارجية، خصوصا أن تل أبيب لم تعد تعطيه أي اهتمام، ووصل الأمر إلى حد إحراجه وتجاهله. الأمر الذي يعنينا أن يتحقق هو تكثيف الجهود الدولية لزيادة المساعدات الإنسانية إلى غزة، والتنسيق بشأن التخطيط لما بعد الحرب على غزة، وإيجاد سبيل سياسي للشعب الفلسطيني مع ضمانات أمنية مع إسرائيل، وبناء السلام والأمن في المنطقة، وفق حل الدولتين. ولا بد أن تكون رؤيتنا في أي مفاوضات، هي مواجهة قوية لمخطط المماطلة الذي يعمل عليه رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو، من خلال إطالة أمد الحرب، حتى يحقق الأهداف المعلنة وغير المعلنة، ومحاولاته لإرجاء أي حديث حول وقف الحرب على غزة، وأي حديث عن استقرار الأوضاع فيها، وعودة النازحين من الجنوب إلى شمال القطاع، وسعيه للتركيز على قضية الإفراج عن الرهائن. من هنا يجب أن تكون لغة الحسم هي سيدة الموقف في أي مفاوضات ومناقشات، وبحدة قوية تؤكد ثبات مواقفنا في قضايانا الوطنية، وحقوق الشعب الفلسطيني في مختلف الأراضي المحتلة.
من حيث لا تتوقع
ضربة جديدة تتلقاها إسرائيل من حيث لا تتوقع، بعد أن قررت حكومة كندا وقف تصدير الأسلحة لها، وذلك بعد قرار للبرلمان الكندي صدر بأغلبية كبيرة (204 أصوات ضد 117) وهو ما يعبر وفقا لجلال عارف في “الأخبار”، عن تغيير كبير في الرأي العام، بعد أن تهاوت الروايات الإسرائيلية الكاذبة وظهرت حقائق المذبحة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل ضد شعب فلسطين الواقع تحت الاحتلال الصهيوني منذ عشرات السنين. قد لا يكون حجم صادرات السلاح الكندي لإسرائيل كبيرا (من 20 ـ 25 مليون دولار في آخر عامين) لكن أهمية القرار أنه يفتح الملف الأخطر بالنسبة لإسرائيل، التي تعرف جيدا أنها ما كان لها أن تشن حرب الإبادة الحالية أو تستمر فيها، لولا أن مخازن السلاح الأجنبي (خاصة من أمريكا وبعض دول الغرب) كانت ـ وما زالت ـ مفتوحة على مصراعيها لتوفر لآلة القتل الإسرائيلية ما يلزمها لإضافة المزيد من الشهداء إلى أكثر من 30 ألف فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء. لم تكن مخازن السلاح الأمريكية المقامة داخل إسرائيل كافية لخمسة شهور من القتل الهمجي، فأرسلت أمريكا أكثر من 300 طائرة و50 سفينة شحن لتنقل أطنان الأسلحة الفتاكة لآلة القتل الإسرائيلية متجاوزة حتى القوانين الأمريكية بشأن المساعدات العسكرية. ما أثار اعتراضات تصاعدت داخل مجلس الشيوخ ومطالبات بوضع حد لتسليح إسرائيل، ما أجبر الإدارة الأمريكية على طلب التعهد الإسرائيلي باحترام القوانين الدولية، وعدم استخدام السلاح الأمريكي ضد المدنيين.. والكل يعرف أنه تعهد بلا أي قيمة ولا أي مصداقية بدرجات مختلفة.. تواجه حكومات غربية عديدة الموقف نفسه والتساؤلات نفسها من رأي عام لم يعد يقبل أكاذيب إسرائيل، وهو يشاهد الحقائق على الأرض، ويدرك بشاعة المذابح الصهيونية، ويرفض أن تستمر الجريمة الإسرائيلية أو يستمر تواطؤ بعض الحكومات معها بتوفيرها للسلاح والدعم المالي والسياسي. مع قرار كندا سوف تتزايد الضغوط على الحكومات التي ما زالت ترسل السلاح لحكومة نتنياهو وبن غفير، والتي لم يعد في إمكانها أن تخفي حقيقة أن سلاحها كان أداة لقتل آلاف الأطفال والنساء الأبرياء في فلسطين، وأن استمرارها في تسليح إسرائيل لا يعني إلا أنها مصممة على أن تكون شريكة في “حرب إبادة” ستحاسب عليها، وسيكون الحساب عسيرا.
رهان خاسر
المجتمع التقليدي في قطاع غزة متنوع مثل نظائره في المنطقة وغيرها. لم يكن وفق ما يرى الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام” على قلب رجلٍ واحد في الموقف تجاه الصهاينة منذ بداية خططهم الاستعمارية. كان لمعظم العشائر أدوارُ وطنيةُ مشهودة. ولكن بعضها تعامل مع الاحتلال قبيل نكبة 1948 وبعدها. اختلفت أشكالُ هذا التعامل ودرجاتُه من الوساطة والمساعدة غالبا إلى العمالة أحيانا. وقد حدث مثلُ ذلك في كثيرٍ من البلدان التي أُخضعت للاستعمار. وإذ تبحث سلطة الاحتلال الصهيوني الآن عن خونةٍ لإدارة مناطق القطاع بعد انتهاء العدوان، تُراهنُ على أنها قد تجدُ في بعض العشائر من يخونون وطنهم، مثلما فعلت عندما أنشأت روابط القرى في الضفة الغربية بعد احتلالها. قاطع أهل الضفة تلك الروابط، ونظَّموا حملاتٍ ضدها حتى أفشلوها. ومع ذلك يُعيدُ المعتدون المحاولة الآن، وربما يُراهنون على أن تكون نتيجتُها مختلفة بسبب تغير الظروف. ويبدو أن الإصرار على استمرار فصل شمال القطاع، خلال مفاوضات تبادل الأسرى، هو جزء من رهانها هذا، ومحاولةُ لإرغام سكانه الصامدين على الخضوع لإدارات يُديرها بعض أبناء العشائر التي تقبل أداء هذه الوظيفة المُخجلة. وحسنا فعلت الهيئة العليا للعشائر الفلسطينية عندما رفضت هذه المحاولة، منذ أن بُدئ في الحديث عنها في مطلع العام الجديد، وكررت هذا الرفض مراتٍ على لسان كلٍ من رئيسها والمُتحدث باسمها، ولا تتركُ قيادتُها فرصة إلا أكدت فيها هذا الرفض، غير أن موقفها المُشَرِف لم يمنع سلطة الاحتلال من التواصل مع بعض العشائر، خاصة في شمال القطاع، كلا على حدة. وتعليقا على اجتهاد 2 مارس/آذار (البحث عن خَوَنة)، تلقيتُ من أحد الصحافيين الموثوق في مهنيتهم ما يفيدُ بأن هذه المحاولة قوبلت برفض العشائر التي أُجريت اتصالاتُ معها، بمن فيها عشيرة راهنت عليها سلطة الاحتلال لأداء هذه الوظيفة في شرق مدينة غزة وجنوبها الغربي. ويبدو أن مصير الرهان على تجنيد أفرادٍ بمعزل عن شيوخ عشائرهم وعائلاتهم لن يكون مُختلفا، رغم ما نُشِر في صحيفة “إسرائيل اليوم” الأسبوع الماضي عن خلافٍ بين جهاز الشاباك ونتنياهو على تسليحهم.
صدق تشرشل
كان ونستون تشرشل رئيسا لوزراء بريطانيا في زمن الحرب العالمية الثانية، وكان يردد دائما أن الديمقراطية ليست أنسب أنظمة الحكم كما قد يتصور بعض الناس، وأن المشكلة هي أن العالم لم يتوصل بعد إلى نظام حكم أفضل منها، وإلى أن يتوصل لذلك ستبقى الديمقراطية أفضل نظم الحكم التي عرفها البشر. ولو أنك على حد رأي سليمان جودة في “الوفد” بحثت عن عاصمة تعيد تذكيرك بزاوية محددة في هذا المعنى الذي عاش تشرشل يردده، فلن تجد إلا تل أبيب التي تتخذها الدولة العبرية عاصمة لها. ذلك أن الذين يتابعون الحرب الوحشية التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو على المدنيين في قطاع غزة، يكتشفون أن هذه الحكومة تقول عن نفسها إنها جاءت من خلال العملية الديمقراطية المعتادة إلى مقاعد الحكم، وسوف يكتشفون أنها تمارس ما تمارسه باسم هذه الديمقراطية، وأن المظاهرات التي خرجت تحتج في تل أبيب لم تفلح في إزاحتها عن مقاعدها، لقد دمرت غزة وحولتها إلى ركام، وقتلت النساء والأطفال فيها، وتجاوز عدد الذين قتلتهم الثلاثين ألفا منذ بدأت الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وكلما احتج العالم واعترض قالت إنها حكومة منتخبة، وأن الناخب الإسرائيلي هو الذي جاء بها، وأنها تفعل ما تفعله باسم ناخبيها.. وقد يكون هذا صحيحا، ولكن الأصح منه أن هذا الناخب نفسه عاجز عن تغييرها، وغير قادر على طردها من مقاعدها.
ساس ويسوس
الناخب الإسرائيلي وفقا لما انتهى عنده سليمان جودة عاجز عن ذلك وغير قادر، رغم أن آخر استطلاعات الرأي التي جرى الإعلان عنها في إسرائيل يوم الخميس 7 مارس، تقول إن الثقة في هذه الحكومة تراجعت من 28% عند بدء الحرب إلى 23%، وهذا معناه أن الانتخابات لو جرت اليوم فسوف تسقط حكومة نتنياهو بالتأكيد. ومع ذلك كله، فالحكومة لا تزال في مقاعدها، ولا تزال تدمر وتقتل، ولا يزال الناخب الذي جاء بها عاجزا عن إخراجها.. وهذا أمر لم يحدث من قبل في تاريخ إسرائيل كله.. ففي كل مرة مماثلة أو مشابهة من قبل، كانت الانتخابات تجري على الفور، وكان رئيس الوزراء يتغير، وكانت حكومة جديدة تأتي. إلا هذه المرة التي يعرف نتنياهو فيها جيدا، أن إجراء انتخابات جديدة لا تتوقف نتائجه عند حد تغيير حكومته، وأن النتائج سوف تمتد إلى محاسبته ووقوفه أمام العدالة مرتين: مرة عن قضايا فساد متهم فيها من أيام ما قبل الحرب، ومرة أخرى عن مسؤوليته عن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وعن تقصيره الذي أدى إلى وقوع الهجوم، وفى الحالتين فإن الإدانة تنتظره ومن بعدها العقوبة التي ستراها العدالة مناسبة. كان الأستاذ الإمام محمد عبده يكره السياسة، وكان يلعنها ويلعن كل مفرداتها، وكان يقول لعن الله السياسة، وساس، ويسوس.. ولا بد أن كل متطلع إلى ما تمارسه حكومة التطرف في إسرائيل يردد ما كان يردده الأستاذ الإمام، ولكن مع الديمقراطية ومفرداتها هذه المرة.
ليس مجنونا
هل هو مجنون كل من يؤيد الفلسطينيين ويتعاطف مع المحاصرين منهم في غزة.. هل يحتاج لتأهيل وعلاج نفسي كل من يرفض دعم إسرائيل ويساندها فيما تقوم به.. وأسئلة أخرى كثيرة اهتم بها ياسر أيوب في “المصري اليوم” بعد هذا الذي جرى خلال الأيام القليلة الماضية للملاكم الأمريكي الشاب ريان جارسيا.. وكان ريان قبل الذي جرى مؤخرا والمولود في كاليفورنيا 1998 قد استهوته الملاكمة وهو لا يزال في السابعة من عمره وبدأ يلعبها بالفعل بعد عشر سنوات كمحترف يحلم بيوم يصبح فيه بطل الولايات المتحدة. وبقيادة والده كمدرب له ووالدته كمديرة لأعماله.. حقق ريان حلم عمره وأصبح بالفعل أحد أبطال العالم في الوزن الخفيف وليس بطلا للولايات المتحدة فقط.. وخاض ريان 25 مباراة فاصلة فاز في 23 منها، 19 بالضربة القاضية وخسر اثنتين فقط.. وكأي شاب أمريكي.. نجحت الميديا الأمريكية في إقناعه بأن إسرائيل مجتمع من الملائكة محشور وسط غابة من عرب إرهابيين ومجرمين وقتلة. وحين بدأت الحرب في غزة.. كان من الطبيعي أن يؤيد ريان إسرائيل ويدين كل ما يقوم به الفلسطينيون.. لكن لأن حرب غزة كانت أول خسارة حقيقية سواء للميديا الأمريكية أو العالمية الداعمة طول الوقت لإسرائيل مهما جرى.. فقد توالت صور وحكايات صادقة وحقيقية لمعاناة الناس في غزة، وأدت لتغيير أفكار وأحكام كثيرين جدا في العالم منهم ريان جارسيا نفسه.. وقر ريان التبرع بعشرين مليون دولار بعد مباراته المقبلة في 20 أبريل/نيسان أمام ديفيد هايني، لأطفال وأهل غزة.. وكان ريان قد تقاضى في آخر مباراتين له 35 مليون دولار، ما يعني أن 20 مليون دولار ليس مبلغا مستحيلا بالنسبة للبطل الأمريكي.. ولم يكن المبلغ هو وحده المشكلة.. إنما مبدأ التبرع نفسه وتعاطف نجم كبير مع غزة.. وبسرعة كان التحرك الإسرائيلي لمواجهة ذلك. وفوجئ ريان بضغوط هائلة لإلغاء مباراته المقبلة.. والإعلان بأن سلوكه في الفترة الأخيرة أصبح مضطربا للغاية وليس مستقرا نفسيا ورؤاه مشوشة.. ولابد من خضوعه لاختبارات نفسية لمعرفة هل يستطيع الملاكمة أم لا.. ولأن ريان يعرف مقدما نتيجة هذه الاختبارات ويتوقع إلغاء المباراة.. فقد قام مؤخرا بتصوير فيديو بكى فيه وهو يصرخ قائلا إنه ليس مجنونا، لكنه يتعرض لحرب يقودها من لا يريدونه في حلبة الملاكمة.. ولا أحد حتى الآن يعرف هل ستقام المباراة أم سيبقى ريان مجنونا يؤيد الفلسطينيين.
ضمير غائب
مسألة انخفاض الأسعار ترتبط بضمير التاجر والمصنّع والمورّد. والضمير لا يحكمه إلا أخلاق وقيم. وأحيانا حسب الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار” يحكمه الردع والقانون. وإذا كانت الحكومة قد اتخذت الإجراءات اللازمة لخفض أسعار السلع. يبقى الدور المهم على التاجر والصانع والمورد. لهذا أؤيد ما قاله المستشار محمد الحمصاني المتحدث باسم مجلس الوزراء: «الدولة عملت اللي عليها يتبقى المصنعين يعملوا اللي عليهم.. الوضع الحالي لا يمكن يستمر. الحكومة مستعدة لاتخاذ مجموعة من الإجراءات إذا استمر الوضع الحالي الخاص باستمرار ارتفاع الأسعار. مثلما تم التعامل مع أزمة السكر وارتفاع سعره بسبب الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج. ولهذا ستضخ الحكومة خلال الأيام المقبلة 300 ألف طن سكر، لإتاحة المزيد من المعروض وضبط الأسعار. نبه الحمصاني إلى أن الارتفاع في مستوى الأسعار يؤدي إلى استمرار التضخم وزيادة أسعار الفائدة. وهو ما يضر الجميع، المواطن والمصنع والتجار. ولا بد من خفض الأسعار من جانب التجار والمصنعين، في ظل توافر السلع والإفراج عن مستلزمات الإنتاج وتراجع سعر الدولار. ويتم التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي، ومتابعة مستمرة لنتائج القرارات الاقتصادية، وتأثيرها في حركة الأسواق، والانتقال بمستويات التضخم إلى مسار نزولي. ومن نتائج ذلك يتم الإفراج الجمركي عن السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج من الموانئ المختلفة. وتم بالفعل في الفترة الأخيرة الإفراج عن عدد كبير من السلع الغذائية والأدوية والأعلاف ومستلزمات الإنتاج، وهو ما سيسهم في توافر السلع والمنتجات بالأسواق، ويحقق توازن الأسعار. لقد بدأت الحكومة تنفيذ برنامج الإصلاحات الهيكلية، لتحقيق مرونة وصلابة أكبر للاقتصاد المصري. ويشهد قطاع الصناعة اهتماما غير مسبوق، بهدف زيادة الإنتاج والتصدير، وكذا قطاعات الزراعة والسياحة والاتصالات، وهي القطاعات المحددة ضمن برنامج الإصلاح الهيكلي. الآن ينتظر المواطن ردا إيجابيا من الموردين والمصنعين والمنتجين والتجار على رسالة الحكومة لهم، ووضع حد لاستمرار الارتفاع في أسعار السلع، رغم الجهود المبذولة من الحكومة.
كي لا تتكرر المأساة
هذا العام كان الأصعب بالنسبة لأعباء الديون الخارجية، لولا إبرام اتفاق رأس الحكمة، والاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتوفير الاتحاد الأوروبي حزمة تسهيلات تمويلية، وتقديم البنك الدولي لنا تمويلا إضافيا.. فاتفاق رأس الحكمة وفق عبد القادر شهيب في “فيتو”، وفر لنا 24 مليار دولار وشطب 11 مليار دولار من ديوننا الخارجية.. واتفاق الصندوق حسب إحصاء رفع قيمة قرضه لنا من ثلاثة مليارات دولار إلى ثمانية مليارات دولار، فضلا عن مليار دولار إضافية.. والاتحاد الأوروبي وفر لنا 7.4 مليار يورو.. البنك الدولي وفر لنا قروضا تبلغ ستة مليارات دولار.. وقبل ذلك كان هناك الاتفاق مع دول عربية خليجية على مد آجال ودائعها لدى البنك المركزي المصري. ولكن من يتأمل ذلك سوف يكتشف أن حزم التمويل المختلفة التي أتيحت لنا هي كلها بمثابة قروض، ستضاف إلى مجمل ديوننا الخارجية، باستثناء التمويل الذي أتيح لنا من خلال مشروع رأس الحكمة. وإذا عدنا إلى الوراء قليلا سوف نكتشف أيضا أن هذا العام كان الأصعب بالنسبة لأعباء ديوننا الخارجية، لأننا أفرطنا قبلها في الاقتراض من الخارج، واستخدمت هذه القروض في تمويل مشروعات تحقق ربحا آجلا.. وبالتالي علينا أن نحترس في الاقتراض من الخارج.. تكفينا قروض الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.. خاصة أن هذه القروض باستثناء قروض البنك الدولي سوف تستخدم في غير تمويل مشروعات استثمارية جديدة، وسوف يتركز استخدامها في سد الفجوة الدولارية، إننا لا نبغي مؤكدا تكرار ما واجهنا هذا العام بالنسبة لأعباء الديون الخارجية.. حتى يتحقق ذلك نحتاج لاستمرار ترشيد اقتراضنا من الخارج.. مثلما نحتاج لترشيد استيرادنا من الخارج أيضا.
الشفافية المفتقدة
انتهى محمد نعمان نوفل في “درب”، إلى ضرورة إحراز الشفافية الكاملة في عرض الصفقات الكبرى التي تقوم بها الحكومة بصفتها اللاعب الرئيسي حتى الآن في النشاط الاقتصادي، وكذلك صفقات الاقتراض من السوق المحلي والخارجي ومبررات الاقتراض وكل ما يتعلق به من التزامات مالية. أما القدر الحزين لهذا الجنيه الحزين هو عدم شفافية مالية الدولة لدينا ميزانية وزارة المالية، وميزانيات 59 هيئة مستقلة، وأكثر من ثلاثة آلاف ميزانية للصناديق الخاصة وميزانيات الجهات السيادية. المعروف من كل هذه الميزانيات، ميزانية واحدة فقط هي ميزانية وزارة المالية. معلومات المالية العامة، أي بيانات الإنفاق العام تعد أهم رافد لتقييم العملة الوطنية، لأنها أكبر كتلة مالية في الاقتصاد، وبياناتها غير متوفره بالكامل لدى الحكم على الجنية الحزين. هذه الحزمة من المؤشرات الاقتصادية ضرورية لتوضيح ملامح الأداء الاقتصادي الذي يقف خلف قيمة العملة، لأن قيمة العملة ناتج للأداء الاقتصادي أي عرض للاقتصاد وليست جوهر أزمته. عندما يتأزم الاقتصاد تتأزم العملة وقيمتها في حد ذاتها أحد مؤشرات الأزمة، وليست هي الأزمة كما فهم القائمون على إدارة السياسة الاقتصادية، فأوقعونا في ما نحن فيه. من ناحية أخرى حزمة هذه المؤشرات المشار إليها تصنع سياجا معلوماتيا حول العملة يحميها من أثر شائعات المضاربين، والمخاطر الناجمة عن افتراضات التحوط المستقبلي بشأن قيمة الجنيه، حيث تلعب فروض التحوط المتشائمة (سواء بحسن نية أو سوء نية) دورا تدميريا لقيمة العملة، ما يحفز المضاربة السلبية عليها. توافر المؤشرات الاقتصادية ذات المصداقية، ونشدد على مصداقية المؤشرات وشفافيتها، له دور مهم ليس فقط في حماية الجنية المصري، ولكن في حماية الاقتصاد الوطني لأن تحرير العملة، دون حماية معلوماتية سوف يصبح أحد منافذ استنزاف الاقتصاد الوطني، خاصة أن الجنيه المصري من العملات النادرة التي تعتمد على عملة تقييم وحيدة هي الدولار ولذا من السهولة تماما المضاربة عليه، فهو ليس محميا بسلة عملات قد تحميه جزئيا من المضاربة. غير أن الجنيه الحزين ألقي به إلى السوق الحر بلا أي دعم معلوماتي قوي، في عشوائية شديدة شأن كل الخطوات العشوائية في الإدارة الاقتصادية.
عادت أيامه
ملامح سياسة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، في الشرق الأوسط بدأت تتسرب هذه الأيام من جديد، عبر آراء جاريد كوشنر، زوج ابنته، وكبير مستشاريه في فترة رئاسته السابقة. في محاضرة ألقاها كوشنر منذ أسابيع في جامعة «هارفارد»، ونُشرت مؤخرا في صحيفة «الغارديان» البريطانية، واهتم بتفاصيلها عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم” أشاد الرجل بجهود إدارة ترامب لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وقال في ما قال: «إن على إسرائيل ترحيل المدنيين خلال عملها على تطهير قطاع غزة من المقاومة الفلسطينية، إلى صحراء النقب أو مصر». هكذا سمى كوشنر الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة بـ«التطهير»، وهذا هو رأيه للحل: «التهجير». كلام كوشنر لا ينفصل تماما عن عمله الأصلي في العقارات عندما وصف العقارات المطلة على الواجهة البحرية في قطاع غزة بأنها «ذات قيمة كبيرة»، حيث إنه لم يكن معنيا تماما بالحرب أو بالقصف، بل بقيمة العقارات المطلة على البحر. كان ترامب قد كلف صهره كوشنر بمهمة التوصل إلى اتفاق نهائي بين إسرائيل والفلسطينيين في مطلع عام 2017، عندما كان المستشار الشاب (36 عاما وقتها)، المتخصص في سوق العقارات في نيويورك، والذي لا يمتلك أي خبرة على الساحة الدولية. فقد أصبح أحد أهم اللاعبين في تنفيذ ما يسمى (صفقة القرن) التي تبناها ترامب، فقد قلب المعايير وخلق صداقات جديدة وتنازلات مفاجئة، وأحدث اختراقا غير متوقع في نهاية ولاية والد زوجته. ويتمثل هذا الإنجاز بتطبيع بعض الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل، وهو أمر لم يحدث منذ 25 عاما. والأهم أن كوشنر نفسه خرج بشبكة علاقات هي الأهم لدى رجل أعمال مثله. ونعود لما قاله كوشنر في محاضرته، حيث دعا إسرائيل إلى أن تبذل قصارى جهدها لنقل الفلسطينيين من المنطقة وتنظيف القطاع تماما، ملمحا إلى صعوبة إعادتهم من جديد إلى وطنهم. وعن الأماكن التي ذكرها كوشنر في خطابه لترحيل الفلسطينيين إليها، صحراء «النقب»، وقال إنه يجب إنشاء منطقة آمنة هناك، ونقل المدنيين إليها، يعود كوشنر (43 عاما) برؤية مقلقة، لا نعلم إلى أي مدى يتبناها حماه.