واشنطن لم تكن تنتظر «صفعة النيجر» وستنسق مع باريس لمواجهة الصين وروسيا في أفريقيا

حسين مجدوبي
حجم الخط
2

ألغت النيجر الاتفاقية مع الولايات المتحدة بعد شهرين على توقيع اتفاقية تعاون عسكري مع روسيا. وبهذا تخسر الولايات المتحدة قاعدة النيجر الحيوية لمراقبة منطقة الساحل ومنها الجنوب الليبي.

لندن ـ «القدس العربي»: في قرار مفاجئ، قررت دولة النيجر طرد الجيش الأمريكي من أراضيها منهية التواجد العسكري الغربي. ويعتبر القرار من نتائج التغيير الحاصل في الرؤية الجيوسياسية للكثير من الدول ومنها في أفريقيا منذ الجائحة وأساسا بعد حرب أوكرانيا وقطاع غزة. هذه التطورات قد تدفع باريس وواشنطن إلى التنسيق وتجاوز التنافس الذي كان بينهما بسبب وجود منافسين كبار من الروس والصينيين.

وهكذا، ألغى المجلس العسكري الحاكم في النيجر، السبت من الأسبوع الماضي، اتفاق التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، واعتبر وجود قوات أمريكية على أراضي البلاد غير شرعي ويتعارض مع مصالح النيجر ودستورها. والمثير أن قرار النيجر يأتي بعد مباحثات استمرت ثلاثة أيام مع وفد أمريكي بقيادة مساعد وزير الخارجية مولي فيه حل بهذا البلد الأفريقي، ولم ينجح الوفد الأمريكي في تليين مواقف السلطات النيجيرية. وكان البلدان قد وقعا اتفاقية التعاون العسكري خلال سنة 2012.
وجاء القرار النيجيري بعد قرار مماثل سابق أنهى اتفاقيات التعاون العسكري والأمني مع فرنسا التي تعود إلى سنة 1977 حيث رحلت القوات الفرنسية نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي. وأقدمت النيجر على إلغاء الاتفاقية مع الولايات المتحدة بعد شهرين على توقيع اتفاقية تعاون عسكري مع روسيا. وبهذا تخسر الولايات المتحدة قاعدة النيجر التي تعتبر حيوية لمراقبة منطقة الساحل ومنها الجنوب الليبي. وأقام البنتاغون في منطقة أكديز قاعدة 201 للطائرات بدون طيار تراقب مجمل أفريقيا الغربية كلفتها أكثر من 110 مليون دولار، وتحتضن 1100 جندي.
وتساءل أكثر من محلل عسكري وسياسي أمريكي ومنهم خبراء موقع «ديفانس وان» العسكري أنه: لماذا قررت النيجر، وهي البلد الذي كانت الولايات المتحدة تعتبره حليفًا آمنًا في أفريقيا العام الماضي فقط، فجأةً طرد الجيش الأمريكي من البلاد بعد انقلاب عسكري؟ هذا التحدي من دولة تعتبر في خانة الدول الصغيرة التي لم يكن يعتقد الغرب أنها قادرة على فرض تصوراتها جعلت ناقوس القلق يدق في وزارتي الخارجية والبنتاغون في واشنطن بشأن النفوذ الأمريكي ليس فقط في أفريقيا بل العالم.
ويمكن فهم القرار النيجيري استنادا إلى أسباب مختلفة، منها، رغبة دول الساحل إنهاء الوجود الغربي سواء الأوروبي أو الأمريكي لأنه غير مفيد نهائيا لشعوب منطقة الساحل. وكانت بعض الحكومات قد اتهمت دولا غربية ومنها فرنسا بالتورط في الإرهاب أكثر من محاربته. في الوقت ذاته، أغلب الدول التي طردت الغربيين شهدت انقلابات عسكرية ولا تريد ضغوطات غربية لعودة الديمقراطية. وأخيرا، ترى هذه الدول فائدة في التعاون مع قوى جديدة مثل تركيا والصين وروسيا أحسن بكثير من التعاون مع الغرب. ويوجد معطى آخر لم تقبله النيجر من تصرف واشنطن وهو قرار الأخيرة بشأن مبيعات النيجر من اليورانيوم، إذ جرى الحديث عن صفقة محتملة مع إيران. وكان الرئيس جو بايدن بنفسه قد نبه إلى هذا الموضوع.
وشهدت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب يوم الخمييس من الأسبوع الجاري مناقشة لقرار النيجر المفاجئ، ونسب الجنرال مايكل لانغلي، رئيس القيادة الأمريكية في أفريقيا تصرف حكومة النيجر إلى سياسة التضليل التي تنهجها روسيا على حساب ضرب صورة الغرب ومنها الولايات المتحدة في منطقة الساحل. وتذّرع بتوفر الجيش الروسي على ميزانية ضخمة للتضليل الإعلامي بينما وزارة الخارجية الأمريكية تفتقر لميزانية مشابهة تساعد الجيش الأمريكي في منطقة الساحل، مطالبا بضرورة تدارك هذا الخلل.
ولم يكن البنتاغون ينتظر قرارا مثل الذي اتخذته النيجر، وكان يعتقد في أن طرد دول الساحل لفرنسا هو نتاج مرحلة تصفية الحقبة الاستعمارية وتدخل باريس بشكل غير لائق في القضايا الداخلية لدول المنطقة. غير أنه اكتشف واقعا مختلفا عندما أمرته النيجر بمغادرة البلاد في أقرب وقت. ولهذا كان تعليق بعض الصحافة الفرنسية على قرار النيجر بنبرة الانتقام. وعلقت جريدة «لوبنيون الفرنسية» في مقال لها منذ أربعة أيام على هذا المستجد بأن «النجير الدولة ما قبل الأخيرة في التنمية البشرية وجهت صفعة قوية تعتبر إهانة القرن إلى القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم التي هي الولايات المتحدة عندما أمرت القوات الأمريكية بمغادرة النيجر».
والواقع أن منطقة الساحل ضمن دول أفريقية أخرى تشهد تغييرا جوهريا في موقفها من القضايا الدولية ومنها التعاون العسكري. وراهنت هذه الدول على الصين وروسيا إبان الجائحة بعد ما أدار الغرب ظهره لها. وخلال التصويت على إدانة روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال اذار/مارس 2022 عند بداية حرب أوكرانيا، فضلت غالبية هذه الدول إما التصويت ضد القرار الغربي أو الامتناع عن التصويت. وقال وقتها الجنرال ستيفن تاونسند، القائد السابق للقوات الأمريكية الأفريقية «أفريكوم» أمام الكونغرس منتصف اذار/مارس 2022 «لقد كان مزعجا بالنسبة لي أن نصف القارة الأفريقية لم يصوت لإدانة الكرملين لغزو أوكرانيا في تصويت الأمم المتحدة يوم 2 اذار/مارس».
وأورد الموقع العسكري الفرنسي «أوبكس 360» الأحد الماضي وجود تفكير أمريكي-فرنسي بشأن إنشاء قواعد مشتركة بين البلدين في غرب أفريقيا لمواجهة روسيا والصين وكذلك محاربة الإرهاب في منطقة استراتيجية للغرب وخاصة أوروبا. وكانت جريدة «لوموند» الفرنسية قد تحدثت عن هذا التصور خلال كانون الثاني/يناير الماضي. ويبرز «أوبكس 360» احتمال انتقال باريس وواشنطن إلى تطبيق التعاون الثنائي بدل المنافسة التي كانت فقط في صالح موسكو وبكين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية