مشاركة الإسلاميين من عدمها محورية ليس فقط بالنسبة لكوادرها وقواعدها، ولكن أيضا لأحزاب الوسط التي تريد أن ترى ما هي حصتها في ظل الإجابة على ما بعد تلك الانتخابات.
عمان ـ «القدس العربي»: في الحساب الانتخابي المباشر لم يقل زعيم حزب جبهة العمل الإسلامي أكبر التعبيرات الحزبية في البلاد إن حزبه لن يشارك في الانتخابات المقبلة.
وما قاله الشيخ مراد العضايلة في آخر تصريحات ملف الانتخابات هو فقط التأشير على الأولويات بعنوان غزة أولا باعتبارها شأنا داخليا أردنيا ملحا ويشكل خطورة ثم الانتخابات وملحقاتها.
صحيح أن المكاتب التنفيذية في الحركة الإسلامية ومؤسساتها لم تقرر بعد المشاركة بالانتخابات لكن صحيح أيضا أنها لم تقرر مقاطعه تلك الانتخابات وصحيح بالمقابل أن عملية الاستفتاء للكوادر بدأت.
يعلم التيار الإسلامي لماذا يقرر فجأة أن يقول رأيه بالملف الانتخابي متأخرا، فالأصل كما يردد العضايلة دوما المشاركة والمقاطعة هي الاستثناء.
بالمقابل قطعت أحزاب الوسط المرتبكة الى حد ما على الأقل في حساباتها الانتخابية مسافة واسعة وهي تستعد لمرحلة 2-24 وتتحدث مع الجمهور وحصريا بالمحافظات حيث نسبة الاقتراع هي الأعلى بكثافة.
ويقدر عضو مجلس النواب النشط يزن شديفات على هامش نقاش مع «القدس العربي» بأن الضرورة المنطقية تفترض بأن الأحزاب السياسية ديناميكية الآن بعد مسار تحديث المنظومة السياسية والرؤية وينبغي أن تتمثل ضمن حصتها في القوائم الوطنية الحزبية. وما يلفت شديفات النظر له توفر إمكانية لتمثيل الجميع قدر الإمكان في حال الاجتهاد والحركة وسط المواطنين والتمتع بالأهلية.
مسألة «تمثيل الجميع « بين القوى الحزبية تبدو صعبة. ورغم أن ردة فعل أو تعليق حزب جبهة العمل الإسلامي تأخر قياسا بحملات النشاط التي يبادر بها وأسس لها الجدار الوسطي في الأحزاب السياسية إلا أن فكرة مشاركة الإسلاميين من عدمها وبصرف النظر عن اعتبارات معركة الطوفان وتداعياتها وتجاذباتها على الداخل الأردني بقيت وستبقى محورية ليس فقط بالنسبة لكوادر وقواعد جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات المسيسة في البلاد نفوذا في الوسط الاجتماعي، ولكنها فكرة مهمة أيضا لأحزاب الوسط النشطة التي تريد ان ترى أين تتموقع وما هي حصتها في ظل ليس فقط الانتخابات المقبلة والمتوقعة في العشرين من شهر أب/اغسطس المقبل، ولكن في ظل الإجابة على السؤال الأهم وهو ما بعد تلك الانتخابات حيث تجربة قد تكون فريدة وغير مسبوقة لتشكيل حكومات أغلبية برلمانية من دون أن يتضح بعد ما إذا كانت تلك الأغلبية ستدار من الأحزاب الرئيسية من الداخل أم الخارج وبأي طريقة؟
كتل الأغلبية تحت قبة البرلمان هي التي ستوصي بالوزراء ورئيسهم.
والمؤشرات كثيرة في الساحة التي توحي بأن زحام أحزاب الوسط على جثة مفترضة لتمثيل الإسلاميين تحديدا يبقى مجرد نظرية فيها قدر كبير من الفوضى برأي المحلل والمتابع السياسي مروان الفاعوري الذي يرى ويقرر أن إطلاق تعددية حزبية تستند على تفعيلات بيروقراطية تستهدف حصرا تيارا دون آخر لا يمكن القول بأنه الوصفة الأفضل لا نحو تمثيل برلماني ولا نحو تحديث سياسي في الواقع. يشترك الفاعوري مع غيره في القاعدة التي تقترح بأن يسمح لكل التعبيرات الحزبية بدرجة من التساوي والموازاة بتمثيل نفسها في النشاط.
وفي الوقت ذاته تنشغل السلطات أيضا بمسألة حصة التيار الإسلامي مستقبلا في برلمان 2024 كما تنشغل جبهة الأحزاب الوسطية بتقاسم حصتها.
والتيار الإسلامي لا تحظى الانتخابات بالأولوية بالنسبة له ولا يبدو مستعجلا ولسببين حسب مصادر مطلعة جدا داخل الحركة الإسلامية أولهما، أن قواعد التيار مؤمنة بأن الأولوية لمعركة غزة وبأن كل جهد الوطن الداخلي الأردني ينبغي أن يتموقع ويتكثف في معركة طوفان الأقصى.
وثانيهما أن تعديل قانون الانتخاب بشكل متسرع قبل نحو شهرين لم يكن رسالة إيجابية بالنسبة للتأسيس لمنظومة النزاهة.
بكل حال وجود مسوغات عند جمهور التيار الإسلامي تدفع باتجاه مقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة بها لا يعني أن قادة التيار جاهزون للصدام الذي تفترضه اتجاهات المقاطعة مع الدولة والمؤسسات، فمثل هذا الموقف السلبي قد تكون تكلفته كبيرة.
وما أراد العضايلة التمهيد له هو القول بوضوح إن معركة غزة هي معركة الأردنيين وإن تلك المعركة أساسية في المعطى الانتخابي وحصرا عندما يقرر الأردنيون الإجابة على سؤال ما بعد غزة؟ وهو الخيار الذي لا تريده لا السلطات الرسمية بطبيعة الحال ولا الأحزاب الوسطية أو في إنتاج الكثير من الآراء والمقالات التي تقترح على الأردنيين الحرص على حالهم وشأنهم الداخلي ووطنهم وعزل سياقات الملف الفلسطيني عن قضاياهم الداخلية. وهو ما رد عليه سلبا ورفضا طبعا الشيخ العضايلة باسم غالبية ساحقة من المواطنين الأردنيين ترى ان ذلك لم يعد خيارا أو ممكنا في ضوء ما بعد غزة والتهجير في الضفة الغربية.
قد يثبت ذلك بأن كل محاولات إقصاء ملف معركة طوفان الأقصى وما يحصل في غزة والضفة الغربية عن بوصلة وعمق العملية الانتخابية الأردنية لاحقا إما فشلت أو في طريقها على الأرجح لفشل شبه مؤكد.