كلفة تأخير التكامل الاقتصادي المغاربي إهدار ثلاث نقاط من نسق التنمية

رشيد خشانة
حجم الخط
4

مع تقدم الأيام والأعوام، يزيد أمل إنعاش الاتحاد المغاربي ابتعادا عن التحقيق، وتخبو لدى جيل أو جيلين فرص السير نحو تعاون اقتصادي تكاملي. يُؤثر تأخير بناء مجموعة اقتصادية إقليمية، في شمال أفريقيا تأثيرا سلبيا، في الأوضاع الأمنية والعسكرية للمنطقة، على حساب المشاريع التنموية. ويظهر ذلك بشكل جلي في تضخُم الموازنات العسكرية للبلدان أعضاء الاتحاد (الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا) إذ أن غياب الثقة والاحتراس من الجار عززا التعويل على التسلح، بل وأشاعا مناخا من السباق على اقتناء أحدث الأسلحة، بوصفها الأداة الرئيسية للدفاع عن السيادة. وتخصص الدول المغاربية في المتوسط، حوالي 3.30 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للتسلح، وهي تُنفق نسبيا أكثر من أي بلد أوروبي، إذ لا تتجاوز هذه النسبة في البلدان الأوروبية 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتفيد إحصاءات رسمية أن موازنات الدول المغاربية مجتمعة لا تتجاوز بكثير نصف موازنة إسبانيا بمفردها. كما تفيد إحصاءات البنك الدولي بأن الفجوة بين موازنتي التسلح في الجزائر والمغرب أهم بكثير من موازنات الدول الثلاث الأخرى الأعضاء في الاتحاد. وتجاوزت واردات الأسلحة إلى الجزائر الواردات المغربية بأكثر من 15 مرة، حسب بيانات «معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام». ومردُ ذلك إلى الاعتقاد السائد بأن مصدر التهديد الأساسي المُحتمل يأتي من الجار الأكثر قوة، كما يقول المستعرب الاسباني ألفار فاسكونسلوس.

منافع جانبية

تستعيض الدول المغاربية عن اختلال التعاون بينها بالاتجاه نحو تعاون غير مكتمل مع أوروبا، وخاصة في إطار 5+5 وهو الإطار الجامع لخمسة بلدان أوروبية مُطلة على الحوض الغربي للمتوسط، ومثلها من البلدان المغاربية. لكن التجربة أظهرت أن المجال الوحيد الذي تحقق فيه تقدمٌ نسبيٌ للتعاون بين دول الضفتين هو المجال الأمني. وسيكون لبناء اتحاد مغاربي في مجال الدفاع تأثيرات كبيرة على حجم الانفاق وتحديد الأولويات التنموية لجميع بلدان المنطقة، إضافة لما يترتب على ذلك من منافع جانبية في المجالين السياسي والاقتصادي. لكن الواقع شيء آخر، إذ أن نسبة التجارة البينية في المغرب العربي لم تتجاوز 2 إلى 3 في المئة، بينما هي تفوق 30 في المئة في بلدان شرق آسيا ASEAN و20 في المئة في بلدان «مركوسور». مع ذلك يحتاج الاتحاد المغاربي إلى الاندماج الإقليمي، لأن من شأنه الترفيع من حجم السوق (أكثر من 100 مليون مستهلك) واستقطاب استثمارات من الخارج، وبالتالي دفع نسق النمو والتشغيل إلى الأمام.

نمو غير كاف

يرتدي موضوع التشغيل مكانة مركزية في البناء المغاربي، لأنه يشكل تحديا كبيرا لجميع الدول، فنسبة البطالة في البلدان المركزية (الجزائر والمغرب وتونس) تراوح بين 13.8 في المئة في الجزائر، و15.4 في المئة في المغرب و17 في المئة في تونس. أما بالنسبة للشباب (بين 15 و24 سنة) فهي ضعف تلك المعدلات في تونس والجزائر. وتعتبر هذه المعدلات بين الأعلى على النطاق العالمي. وبتعبير آخر فإن نسق النمو الحالي غير كاف لمجابهة تحدي طلبات العمل المتزايدة. وتفيد آخر التقديرات أن البلدان المغاربية تحتاج لإحداث ما يقرب من 490000 ألف وظيفة إضافية سنويا. وهذا يتطلب نسق نمو في حدود 6 إلى 7 في المئة من أجل المحافظة على نسب البطالة الحالية، التي تُعدُ مرتفعة جدا. وبتعبير آخر، فإن التكامل الاقتصادي، إذا ما تحقق، سيكون من آثاره، ليس فقط تنشيط التجارة البينية، وإنما أيضا تحقيق نسق نمو إضافي، وهو ما يُطلق عليه «كلفة اللامغرب» أو «كلفة تأخير التكامل». ولتقدير هذه الكلفة تعتمد النماذج الاقتصادية على المحاكاة، بوضع عدة فرضيات، تخص طبيعة الاندماج ونوعيته (صناعي فقط أو صناعي وزراعي، أو مُقتصر على الخدمات) ويترتب على ذلك إنشاء منطقة تجارة حرة. وهذا الهدف هو من أهم الأهداف الاستراتيجية التي تضمنها ميثاق تأسيس الاتحاد المغاربي في سنة 1989 والمؤدي نظريا إلى القضاء على جميع الحواجز الجمركية الحالية.

منطقة تجارة حرة؟

ويعتبر خبراء البنك الدولي أن السيناريو الأهم يتمثل في إقامة منطقة تجارة حرة، مع التركيز على الخدمات في هذه العملية، وهو أمر يتطلب إرادة سياسية مشتركة، تُقدم على إجراء إصلاحات هيكلية تشمل قطاع الخدمات وتحسين مناخ الاستثمار والحوكمة الرشيدة ودولة القانون، بما في ذلك استقلال القضاء ومقاومة الفساد. وتفيد دراسة البنك الدولي أن كلفة اللامغرب تتسبب بإهدار ثلاث نقاط من نصيب الفرد من الدخل، بينما أظهرت عملية المحاكاة، أن التكامل بين البلدان الخمسة يُحقق فوائد لها جميعا، أيا كان السيناريو المُتبع، وبالتالي يرتفع نسق نمو إجمالي الناتج المحلي إلى 7.5 في المئة بتونس، و6.6 في المئة بالمغرب و7.9 في الجزائر.
في هذا السياق أفادت دراسة لمؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية «أونكتاد» أن هناك قوة كامنة مهمة تُتيح مضاعفة مؤشرات التجارة البينية بضارب 4 أو 5 في المئة. كما أظهرت الدراسة أن حجم الفرص الكامنة في التجارة البينية يمكن أن يتضاعف أربع مرات، ليصل إلى حوالي 10 في المئة. وكشفت الدراسة هامشا هاما، خصوصا في المنتوجات الكهربائية والنسيجية ومكونات السيارات والألبسة.

تحرير التجارة البينية

وبالرغم مما تحقق، بتفاوت، من بلد إلى آخر، بشأن خفض الرسوم الجمركية، قياسا على تكتلات إقليمية أخرى، نلحظ أن نسبة الحماية ما زالت مرتفعة. ويبقى الإشكال الأساسي متمثلا بمدى التقدم في تحرير التجارة البينية، فعلى سبيل المثال لو اعتمدنا على مؤشر الحرية الاقتصادية، وهو يتألف من عشرة مكونات، من بينها مؤشر حرية التجارة، الذي يتراوح بين صفر (انعدام الحرية التجارية) ومئة نقطة (الحرية التجارية المطلقة) نجد أن متوسط البلدان المغاربية ضعيف، مع وجود فوارق بين البلدان الخمسة. والجدير بالتوضيح هنا أن الحواجز غير الجمركية، هي التي تُؤدي دورا سلبيا كبيرا وتُعيق التبادل البيني. ومعلوم أن تلك الحواجز خاضعة للتوجهات والسلوكات السياسية والإدارية المتنافرة. من هنا تظهر معضلة تباعد الاتجاهات الاقتصادية لكل بلد. ولا أحد ينكر أن كل مسار اندماجي بحاجة، حتى في مراحله الأولى، إلى قدر أدنى من الانسجام لتسهيل عملية التبادل، ومن ثم التكامل الاقتصادي. لكن لابد هنا من الاقرار بتفاوت المسارات الاقتصادية، فقد ولجت البلدان المغاربية مسارا انتقاليا جعلها تمرُ من اقتصاد مُسير إداريا وسوق داخلية محمية، حيث يلعب القطاع العمومي الدور الاحتكاري المحوري، إلى اقتصاد يخضع بشكل متصاعد لآليات السوق، مع دور تعديلي وضابط للإيقاع، مقرونا برفع الحماية وتحرير التجارة الخارجية وإيلاء دور متزايد للقطاع الخاص.

ماهية الاصلاحات

هذا التوجه الجديد بات أمرا واقعا تعيشه البلدان المغاربية بنسق مختلف من بلد إلى آخر. وإذا ما تناولنا هنا ماهية الإصلاحات الجارية والمرتقبة على السواء، ونسق إنجازها، نلحظ تعثرا وتفاوتا قد يُعقدان التلاقي والتلاؤم في التوجهات الاقتصادية. كما أن جهوزية القطاع الخاص وقابليته للعب دور فاعل، وقدرته على ذلك، قد تختلف من بلد إلى آخر، زيادة على أن مسارات اندماج البلدان المغاربية مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، تختلف في أبعادها الاقتصادية، مما يُعسر التلاقي أيضا، إذ تحل المنافسة محل التنسيق، والحال أنه لا يمكن لبلداننا المغاربية أن تحقق مكاسب معتبرة، في مساراتها الاندماجية بالاتحاد الأوروبي، مثلا، طالما ظل الاندماج بينها يشكو الضعف.
إجمالا يحتاج الاتحاد المغاربي إلى نقلة نوعية في المجال المؤسساتي، وهذا التحدي يتطلب توفير شروط سياسية دنيا، ومنسوبا جيدا من الثقة في الطرف الآخر، وإيمانا فعليا بالمصلحة الجماعية طويلة الأمد، على حساب جانب من المصلحة الوطنية قصيرة الأمد. وإلى جانب التداعيات السياسية والاقتصادية لتأخير بناء الاتحاد المغاربي، هناك كلفة اجتماعية لذلك التأخير، في ظل ارتفاع وتيرة الهجرة إلى أوروبا، النظامية منها وغير النظامية، وبلوغ البطالة مستويات قياسية.

نمو سكاني غير متوازن

 وتدل المؤشرات الإحصائية على أن أحد الانعكاسات الاجتماعية الخطرة لتأخير بناء تكامل مغاربي، هو بروز ظاهرة النمو السكاني غير المتوازن، نتيجة تراجع مستوى التنمية في الأرياف واتجاه سكانها إلى الإقامة في المدن، وهو ما أدى إلى ظهور مشاكل اجتماعية مختلفة في ضواحي تلك المدن. ويُتوقع أن أكثر من 75 في المئة من السكان المغاربيين سيعيشون في المدن في حدود 2025 ما عمق أزمة السكن في جميع المدن المغاربية تقريبا. كما أن القطاع الزراعي عرف تراجعا كبيرا نتيجة قلة الأيدي العاملة المتخصصة. وسيؤدي الاختلال في التوزيع الجغرافي للسكان إلى خلق تجمعات سرعان ما تتحول إلى أحياء عشوائية أو أحزمة فقر حول المدن الكبرى. وتساهم تلك الأحياء والأحزمة في زيادة درجات الإقصاء الاجتماعي والحرمان من الخطط التنموية، التي لا تستطيع مواكبة الظاهرة والتخفيف من حدتها.

تفكك بنيوي

في هذا السياق اعتبر أستاذ علم الاجتماع في جامعة سوق أهراس الجزائرية الدكتور فوزي بن دريدي أن التعليم يشكل أحد المؤشرات المهمة، التي يُعتمد عليها للتأكد من مدى تحقيق البرامج التنموية على الأرض. ويُلاحظ بن دريدي أن المنظومات التعليمية المغاربية ما زالت تعاني من التفكك البنيوي والوظيفي ما يساهم في تراجع مستويات الوعي المجتمعي في تلك البلدان. ويشير إلى أن توسع الأمية بات ظاهرة لافتة في البلدان المغاربية، فهي تشمل قرابة 37 في المئة من السكان، الأمر الذي يُعمق واقعي البطالة والهشاشة في آن معا. والمقصود هنا هي الأمية التقليدية (أي الجهل بالكتابة والقراءة) وليس المعايير الجديدة التي تعتمد في تعريف الأمية، على درجة الجهل باستخدام تقنيات الاتصال والتكنولوجيا الرقمية والإنترنت.

كلامٌ في كلام

وتشكل البطالة أيضا أحد التحديات الكبرى للبلدان المغاربية، والتي ما انفكت تتفاقم، بالرغم من الكلام الكثير، الذي يدور حولها في قاعات الاجتماعات الحكومية، في شمال المتوسط وجنوبه. وعلى الرغم من أن المنطقة المغاربية تستأثر بالقسم الأكبر من قوة العمل العربية، بنسبة 38 في المئة، فإن الرقم في ازدياد. وقد يتجاوز 50 في المئة. ويلاحظ بن دريدي أن البطالة تشمل جميع البلدان المغاربية، وأن 55 في المئة من طالبي العمل في تونس، هم من الشباب الحاصلين على مؤهل جامعي أو متوسط.
هذه النسب مُخيفة، فهي تشمل فئات الشباب العليا ذوي المؤهلات تحديدا، ما يزيد من مستويات الخطورة الاجتماعية، ويرفع من مستويات غياب الأمن الاجتماعي. كما أن البطالة تولد ظواهر لاحقة مثل الادمان على الممنوعات والهجرة غير النظامية وتزايد مظاهر الانحراف الاجتماعي.

 هجرة الأدمغة

ومن المخاطر التي تُهدد الكيان المغاربي أيضا ظاهرة هجرة الأدمغة، ففي الجزائر عبر أكثر من 50 في المئة من المستجوبين، من الفئة الشبابية، التي تتراوح بين 18 و35 عاما، عن رغبتهم في الهجرة إلى أوروبا. وهذه الاتجاهات السلبية لا تشمل الشباب غير المؤهل، بل إن الظاهرة أصبحت أكثر خطورة من الناحية الاجتماعية، وأيضا من ناحية القيم السائدة في المجتمعات المغاربية إذا ما نظرنا إليها من زاوية هجرة الكفاءات وأصحاب الخبرة. وأظهر تقرير صادر عن الجامعة العربية أن الجزائر والمغرب وتونس تبرز باعتبارها البلدان الأكثر إرسالا لهذه الفئة من المهاجرين، إذ بلغت الكفاءات المهاجرة من البلدان الثلاثة حوالي نصف الكفاءات المولودة في البلدان العربية والمقيمة في بلدان «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية». وتصل نسبتهم إلى 74 في المئة، إذا ما أضيف إليهم اللبنانيون والمصريون. وتتجه غالبية أولئك المهاجرين إلى فرنسا، التي استقطبت أكثر من 40 في المئة، فيما تستقطب الولايات المتحدة 23 في المئة وكندا 10 في المئة. ومن الظواهر التي تستدعي القلق والخوف من المستقبل أن الظاهرة في تنام مستمر. ويُتوقع تزايد حجمها في المستقبل بما ينجر عنه من هدر اجتماعي واستنزاف الموارد البشرية، وهي لا تساعد على اكتساب المهارات المتطورة، التي تحتاجها البلدان «المُصدرة» للكفاءات. وساهم في الوصول إلى هذا الوضع إخفاقُ الخطط التنموية، التي تم اعتمادها في المنطقة، وغياب نظرة موحدة تساهم في إيجاد الآليات التي تمكن من حرية الحركة داخل الفضاء المغاربي، من دون حواجز داخلية، وخاصة للكفاءات والأدمغة.
إلى جانب البطالة وهجرة الأدمغة، تُواجه المنطقة المغاربية آفة لا تقل خطورة عن الآفات التي استعرضناها، وهي آفة الفساد، فقد توصلت دراسة أجريت على مئة طالب في سنة التخرج من الجامعة عن وسائل الحصول على شغل بعد الظفر بالإجازة، فأجاب 75 في المئة من المستجوبين بأنهم سيلجأون إلى الاعتصام قبالة البرلمان، وأجاب 10 في المئة منهم أنهم سيعتمدون على معارفهم لبلوغ الهدف، أي أنهم سيستثمرون علاقات الزبونية والمحسوبية للفوز بشغل، فيما أكد 9 في المئة من المستجوبين أنهم سيلجأون إلى الرشوة للحصول على شغل، وأكد 4 في المئة منهم أنهم سيحاربون البطالة بإقامة مشاريع خاصة، وطرح 2 في المئة وسائل أخرى يمكن أن توفر شغلا، مثل استكمال الدراسات العليا أو الهجرة.
خلاصة القول إن الآفات التي يعاني منها المغرب العربي تحول دون إيجاد سوق مشتركة أو اتحاد جمركي مثلما كانت أمنيات المؤسسين، وهو ما جعل الاتحاد يصبح اليوم جسدا بلا روح.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية