لا يتعين على الرئيس الأمريكي بايدن عقد مؤتمر صحافي كي يوضح مكان “الخط الأحمر”. معارضته القاطعة لعملية واسعة في رفح كان قد طرحها في محادثة أخيرة له مع رئيس الحكومة نتنياهو، وكانت طرحت من قبل أيضاً أثناء زيارة غانتس لواشنطن وفي زيارة وزير الخارجية بلينكن للقدس في نهاية الأسبوع الماضي. التحذير الذي أرسلته نائبة الرئيس كامالا هاريس أمس في شبكة “اي.بي.سي” أوضح أن الرسالة لم تُستوعب بعد. والأهم أن صبر الرئيس نفد.
“كنا واضحين في محادثات كثيرة وبالطرق الممكنة، بأن عملية واسعة في رفح ستكون خطأ كبيراً”، قالت هاريس في مقابلة مع برنامج “هذا الأسبوع”. “سأقول لك شيئاً”، قالت في محادثتها مع الصحفية رايتشل سكوت، “فحصتُ الخرائط، هؤلاء الناس لا مكان لهم يذهبون إليه. مليون ونصف شخص نراهم في رفح، لأن هذا ما قيل لهم”.
كررت هاريس في أقوالها الرسالة التي أرسلها بلينكن في زيارته الأخيرة لإسرائيل. في تصريح قصير وقاطع، دعا بلينكن إسرائيل لتجنب تنفيذ عملية في رفح، وحذر نتنياهو من أن إسرائيل تخاطر بعزلة دولية. “دخول كثيف في رفح يبدو أنه ليس الطريق الصحيح”، قال. “سيؤدي هذا إلى مس بالمدنيين”. ملخص أقوالهما متشابه، لكن نغمة النائبة كانت أكثر حسماً، وتهديدها واضح. “نحن على وشك التقدم خطوة إلى الأمام. لكننا كنا واضحين حول وجهة نظرنا بشأن ما يجب أو ما لا يجب حدوثه”. هل تستبعدين إمكانية حدوث تداعيات من قبل الولايات المتحدة؟ سألت سكوت. لم تتردد هاريس وأجابت “لا أستبعد شيئاً”.
لم توضح هاريس الحديث عن طبيعة “التداعيات”، لكن سماع مثل هذا التهديد من نائبة الرئيس يدل بحد ذاته على انعطافة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. المساعدات الأمنية التي تحصل عليها إسرائيل كل سنة أصبحت لغماً سياسياً للإدارة الديمقراطية. رؤساء الجناح التقدمي في الكونغرس يدعون منذ أشهر (في حالة بيرني ساندرز منذ سنوات وعقود) لوضع شروط أمام إسرائيل للحصول على السلاح. ولكن قائمة السيناتورات الديمقراطيين الذين يشككون في حكومة نتنياهو آخذة في الازدياد في الفترة الأخيرة. مشرعون سياسيون يؤيدون الوسط – يسار، الذين يقفون إلى جانب إسرائيل بشكل تلقائي، أصبحوا يجدون صعوبة في فعل ذلك الآن. في الوقت الذي ما زالوا يناقشون فيه تسليح الجيش الإسرائيلي، أصبحوا لا يكلفون أنفسهم عناء إخفاء الاشمئزاز من نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.
منذ أن غير بايدن استراتيجيته وابتعد عن “عناق بيبي” وبدأ يوجه له انتقاداً بشكل علني، يعود ويطلب من إسرائيل الامتناع عن أزمة إنسانية في رفح. حتى إنه تحدث في هذا الشهر عن “خط أحمر” لم يرسمه بشكل صريح باستثناء القول إن الولايات المتحدة لا توافق على “30 ألف قتيل فلسطيني آخر”. أُرسل بلينكن وهاريس لإبراز الرسالة، التي تفيد بأن هذا الخط الأحمر يمر في رفح. “كنا واضحين جداً عندما قلنا إن هناك الكثير من الفلسطينيين الذين قتلوا”، قالت هاريس.
نتنياهو يلعب دور الشرير
لم يعد سراً أن الإدارة الديمقراطية في واشنطن يئست من نتنياهو. فتصميم رئيس الحكومة على إجراء المقابلات مع كل وسيلة إعلام ممكنة في الولايات المتحدة لمهاجمة الرئيس وزعيم الأغلبية الديمقراطية تشاك شومر، ليس سوى خط أحمر آخر يقوم باجتيازه. من جهة، استهدف ظهوره المستمر استعراض العضلات أمام الجمهور اليميني في إسرائيل. ومن جهة أخرى، يسهل على الديمقراطيين “التداعيات” على المساعدات الأمنية.
إضافة إلى ذلك، ظهور نتنياهو الأسبوع الماضي أمام سيناتورات في الحزب الجمهوري حل وجع رأس سياسياً للأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ في سنة انتخابات مصيرية؛ ففي حين أن قائمة الكونغرس منقسمة بين دعم إسرائيل ودعم الفلسطينيين، فإن حماسة نتنياهو للعب دور الشرير ساعدت الأغلبية على رص الصفوف والتحدث بصوت واحد، مع إسرائيل وضد نتنياهو. المشكلة كالعادة، أن المطلوب من الإسرائيليين دفع حساب نتنياهو. الدمار الذي يزرعه في شبكة العلاقات الأهم لإسرائيل لن يقاس لسنوات قادمة، بل لعقود قادمة.
أما السناتور شومر، الذي يجب أن تمر عليه أي مساعدة لإسرائيل، فلا يستبعد إمكانية تغيير الولايات المتحدة لشروطها. في خطابه المطول ضد نتنياهو في وقت سابق في هذا الشهر، اختفى جزء صغير فيه تهديد مبطن، “لا مناص أمام الولايات المتحدة باستثناء القيام بخطوات أكثر فعالية لتشكيل سياسة إسرائيل بواسطة استخدام أدوات الضغط التي تملكها. العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم يتم قطعها، لكن إذا واصل المتطرفون تشكيل سياستها، عندها يجب على الإدارة الأمريكية استخدام الأدوات التي بحوزتها للتأكد من أن دعم إسرائيل يتفق مع أهداف الولايات المتحدة للدفع بالسلام والاستقرار قدماً”.
في مقابلة مع “نيويورك تايمز”، طلب من شومر التطرق إلى تفسير كلمة “أدوات”. وهنا فضل الغموض، حتى لو كان وجه النار نحو نتنياهو ودونالد ترامب. “لقد حولا إسرائيل إلى قضية حزبية، وهذا يضر بالعلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة”، قال.
ونشرت “واشنطن بوست” في نهاية الأسبوع الماضي أن 17 سناتوراً ديمقراطياً توجهوا إلى وزارة الخارجية لفحص ما إذا كانت إسرائيل وبحق تلتزم بالمذكرة الرئاسية الصادرة في 9 شباط، التي تلزم الدول الحاصلة على مساعدات أمنية من الولايات المتحدة بالعمل حسب القانون الدولي، والسماح بتقديم المساعدات الإنسانية والحفاظ على حقوق الإنسان. ومطلوب من هذه الدول أيضاً تقديم تقرير كل 90 يوماً. إسرائيل قدمت تقارير، لكن السيناتورات شككوا بموثوقيتها. ومجرد التشكيك علامة أخرى تبشر بأمور سيئة للعلاقات بين إسرائيل والدولة العظمى في العالم. الرسالة الجديدة لـ 70 شخصية رفيعة سابقة في الإدارة الأمريكية ووزارة الخارجية والجيش الأمريكي، الذين يعتبرون مؤيدين لإسرائيل، والذين طلبوا من بايدن اتخاذ خطوات ضد إسرائيل بسبب خرق حقوق الإنسان وعنف المستوطنين في الضفة، هي مرحلة أخرى لرفع الأيدي.
نتنئيل شلوموبتس
هآرتس 25/3/2024