المواطن يبحث عن كيلو سكر… وحكومته تتباهى ببناء مدن الجيل الرابع… وتشييد أعلى برج في افريقيا

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يعول الكثيرون ممن تابعوا سلوك إسرائيل منذ ظهورها للعلن، على قرار مجلس الأمن الأخير بشأن وقف إطلاق النار، إذ من الثابت للجميع أن دولة الكيان المغتصب لم تكترث يوما لأي قرار، مهما بلغ نفوذ الجهة التي تقف خلفه، إذ أن “تل ابيب” تحظى بتفويض أمريكي يتيح لها القتل وارتكاب المجازر، دون مساءلة، ما شجعها على مواصلة جرائم الحرب وسط غضب دولي متصاعد، لكنه لا يسفر عن نتائج للدفاع عن الضحايا الذين يتساقطون كل يوم بالمئات، وسط صمت عالمي وخذلان إسلامي وعربي يندى له الجبين. وقد أكدت نقابة الصحافيين، أن جرائم حرب الإبادة ومجازر الكيان الصهيوني ما زالت مستمرة، وترتكب يوميا على أرض فلسطين المحتلة في غزة، والضفة لأكثر من 170 يوما وسط صمت عربي مطبق، ومشاركة أمريكية، وتواطؤ غربي، وعجز كامل لكل المؤسسات الدولية المعنية في مواجهة الكارثة الإنسانية، التي تصنعها آلة الاحتلال الفاشية، آخر هذه الجرائم تمثلت في العدوان الهمجي على مستشفى الشفاء المستمر لأكثر من أسبوع، واصل خلاله الاحتلال جرائمه البشعة من إعدامات ميدانية، وتنكيل وحرق للمنازل على أصحابها، ومحاصرتهم دون ماء أو غذاء أو دواء، وإخلائهم قسريا وسط زخات الرصاص والقذائف، واعتقال المرضى، والطواقم الطبية والصحافيين، دون أن تجد هذه الأفعال النازية أي رد فعل من المجتمع الدولي. كما أدان مجلس النقابة الاعتداء على الصحافيين، الذين قاموا بفضح الجرائم الإسرائيلية في حق الأطقم الطبية واعتقالهم في جريمة حربه المستمرة ضد الصحافيين، التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 135 صحافيا، وطالب المجلس بمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم كمجرمي حرب.
واستقبل وزير الخارجية سامح شكري، وفدا من حركة فتح الفلسطينية برئاسة محمود العالول نائب رئيس الحركة، وصرح السفير أحمد أبو زيد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن هناك مشاورات وتنسيقا مستمرا مع الجانب الفلسطيني، لوقف الحرب الإسرائيلية والكارثة الإنسانية في غزة، وتقديم الدعم اللازم لتخفيف المعاناة الإنسانية التي يتعرض لها الأشقاء الفلسطينيون.
وفي الشأن الاقتصادي ومعاناة الملايين ما زال قرار رفع أسعار الوقود والمحروقات يعزز مشاعر الغضب العام. وندد الكاتب صبري الديب في “فيتو” بالاجراء قائلا: قرارات لجنة تسعير المواد البترولية التي صدرت منذ أيام تفتقد لأدنى درجات الوعي السياسي، ومراعاة البعد الاجتماعي، ورفع المعاناة عن كاهل الفقراء، بعد أن تسببت بقراراتها غير المدروسة، في رفع أسعار كل السلع، وزيادة تعريفة الركاب على المواطنين دون ذنب. وخاطب رئيس الحكومة قائلا: معالي رئيس الوزراء.. أدنى درجات الوعي السياسي كانت تفرض عليكم الإبقاء على سعر السولار على سعرة القديم، على اعتبار أنه الوقود الأساسي لأغلب وسائل نقل السلع والركاب في مصر، وبدلا من زيادة سعره بمقدار 1.75 جنيه للتر، كان من الممكن تحميل فارق السعر على بنزين 95 وطرحه بسعر 14.75 بدلا من 13.5 جنيه، على اعتبار أنه وقود سيارات الأغنياء الفارهة.. ربنا يجعل دعوات الغلابة في الشهر الكريم من حقكم ونصيبكم قادر يا كريم”.
ستواصل مذابحها

بينما تتواصل جهود العالم من أجل إيقاف «الكارثة» التي تريدها إسرائيل بمخططها لاقتحام رفح، وبينما لا تتوقف المحاولات من أجل إيقاف لإطلاق النار، سواء في المفاوضات المتعثرة حتى الآن، أو في مجلس الأمن الواقع في قبضة «الفيتو».. فإن ما يجري على الأرض من وجهة نظر جلال عارف في “الأخبار” لا يبشر بخير. فآلة القتل والتدمير الإسرائيلية لا تتوقف. وجرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني تتوسع بدلا من أن تدرك المأزق الذي تمضي إليه، وهي تتصور أن القتل يمكن أن يجلب لها أمنا مستحيلا في جريمة حرب غير مسبوقة، تستهدف إسرائيل ما تبقى من مستشفيات في غزة (وهي قليلة للغاية وتعمل بأقل الإمكانيات) تحاصرها بالدبابات وتستهدفها بالطائرات، تقتل المرضى وتعتقل الأطقم الطبية، وتطارد النازحين الذين لجأوا لساحات المستشفيات طلبا للأمان. تدمر كل ما تبقى من إمكانيات طبية. تعاقب الأطباء لأنهم يقومون بواجبهم في أصعب الظروف. لا تريد إسرائيل إلا أن يسود الموت والدمار في كل مكان. في الوقت نفسه.. وبينما العالم يتحدث عن ضرورة أن تتضاعف المساعدات الإنسانية لغزة، وأن تتوقف إسرائيل عن وضع العراقيل أمامها.. تمضي إسرائيل في حصار الجوع، وتبلغ منظمة غوث اللاجئين «الأونروا» بأنها لن تسمح لها بنقل أي مساعدات لشمال غزة، الذي يعاني فيه حوالي مليون فلسطيني من مجاعة حقيقية لا تعالجها المظاهرة الخادعة لنقل شحنة مساعدات عن طريق البحر، وإنما فتح المعابر (بما فيها المعابر الخاضعة لإسرائيل) وإزالة العراقيل المتعمدة أمام الشاحنات المكدسة في رفح المصرية، كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش من أمام المعبر. العالم كله تغيرت مواقفه بعد أن رأى بشاعة العدوان الإسرائيلي الهمجي، وبعد افتضاح كل الأكاذيب التي روج لها الكيان الصهيوني وحلفاؤه لكن ـ للأسف الشديد ما زال الردع الدولي لإسرائيل غائبا، لأن القرار الدولي مشلول، والقرار الأمريكي رهينة لدى إسرائيل حتى الآن
فرض العقوبات الآن وفورا هو الطريق لإيقاف الهوس الإسرائيلي ومنعه من ارتكاب المزيد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. لولا ازدواج المعايير عند دول كبرى لكان نتنياهو وكل من شارك في حرب الإبادة على شعب فلسطين مطاردين الآن من العدالة الدولية.

اعتادت الكذب

للوهلة الأولى، يبدو وكأن الموقف الأمريكي من العدوان الإسرائيلي على غزة تغير. لكن عبد الله عبد السلام لديه في “الأهرام” المزيد: واشنطن تقدم مشروع قرار لمجلس الأمن، يؤكد الحاجة لإيقاف فوري لإطلاق النار من أجل حماية المدنيين من الجانبين، والسماح بتوفير المساعدات الإنسانية. وزير الخارجية بلينكن يعلن أن الاجتياح الإسرائيلي لرفح سيكون خطأ وسيؤدي لسقوط المزيد من المدنيين. ماذا يحدث بالضبط؟ وإذا كان الفيلسوف الألماني نيتشه قد قال: «الشيطان يكمن في التفاصيل»، فإن المشروع الأمريكي صال وجال الشيطان فيه. لا إلزام ولا موعد لإيقاف القتال. فقط تأكيد الأهمية القصوى للإيقاف. إنها عبارة فلسفية، كما ذكر المندوب الروسي.. تقديم المرجو كأنه حقيقي. المجموعة العربية ممثلة بالجزائر طالبت بإيقاف فوري. نقطة ومن أول السطر، لكن أمريكا أرادت غير ذلك. هدفها الأساسي الإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين ليتم إطلاق يد جيش الاحتلال دون عوائق في غزة. أليس هذا نفاقا، كما وصفته روسيا؟ أما السيد بلينكن، فقد كان الظاهر من تصريحاته خلال جولته الأخيرة في المنطقة أنها انتقاد علني للموقف الإسرائيلي. «الهجوم على رفح سيكون خطأ، وليست هذه هي الطريقة لهزيمة حماس، وسيعزز عزلة إسرائيل ويعرض مكانتها الدولية للخطر» هكذا تحدث بلينكن. لكن الصحافي الإسرائيلي أمير بار شالوم يقول: «واشنطن لا تعارض ضرب رفح.. الخلاف على الطريقة وليس الجوهر». هناك اتفاق بينها وبين جيش الاحتلال على أن من المستحيل إنهاء الحرب دون القضاء على آخر كتائب حماس. لا تريد واشنطن قتالا مكثفا يسقط فيه آلاف المدنيين، بل عمليات اغتيال تستهدف كبار قادة حماس. المشكلة في نتنياهو الذي يريد خلق أزمة مفادها أنه وحده الذي يستطيع أن يقول لا للأمريكيين. هذا يزيد من شعبيته. الإدارة الأمريكية حريصة على سمعة إسرائيل، ولا تريد أن يفجر اجتياح رفح أزمة إقليمية ودولية، لدرجة أن بلينكن حذر نتنياهو من أن إسرائيل ستتورط لسنوات في غزة، إذا لم تكن هناك خطة لليوم التالي. وقال له: «أنت لا تفهم ذلك، وعندما تفهم سيكون الأوان قد فات». إنها نصائح غالية لإدارة لم تتغير سياستها، حتى لو تغيرت لغتها.

في ما يرى النائم

رأت عزة كامل، في ما يرى النائم، حسب ما أخبرتنا في “المصري اليوم” ما يلي: إنني أسير مع أبي وسط شوارع غزة المطوقة بالبحر والنخيل، ونسائم الريح الرطبة تلفح وجهينا، لم أر حواجز أو مستوطنات أو كاميرات مراقبة، لم أر مخيمات في الأزقة، تهب علينا رائحة اليود البحري ونحن نقطع الشوارع الضيقة الطويلة، ريح تهب فجأة، والغبار يغطي كل شيء، والأرض تنفلق وتنوح، وجدتنى أحلق في الفضاء ورأيت جيوشا عربية تندفع بعتادها تجاه جنود الاحتلال في معركة شرسة وحشية تبث الرعب في صفوفهم، وتقضي عليهم، ورأيتهم يغرزون علم فلسطين ليرفرف عاليا، وصوت محمود درويش يرتفع مجلجلا وهو ينشد أناشيد الثورة، وأهل غزة يهتفون: «لقد تحررت غزة اليوم، وغدا سنحرر كل شبر في بلادنا فلسطين العظيمة»، وعلمت بطريقة ما أننا في طريقنا لبيت أحد أصدقاء أبي، وفجأة زلزلت الأرض تحت أقدامنا، وهبط من السماء رجل عجوز يشتعل غضبا، وأمسك بكتف أبي، وأخذ يهزه بشدة ويصرخ بصوت عال: «لقد تأخرت كثيرا، تأخرت كثيرا، تأخرت كثييييييرا..»، واختفى الرجل، واختفى أبي أيضا، وتحول المكان حولي إلى خرائب، وبيوت مهدمة، وجثث متناثرة في كل مكان، تصرخ من أثر الذبح، ومن بعيد رأيت جوارح تنقض على جثث وتنهشها، وفي آخر الشارع تنتصب مأدبة كبيرة يجلس عليها صهاينة منتشيون متلذذون بالطعام والشراب، وأياديهم ملوثة بدماء.أحاول أن أركض، فتحاصرني دبابات، وتضربني صاعقة، وأجد نفسي قد كبرت أربعين عاما، محاصرة بالحواجز والمستوطنات وكاميرات المراقبة وشظايا القذائف، أستيقظ من النوم على صوت إعلانات التلفزيون، أدير المحطات على نشرات الأخبار، ومن خلالها بانت الحقيقة، لقد رموا غزة في البحر، قطعوا أشجارها، وبقروا بطون نسائها، ونسفوا بيوتها وذبحوا أطفالها، غزة تعاني من حرب الجوع والعطش، غزة تقاتل بمفردها، بينما ممثلو إعلانات الكمباوندات الفارهة يتباهون بأزيائهم ومجوهراتهم، ويحثون الناس على الإسراع بالشراء ليذوقوا طعم النعيم. حاولت النهوض، أصاب جسدي شلل لعدة ساعات وسط صوت آت من مذياع بعيد، هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا، وينشئ السحب الثقيلة، «ويسبّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته»، بكيت.. بكيت كما لم أبك من قبل، يكبر الحزن داخلي ويعشش كصخرة ضخمة، لماذا يحمل الفلسطينيون عبء التاريخ وحدهم، ونحن نرقص على أسطورة هابيل وقابيل، ونعيد قراءة قصة سيدنا يوسف وأخواته؟ لا لنتعظ، بل لنسير في لهونا، ونزيح الزمن الثقيل، ونغلق المشهد الفج والمرعب الذي لن يغلق أبدا، وسيظل كابوسا وحشيا يلاحقنا ولا نستطيع الفكاك منه.

لا بواكي لهم

مَن يحمي الفلسطينيين من بطش اليهود؟ سؤال يبدو في جوهره بسيطا، ولكنه يحتاج في إجابته من وجهة نظر سامي أبو العز في “الوفد” إلى مجلدات عن الحقوق والواجبات، عن حق الدين والجيرة والأخوة وصلة الرحم، والأهم من هذا كله الإنسانية التي وجدت مكانة كبيرة في جوهر كل الأديان السماوية وكذلك الرحمة والعدالة والقيم والأخلاق. الاحتلال اليهودي دنس الأرض المقدسة التي تحمل دلالة كبيرة عند مسلمي الأمة ومسيحيها، قتل وشرد ودمر واغتصب وأعدم وأحرق وارتكب كل أنواع جرائم الحرب، واعتدى على القوانين الإنسانية ومزق كل المواثيق الدولية المتعلقة بالطفولة والأمومة، وحق المدنيين وقت الحروب، والأهم من ذلك كله هو قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق. أمريكا والعالم الغربي جرفهم تيار التعصب الأعمى، واستطاع اللوبي اليهودي المتغلغل في هذه الدول والمسيطر على دوائر اتخاذ القرار، خاصة في أمريكا أن يمسك بزمام الأمور ويقود الدفة في الاتجاه الخطأ، المتمثل في العنصرية تمهيدا للشرق الأوسط الجديد. الدعم الأمريكي الأوروبي اللا محدود للعدو الصهيوني أطال أمد الحرب التي أوشكت على نهاية شهرها السادس، ويستعد الاحتلال لحرب برية شاملة في محاولة لإسدال الستار على القضية الفلسطينية، إما بعد فناء أهلها عبر الموت حرقا، أو تحت الأنقاض، أو عدما، أو جوعا، أو تهجيرا، بعد تحويل أرضها إلى مكان لا يمكن العيش فيه.

خطة سرية

إسرائيل القاتلة الخادعة لا تعرف السلام ولا تصون، حسب سامي أبو العز، العهد، ولا تحترم المواثيق، وهدفهم ثابت لا يتغير وهو الوطن الأكبر من المحيط إلى الخليج، وتفريغ غزة من سكانها حلم قديم متجدد، وما يحدث منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي حتى اليوم يؤكد أنهم ماضون في غيهم تنفيذا لمخططات مرسومة مسبقا، وما يفرق هذه المرة عن سابقتها أنها الأكثر جدية في تنفيذ أولى خطوات الخريطة اليهودية لتحقيق الحلم المزعوم. كشفت وثائق بريطانية حديثة عن مخطط صهيوني عمره أكثر من خمسين عاما كان يتضمن خطة سرية وضعتها إسرائيل عام 1971 كانت تهدف إلى الترحيل الجماعي للفلسطينيين من غزة إلى العريش المصرية في سيناء. وبعد 52 عاما يكرر جيش الاحتلال المحاولة، وبصورة أكثر بشاعة ودموية، أسفرت حتى الآن عن 32226 شهيدا و74518 جريحا بخلاف آلاف المفقودين تحت الأنقاض في عداد الموتى، إحصائيات الحرب تكشف خطورة الوضع الذي فاق كل التصورات، ورغم التحذيرات الدولية لجيش الاحتلال من الإقبال على عملية عسكرية في مدينة رفح الفلسطينية، التي نزح إليها ما يقرب من 1.5 مليون فلسطيني إلا أن الاحتلال يتعامل معها على أنها كلام في الهواء ولا يلتفت إليها ولا يعيرها اهتماما، وسوف نفاجأ جميعا بكارثة تهدد الاستقرار في الشرق الأوسط، بل في العالم أجمع، فاليهود عازمون والعرب والمسلمون نائمون وغارقون في أمجادهم يحلمون بالمعتصم وصلاح الدين.
وحده لا يكفي

من بين الداعمين للأمين العام للأمم المتحدة محمد بركات في “الأخبار”: في الوقت الذي يقف فيه العالم مشلولا بفعل فاعل، عن اتخاذ موقف واضح وحاسم، تجاه العدوان الإسرائيلي البربريو اللا إنساني المستمر على الشعب الفلسطيني، لمجرد أن دولة العدوان والجرم هي إسرائيل المدعومة والمحمية من الانتقاد أو اللوم أو الإدانة من الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي القوة الأكبر أو الأعظم في عالم اليوم. وسط هذه الأجواء المُلبدة بغيوم العجز عن اتخاذ مواقف إيجابية، لوقف عمليات القتل والدمار، ووسط الصمت الدولي العام على الجريمة، يأتي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ليعلن للعالم كله، أنه من الضروري الوقف الفوري لإطلاق النار، ووقف الحرب في غزة، وإنقاذ أهلها من المعاناة والمآسي التي يعيشون فيها. جاء غوتيريش حاملا القيم والمبادئ الإنسانية التي قامت من أجلها المنظمة الدولية، ومن أمام معبر رفح البري، وقف ليعلن على العالم بصوتٍ مرتفع، إن هناك على الجانب الآخر حيث غزة محنة إنسانية لا بد أن تتوقف. وأن ما تقوم به إسرائيل وما تمارسه هو عقاب جماعي، وينادي بأنه لا بد أن ينتهي الحصار الإسرائيلي على غزة، ولا بد من دخول المساعدات الإنسانية لإنقاذ آلاف الناس الذين يعيشون أزمة إنسانية حقيقية، ويطالب بالوقف الفوري والدائم للحرب. حتى يتم إنقاذ أهالي القطاع.
ما قام به غوتيريش خلال زيارته لرفح المصرية بصفة خاصة وزيارته لمصر بشكلٍ عام، هو محاولة جادة ومخلصة من رجلٍ أمين وشجاعٍ على رأس المنظمة الدولية. ويبدي رأيه بكل المصداقية والشجاعة والأمانة في إدانة العدوان وتحميله المسؤولية في الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها ضد الشعب الفلسطيني، هذا في الوقت الذي تُحجِم فيه قوى كثيرة ومسؤولون كثيرون عن اتخاذ المواقف نفسها بالمصداقية والشجاعة نفسها.

بلغت الحناجر

وفي “الأهالي” قال المفكر الدكتور جودة عبد الخالق المعارض البارز لسياسات الحكومة، إن الكيل طفح، وبلغت القلوب الحناجر من شدة الضغط الاقتصادي والكبت السياسي، وإننا نريد تغييرا حقيقيا. وتابع وزير التضامن الأسبق وأحد اقطاب رموز اليسار المصري صب غضبه على الحكومة وسياستها التي افقرت الملايين: “أتى على المواطن المصري المسكين حِينٌ من الدهر أصبح فيه (كعب داير)، رايح جاي بحثا عن كيلو سكر، يحدث هذا في بلد تتباهى حكومته السنية بأنها تبني مدن الجيل الرابع، وتشيد أعلى برج في افريقيا، كما أتى على المواطن المصري المسكين حِينٌ من الدهر ليشهد ويكاد ينفجر غيظا وهو يتابع أخبار ذلك الاجتماع المهيب في ذلك المقر الفخيم لحكومة الديار المصرية في العاصمة الجديدة. يا له من تناقض صارخ بين أحوال “الناس اللي فوق” و”الناس اللي تحت” من سكان المحروسة. وأضاف: من الواضح وضوح الشمس أن الحكومة ولجنة ضبط الأسواق وأسعار السلع فشلت فشلا ذريعا في مهمتها، والدليل اسمعوه على لسان المستهلك المقهور، ولذلك في إطار انتقاده للفشل الكبير الذي تتسم به سياسات الحكومة، اقترح الدكتور جودة عبد الخالق تعديل اسم لجنة ضبط الأسواق وأسعار السلع إلى لجنة الفشل في ضبط الأسواق وأسعار السلع، فهذا المسمى الأخير من وجهة نظر الكاتب أقرب إلى طبيعة عمل تلك اللجنة..

إصلاح متعثر

لا يختلف عاقل على أن الانضباط المالي هو مطلب أساس للإصلاح الاقتصادي المصري في ظل الوضع الراهن، تابع الدكتور مدحت نافع في “الشروق”: كما ظللت أنادي بهذا الانضباط استكمالا لسياسات التشديد النقدي، التي بدأت تؤتي بعضا من الثمار في جذب رؤوس الأموال، فإنني كنت حريصا على توضيح مزايا الكبح المالي، القائم على تخفيض المصروفات العامة، عوضا عن الإفراط في زيادة الإيرادات. فالأخيرة تعني مزيدا من الضغط على المواطنين، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية بصفة عامة، وانعكاسها السلبي على أوضاع المعيشة، وزيادة معدلات الفقر، وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية بشكل كبير. ومن متطلبات الإصلاح الجوهري لأزمات العجز المزمن في الموازنة العامة للدولة، وارتفاع نصيب الدين من تلك الموازنة، أن تتخلّص الحكومة بشكل تدريجي من الدعم غير الموجّه وغير الرشيد. هذا أيضا أمر لا خلاف عليه، خاصة أن نسبة كبيرة من دعم المواد التموينية ومنتجات الطاقة يتسرّب إلى غير مستحقيه. وبالتالي فمن المعقول أن يدفع البعض بأن ارتفاع أسعار المحروقات الذي أقرته اللجنة الحكومية المعنية بذلك مؤخرا، هو نوع من المعالجة لأزمة زيادة قيمة الدعم الحكومي لأسعار الوقود في الموازنة العامة، التي ارتفعت إلى نحو 120 مليار جنيه في موازنة عام 2023/2024 صعودا من 58 مليارا في الحساب الختامي للموازنة العامة للعام المالي 2022/2023. وعلى الرغم من وجاهة هذا الدفع، غير أنه ينطوي على عدد من الملاحظات التي لا بد من التعرّض لها لتجنّب التقلبات العنيفة في أسعار مواد الطاقة مستقبلا، لما في ذلك من أثر سلبي على الاستهلاك والاستثمار ومستويات المعيشة.
خيرنا لغيرنا

يرى الدكتور مدحت نافع أن الاقتصاد القائم على تسعير المنتجات وفقا لآلية العرض والطلب في سوق تنافسية، هو الضمانة الحقيقية لتجنّب التشوهات السعرية، التي عادة ما تنشأ من التدخّل في عملية التسعير بفرض ضريبة أو دعم. وعليه فإن التخلّص من الدعم يعمل على تخليص سوق منتجات الوقود من التشوّهات السعرية التي تضر بالعرض والطلب، وتحمّل الحكومة أعباء لا تستطيع تجاوزها إلا بمزيد من الاستدانة والتمويل بالعجز. لكن هنا نحتاج إلى وقفتين، إحداهما مع مفهوم «الدعم»، والأخرى مع السوق التنافسية. فالدعم في هذا السياق هو الفرق الذي تتحمّله الدولة بين تكلفة الإنتاج (أو الإتاحة) وسعر البيع. ولأن مصر منتج للنفط ومشتقاته، فإن تكلفة الإنتاج التي يتطلع المواطن إلى معرفتها كي يحدد بالضبط كم عليه أن يدفع مقابل المنتج الذي يحصل عليه، تتمثّل في تكاليف إنتاج لتر الوقود متضمنا مصروفات الاستكشاف والاستخراج والإنتاج والتوزيع والتسويق.. إلخ. فإذا كانت تلك التكلفة أكبر من السعر الذي يشتري به المستهلك لتر الوقود من المحطات، فإن السعر عندئذ يكون مدعوما. لكن مصر منتج للنفط الخام والغاز الطبيعي، وتعمل على تصدير المنتج الخام، سواء من حصتها أو حصة الشريك الأجنبي، وبالتالي فإن المنتجات المصنّعة التي يستهلكها المنتج النهائي تكون مستوردة من الخارج. هنا يختلف مفهوم التكلفة بالنسبة للدولة والمستهلك. فتكلفة لتر الوقود هي عبارة عن تكلفة الاستيراد والنقل والتوزيع.. غير متضمنة تكاليف التصنيع أو قيمة مضافة معتبرة محليا، لكنها محمّلة بتكلفة تدبير العملة الصعبة الشحيحة، وتقلبات سعر الصرف، وتكلفة الفرصة البديلة بالنسبة للمواد البترولية التي تتاح محليا (مثل الغاز الطبيعي لمحطات الكهرباء). حيث تعبّر الفرصة البديلة في هذه الحال عن العائد الذي يمكن لوزارة البترول أن تحصل عليه لو أنها قامت بتصدير متر مكعب من الغاز، عوضا عن إتاحته للاستهلاك المحلي من قبل محطات توليد الكهرباء (مثلا). بالتالي فإن المستهلك الذي احتفى بالاستكشافات البترولية الجديدة يجد نفسه يتعامل مع معضلة الاستيراد من الخارج، من غير ميزة تذكر.

تداعياتها خطيرة

كان غريبا على حد رأي أحمد عبد التواب في “الأهرام” أن تَصدر اتهامات سريعة لتنظيم “داعش” من بعض الدول الغربية بأنه وراء جريمة القتل العشوائي المُباغِتة، في إحدى ضواحي موسكو الجمعة الماضي، التي قُتِل وأُصِيب فيها العشرات وذلك بعد أقل من ساعة على وقوع الجريمة وقبل أن تتوافر أي معلومات ثم صدر بعد ذلك بيان منسوب لـ”داعش” يعترف بأن التنظيم هو الفاعل ولكن جاءت الشواهد التالية على نقيض هذا، عندما نجحت القوات الروسية في إلقاء القبض على بعض المُشتَبَه فيهم، وتضاربت أقوالهم مع الأساليب المعهودة عن “داعش”، خاصة في أنهم تلقوا التكليف بالمهمة من مجهولين عبر الإنترنت بوعد أن يتحصلوا على أموال، لأن من أهم الخبرات السابقة في جرائم “داعش”، أن من يقوم بعملياتها أفراد من كوادرها المُلتزِمة، وأنهم يتلقون أوامرهم من قيادتهم المباشرة وليس من مجهولين، ويتباهون بما يفعلون، وكل الأموال التي يتحصلون عليها للمصروفات الخاصة بجريمتهم، ولا يتقاضون أموالا لأشخاصهم، وإنما هم يضحون بحياتهم طمعا في الجنة، ويعربون عن إيمانهم بأن مهمتهم من أجل نصرة الإسلام، إضافة إلى أن أسبابهم تدور حول إنهم هم المؤمنون وإن ضحاياهم كفار، إلخ. يبقى أن هناك تفاصيل بالغة الأهمية، يساعد تحديدها في العثور على الخيط الذي يُوَصِّل إلى الحقيقة. فحتى لو كان الإرهابيون يجهلون من كلَّفهم بالجريمة، لأنهم تلقوا التكليف والوعد بدفع الأتعاب عبر الإنترنت، وحتى لو كانوا تحصلوا على المقدم المالي عبر تحويل مصرفي لا عن طريق أشخاص، فإنهم حصلوا على السلاح والذخيرة من أفراد حقيقيين، من داخل روسيا، في مكان محدد، ومن المؤكد أن في مقدور روسيا أن تتمكن سريعا من معرفة هذه التفاصيل. تنبئ هذه الجريمة بأن أهداف من يقف خلفها لا تتوقف عند رغبته في أن يزداد التوتر في حرب روسيا وأوكرانيا، بل إنه يخطط لتوسيع مدى الحرب بما يتجاوز ساحة أوكرانيا، لأن استفزاز روسيا إلى حد وصمها بالعجز عن حماية مواطنيها جوار عاصمتها من مثل هذه الجرائم، قد يترتب عليه أن تُصَعِّد روسيا من مجال حربها ومن مستوى ضرباتها، وقد بدت أول هذه النتائج في تهديداتها القوية وفي قصفها الرهيب في أوكرانيا.

فضل العلماء

يجمع جمهور العلماء حسب الدكتور بشير عبد الفتاح في “الشروق”، على أن من كان بالله أعرف، كان منه أخوف. حيث يقول، تجلت حكمته، في الآية الثامنة والعشرين من سورة فاطر: «إنما يخْشى اللهَ منْ عباده الْعلماءُ». وفي وصف عباده الصالحين، يقول تعالى، في الآية 16 من سورة السجدة: “يدْعون ربهمْ خوْفا وطمعا”. وتستجلب مخافة الله طمأنينة للنفس، كما تستتبع التمكين في الأرض، النجاة من كل شر، مغفرة الذنوب، ثم الفوز بالجنة. إذ يقول، ربنا، في الآية 46 من سورة الرحمن: «ولمنْ خاف مقام ربه جنتان». وفي الآية 14 من سورة إبراهيم: «ولنسْكننكم الْأرْض من بعْدهمْ ۚذلك لمنْ خاف مقامي وخاف وعيد». ثمة مخافة لله محمودة، وأخرى مذمومة. أما المحمودة، فهي التي تردع صاحبها عن الوقوع في السيئات والولوغ في المحرمات؛ كما تحفظه من الانحراف عن سبيل مرضاة مولاه. كمن يخشى سوء الخاتمة، سكرات الموت، عذاب القبر، أو الزيغ عن الاستقامة في الدنيا، بما يستجلب غضب الإله وعقابه. أما إذا فاضت مخافة الله لتهوي بصاحبها إلى غياهب اليأس والقنوط، صارت ذميمة. فقد يورث الإفراط فيها، شعورا باليأس والقنوط، أو إعراضا عن الطاعات. ذلك أن غاية خشية الله، تكمن في بلوغ الورع والتقوى، وليس هلاك النفس، أو اليأس والقنوط. وقد حذرالمولى، عز وجل، عباده المؤمنين من ذلك، إذ قال، على لسان نبيه، يعقوب، وهو يوصى بنيه، في الآية 87 من سورة يوسف: «ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييْأس من روْح الله إلا الْقوْم الْكافرون». ويبصر، الحق تبارك وتعالى، عباده بأن القنوط واليأس من رحمته، رجس من عمل الشيطان؛ حيث يقول في الآية 175 من سورة آل عمران: «إنما ذٰلكم الشيْطان يخوف أوْلياءه فلا تخافوهمْ وخافون إن كنتم مؤْمنين». أما الرجاء في الله تعالى، فيتجلى في حسن التوكل عليه، الأخذ بالأسباب لنيل عطائه في الدنيا والآخرة، واستشعار كرمه وجوده وفضله.

رغيف سياحي

عندما سمحت السلطات المصرية لأصحاب المخابز بإنتاج رغيف خبز لا يخضع للتسعيرة قبل عقود مضت، أطلقت عليه كما قال عبد القادر شهيب في “فيتو” تسمية الرغيف السياحي، وبذلك صار الرغيف السياحي يباع بسعر أعلى من رغيف الخبز المدعوم، الذي حاولت الحكومة في منتصف السبعينيات زيادة سعره ولم تفلح بعد انتفاضة يناير/كانون الثاني 77، ولعل هذا سبب وصفه بالسياحي على غرار وصف المطاعم والكافيهات التي تبيع سلعها بأسعار أغلى من المطاعم والكافيهات العادية. ورغم أن الحكومة سمحت بإنتاج هذا الرغيف للتخفيف من بعض الدعم للخبز، إلا أنها ظلت حتى وقت قريب تتدخل بصورة أو أخرى في عملية إنتاج هذا الرغيف، خاصة أنها كانت تتحمل توفير الدقيق بأسعار مناسبة للمخابز التي تنتجه، بل إن الحكومة الحالية فكرت في أن تشارك من خلال عدد من المخابز بنفسها في إنتاج هذا الرغيف، وكانت تنوي طرحه بسعر أقل من سعره المطروح في الأسواق. وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، واقتران سعره بزيادة أسعار القمح، أرجأت الحكومةَ مشروع المنافسة في سوق الرغيف السياحي، خاصة بعد أن اتجهت المخابز إلى رفع سعره أكثر من مرة، حتى بلغ ثلاثة جنيهات في بعض المناطق.. وإن كانت هذه المخابز لم تفكر في خفض أسعاره حينما اتجهت أسعار القمح للانخفاض في السنة الأخيرة لأن القمح الروسي عوّض النقص في القمح الأوكراني.. غير أنه بمجرد زيادة وزارة البترول سعر السولار سارعت شعبة المخابز في اتحاد الغرف التجارية إلى طرح زيادة سعر الرغيف السياحي مجددا.. وحدد البعض نسبة الزيادة التي لا تقل عن 25 في المئة.. واللافت للانتباه أن الحكومة التزمت الصمت ولم تفكر حتى في مناقشة أصحاب المخابز في الأسعار الجديدة لهذا الرغيف، الذي بات لا يحمل من صفة السياحي شيئا، خاصة وأن جودته تناقصت بعد أن نقص وزنه أيضا.

نعمة مهملة

الأم هي قيثارة السماء التي تعزف أجمل وأرق ألحان الرحمة على الأرض، وهي أعظم مدرسة تربوية، وهي صانعة الأجيال والرجال العظماء، وهي كما يصفها الدكتور ناجح إبراهيم في “الوطن” الشمعة المقدّسة التي تحرق نفسها لتضيء الطريق لأولادها دون منّ، وهي حجر الزاوية في بناء كل الأسر، وهي صاحبة الدور الأعظم في سعادة واستقرار الأسر المصرية، خاصة أنها صاحبة التضحية الكبرى فيها. لولا الأم لهلك وضاع كل الأيتام الذين توفي أباؤهم وتركوهم في رعاية الأم التي بذلت كل شيء من أجلهم، وخرجت ملايين الأيتام على مر الأزمان كعلماء وأبطال ورجال دولة. حضنها أفضل من ألف طبيب أو علاج نفسي، قلبها يشع بالرحمة والرفق لأولادها. هي التي أوصى بحسن صحبتها رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك»، الأولى للحمل والثانية للولادة والثالثة للرضاعة. هي التي تعمل بإخلاص دوما دون مقابل، ودون منَّ، حضنها يرسل الملايين من نبضات الحب الصافي في الدقيقة الواحدة. دعاء الأم هو أقوى دعاء على ظهر الأرض بعد دعاء الأنبياء والصديقين، ولولا دعوات الأمهات لهلك كثير من الأبناء، ودعاء الأم قادر على أن يوقف البلاء النازل على الابن، وأن يصرف عنه السوء وينجيه من محن كثيرة. الذين يستيقظون على وجه أمهاتهم الصبوح، وصوتها الرقيق، وكلماتها العذبة عليهم أن يشكروا الله كثيرا، لأن من حُرم هذه النعمة من أمثالنا يعرفون حقا قدر هذه النعمة. لن يفرح أحد بنجاحك وتفوقك وزواجك وترقيك في المناصب مثل أمك، فرحة صادقة مخلصة، أما الآخرون ففرحتهم مزجاة مغشوشة، حسدا أو غيرة أو حقدا، أو.. أو..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية