الأكثر مدعاة للاهتمام، بل الأكثر قيمة وثمنا بين ما يعايشه فجر الضابط السجين، هو تلك الذبابة الزرقاء. يعرف أن ذلك البريق الذي ينبثّ من ظهرها خادع وكاذب، لكنه مع ذلك، يجده فاتنا كجوهرة. يعرف أنها، قبل أن تعود لتغطّ عنده، في زنزانته، الشيء الملون الوحيد من بين كل ما يحيط به، أو ما يتسلّل إليه من فسوخ الجدران، أو ثقوبها. لكنه يعرف أيضا من جاءت، هي زهرته، أو هديته، رغم ما تعلّق بجناحيها من سموم البراز والحشرات الميتة التي تغط عليها مدخلة فيها خرطومها الدقيق، بل قد يشعر أحيانا أنه لا يستحقها طالما أن لا شيء جميلا حوله مثلها.
لقد اعتاد على إقامته في هذه الغرفة فهو فيها منذ سنوات، وإذ أدّت المفاوضة مع خاطفيه، أخيرا، إلى إطلاق سراحه، بدا عديم البهجة بحريته. الآخرون، جميع الآخرين في بلدته احتشدوا للاحتفال به، هو الضابط العميد المحبوب من الجميع، وأيضا لأن الجميع يعرفونه أو يعرفون عنه، لكن إضافة إلى ما زرعه السجن فيه من سواد في النفس والروح، وجد أن لا شيء فعليا ينتظره. فمن كانت زوجته انتقلت إلى أن تصير زوجة أخيه، المريض السكير المتسلط على من حوله. وأن ما قاتل من أجله صار في أيدي السارقين المنهمكين الآن بتنظيم احتفاله. وأن معمل الإسمنت الضخم، الذي يسدّ البلدة من جهة جنوبها ويسدّ عليها جهة الشمال، يملأ الطرقات والبيوت بغباره. ثم، لنرى كم هو بائس حظه من الاحتفال، قَتل أخوه السكير المتسلط طفلة أصابتها واحدة من رصاصات الابتهاج الخمس التي أطلقها من مسدس أعطي له ليستخدمه في تسلّطه على الناس، قبل يوم واحد فقط.
ولا شيء يصل إلى شيء في هذه البلدة. إذ يعشق درويش امرأة هاربة من زوجها لا تصل حكايتهما إلا إلى هروبها إلى بلد آخر، هكذا دون شعور بالخسارة، أو بمرارة فقدان الحبّ والحبيب. أي لا ينتهي العشق كما ينبغي له، عاصفا أو مأساويأ أو حتى حزينا. ما شعر به درويش، العاشق الذي اصطُفي في آخر الرواية ليكون بطلها، أقرب إلى تمني السعادة لمعشوقته الراحلة، كأن ذلك لم يكن عشقا ولا غراما. ربما لا تتيح البيوت المنكسرة تعليق الآمال على المشاعر والتمنيات، فحين يكون كل بيت خاسرا، فاقدا أبناء منه أو آباء، كيف يمكن استبعاد خسارات مقبلة ستلي؟
تروي «انتظار ريح الشمال» حكاية تلك البلدة التي لا تنتظر شيئا، حين يكون البشر آملين أن يكون ما أصابهم خاتمة مطافهم مع المآسي، لا يُنتظر منهم أن ينظروا إن كان هناك ضوء يلوح في الأمام. لم تكد أم فجر، التي سبق لها أن خسرت اثنين من أولادها، تسرّ لعودة ابنها حيا من السجن حتى، في اليوم التالي، جاءها خبر إدخال ابنها الثاني إليه. ربما كان بقاء الأشياء على حالها هو ما يريده أهل البلدة، أن يبقى ما كانوا فيه، وهذا ما أفلح صاحب الدكان في الحفاظ عليه: الدكان، الذي ورثه من أبيه كان أبوه قد ورثه من أبيه وقبلا من جده. أما الشاب الذي تخرّج مهندسا فلا سبيل أمامه إلا أن يرتقي ليصير مسؤول المشتريات في معمل الإسمنت الذي يسمّم بلدته بدوام عمل لا يتوقّف.
لكن هناك من يقول في القرية، إن المعمل يسمّمنا صحيح… لكنه يُطعمنا بالمقابل. أبناؤنا يعملون فيه، وإن لم يُتح لهم ذلك لم يكن ليتوفر لهم مكان يحصّلون منه قوتهم. هذا افتراض في الرواية يذهب من تلقائه إلى رمزية المعادلة التي تقوم عليها مزاعم حكام وأنظمة: صحيح أن رخاءكم قليل، لكنكم جميعا تأكلون. تلك الرمزية تستمر في أخذها الوقائع إلى ما يتعدى حدود البلدة وتاريخها، الذي تدمجه الرواية بزمنها الأخير هذا. إننا نقرأ هنا عن عالم أوسع بكثير، على الرغم مما يحمله الوصف التفصيلي لممارسة الحياة من كشف لصيق بممارسات وعادات ورغبات مضمرة في مجتمع على هذا الضيق.
«انتظار ريح الشمال» لم يُوصل إلى شيء في البلدة إلا وقوف درويش الذي، كما ذُكر أعلاه، جرى اصطفاؤه ليكون بطل الرواية، أو راويتها، ليقدم تلك الجردة الممتدة على مدار مئة وخمسين عاما. لم يتغير فيها شيء يذكر، فالأنساب الفاخرة التي حظي عليها أصحابها بالكدّ لم تعد تعني شيئا لمن حظي أهلهم باكتسابها وحملها من ثمّ. وكلهم، سواء من حاملي الأنساب أو المجرّدين منها يصنعون ذاك العالم الروائي الذي بدأ متنقلا بينهم مناوشا إياهم من جولنب اجتماعهم المختلفة، إلى حد أن قارئهم جعل يتساءل كيف سيتألف هذا الشتات من المشاهد، كيف سينضبط في نسق؟ لكن الكاتب زياد حيدر يوصلنا إلى ذلك متسلّلين معه إلى عالم روايته الثري.
«انتظار ريح الشمال» رواية زياد حيدر صدرت عن دار الكتب خان في 352 صفحة في هذه السنة 2024.
كاتب لبناني