الحكومة تصادر بضائع في الموانئ بـ1,8 مليار دولار… وتنشر فرق متابعة لمراقبة الأسعار بالصوت والصورة

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: نصف عام تقريبا تركناهم دون رغيف ولا قنينة ماء أو شحنة دواء، وحتى بعد أن أوشك الشهر الفضيل على الانصراف، لم نكترث لحالهم. مليونا غزاوي يواجهون الفناء ولا يحركنا ضمير ولا آية قرآنية أو حديث شريف.. تمر حياتنا ونعيش كذبة كبرى مفادها أننا نساعد القضية والمقاومة وشعبها، بينما يدرك أصغر طفل يعيش في القطاع خذلان العالم له. لا تتوقف العواصم العربية والإسلامية عن مناشدة واشنطن وتل أبيب وقف القتال، في ما يشبه المسرحية الهزلية التي تتكرر صباح مساء..
وإذا كان شبح المجاعة يسيطر على قطاع غزة بمؤامرة إسرائيلية، فإن الخوف من تردي الأوضاع اقتصاديا بين قطاعات عريضة من المصريين تغسل الحكومة يديها من تبعاتها، لذا جاء القرار الذي أحدث صدى هائلا بين المستوردين والتجار وأوساط المراقبين، فقد أكد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، أن هناك بضائع موجودة في المواني تقدر قيمها بـ1.8 مليار دولار، جرى إنهاء جميع الإجراءات الورقية الخاصة بها، وكذلك توفير الدولار في البنوك، ولكن أصحابها رفضوا استلامها انتظارا لانخفاضات أكثر في سعر الدولار، قائلا في فيديو قصير نشر على منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بمركز معلومات مجلس الوزراء «هذه البضائع أصحابها منتظرين نزول الدولار فيفرجوا عنها حينها فيكسبوا أكثر». وأشار رئيس الوزراء إلى أنه وجه وزارة المالية بمصادرة تلك البضائع، وسيطبق عليه القانون وكل القواعد الخاصة بالمهمل والراكد. ولفت إلى أن فرق المتابعة في مجلس الوزارء ستنتشر لمتابعة الأسعار في الأسواق بالصوت والصورة، من أفرع السلاسل على مدار الأيام المقبلة، قائلا خلال اجتماعه مع كبار مُصنعي ومُنتجي ومُوردي السلع الغذائية: «عاوز تقرير كامل بالصوت والصورة على مكتبي على مدار الأيام المقبلة، نزلوا الناس كلها يصوروا بالموبايل ما يحدث على أرض الواقع»، مطالبا الدكتور علي مصيلحي وزير التموين بتقديم تقرير يومي عن الانخفاض في الأسعار. ومن تقارير الحالة الحقوقية: أمر المستشار رئيس الاستئناف القائم بأعمال المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا، خلال شهر مارس/آذار الجاري، إخلاء سبيل سبعين متهما محبوسين احتياطيا على ذمة قضايا يجري تحقيقها في تلك النيابة، ويذكر أنه خلال السنوات الماضية تزايدات المطالبات الحقوقية بوضع حد للحبس الاحتياطي المطول، وعدم تحوله لعقوبة.
حين يثور الصبي

بالغت الإدارة الأمريكية بدعم إسرائيل في قتل الشعب الفلسطيني، وكان موقف الرئيس بايدن في تقديم كل ألوان المساعدة للجيش الإسرائيلي موقفا تجاوز كل رؤساء أمريكا السابقين.. ولهذا يرى فاروق جويدة في “الأهرام” أن موقف أمريكا من قرار مجلس الأمن بوقف العدوان على غزة مثار خلاف بين عصابة تل أبيب، حتى إن نتنياهو قرر عدم سفر الوفد الإسرائيلي لمناقشة خطة الهجوم المنتظر على رفح.. وهناك أكثر من احتمال بين أمريكا وإسرائيل حول الهجوم على رفح: أولهما أن نتنياهو قرر أن يخوض معركة رفح بعيدا عن إشراك أمريكا في القرار، لأنه يتصور أن ذلك سوف يخلق منه بطلا قوميا، الاحتمال الثانى أن أمريكا شعرت بحجم خسائرها في تأييد إسرائيل في دمار غزة، وأثر ذلك على مستوى الداخل في أمريكا، وعلى مستوى الرفض الدولي لهذه المذابح.. إن العلاقات بين أمريكا وإسرائيل تمر الآن بمرحلة حرجة، أقرب إلى تبادل المواقف بين المعلم الكبير وصبيه الذي أعلن تمرده، وربما تصورت إسرائيل أنها اقتربت من تحقيق حلمها في أن ترث الدور الأمريكي، وربما ساعد على ذلك أن إسرائيل رتبت أوراقها على موقف عربي يمهد للتطبيع حتى لو كان الثمن التخلي عن القضية الفلسطينية، لأن إسرائيل هي البديل. على جانب آخر فإن إسرائيل، حتى لو دفعت الثمن عالميا، فإنها يمكن أن تكون الابن الوريث للمعلم الكبير، وأن أمامها فرصة أن تلعب وحدها خاصة إذا نجحت في إقناع العرب بأنها ستكون أفضل من أمريكا في إدارة شؤونهم، حتى لو تأخر ذلك بعض الوقت.. ما حدث أخيرا وحالة الغضب التي شهدتها العلاقات بين إسرائيل وأمريكا خلاف على الأدوار، حين يثور الصبي على معلمه صاحب الدكان ويتصور أنه المعلم الأكبر..

الأفيال تتصارع

ما الجديد في مشروع القرار الذي أغضب تل أبيب، وأمسكت فيه إدارة الرئيس جو بايدن العصا من الوسط، فلا هي صوتت ولا هي اعترضت؟ الجديد من وجهة نظر سليمان جودة في “المصري اليوم” أن الصين وروسيا وافقتا على مشروع القرار، رغم أنهما اعترضتا على مشروع قرار مماثل كانت الولايات المتحدة قد تقدمت به إلى المجلس نفسه مساء الجمعة الماضي.. فماذا تغير في المشهد كله على بعضه، ليجعل بكين وموسكو توافقان مساء الاثنين على ما اعترضتا عليه هو نفسه مساء الجمعة.. أي قبلها بثلاثة أيام لا غير؟ الذي تغير هو اليد التي تقدمت بمشروع القرار.. ففى الحالة الأولى كانت اليد أمريكية، وفي المرة الثانية كانت اليد موزمبيقية باسم الدول العشر الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن.. هذا كل ما في الأمر.. وبالتالي، فلا شيء دعا الصين وروسيا إلى رفع سيف (الفيتو) في المجلس، سوى أن الولايات المتحدة كانت هي صاحبة مشروع القرار. قد تكون هناك أسباب أخرى، ولكن هذا في ظني هو السبب الأهم، لأن التنافس المستعر على كل مستوى بين واشنطن من جانب، وبكين وموسكو من جانب آخر، يجعلهما تتصوران أن يصدر أي قرار من مجلس الأمن بوقف الحرب في غزة، إلا أن يكون هذا القرار قد تقدمت به واشنطن.. وهكذا، فالأبرياء من المدنيين والأطفال والنساء في قطاع غزة دفعوا المزيد من أرواحهم ثمنا لهذه المكايدة السياسية الرخيصة من عاصمتين ضد عاصمة، وربما لهذا السبب لم يجد أنتونى بلينكن وزير الخارجية الأمريكي، شيئا يصف به الاعتراض الروسي – الصيني على مشروع قرار بلاده في المجلس سوى كلمة «الخبيث» التي أطلقها في وصف اعتراضهما، بمجرد أن سمع به من مندوبة بلاده في الأمم المتحدة ولا شيء يمكن أن نصف به هذا كله من جانبنا سوى أن الأفيال الأمريكية الصينية الروسية كانت تتصارع في قاعة مجلس الأمن، وقت عرض مشروع القرار الأمريكي المُجهض، بينما العُشب في غزة كان يتكسر.

قرارات مجلس الأمن

هل يوقف قرار مجلس الأمن الأخير الذي طالب بوقف إطلاق النار خلال شهر رمضان الهجوم الإسرائيلي المحتمل على رفح؟ أجاب خالد أبوبكر في “الشروق” بقوله: رغم أن قرارات مجلس الأمن تعتبر قانونا دوليا وتحمل ثقلا سياسيا وقانونيا كبيرا، إلا أن المجلس لا يملك الوسائل اللازمة لإنفاذها، فقط يمكنه أن يتخذ إجراءات عقابية مثل، فرض عقوبات على المخالفين، لكن حتى ذلك قد يواجه عقبات إذا عارض أحد الأعضاء الذين يملكون حق النقض (الفيتو) هذا الإجراء. وتنتهك إسرائيل حاليا قرارا صدر عام 2016 يطالبها بوقف توسيع المستوطنات في الضفة الغربية. المقلق في نص قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة، أنه يشير إلى أن وقف إطلاق النار سيستمر لمدة أسبوعين فقط، أي أنه يستمر إلى نهاية شهر رمضان المبارك، ويقلل من قوته أنه ينص أيضا على أن وقف القتال «يجب» أن يؤدي إلى «وقف دائم ومستدام لإطلاق النار».. وهي صياغة فضفاضة.. وهو ما قد يمنح إسرائيل فرصة للمناورة بالقانون إذا اتخذت قرارا حاسما بالمضى في تنفيذ تهديدها باجتياح رفح المكتظة بالنازحين الفلسطينيين. سؤال آخر: هل التأثير السياسي لهذا القرار أمضى من تأثيره القانوني؟ الحق أن مفاعيل هذا القرار الصادر من مجلس الأمن سياسيا تصب في خانة فرض المزيد من العزلة الدولية على إسرائيل ورئيس وزارئها المتطرف بنيامين نتنياهو؛ ذلك أن سماح الولايات المتحدة بتمرير هذا القرار يعد إحدى الطرق الناعمة نسبيا للإشارة إلى أنها لا يمكن أن تتحدى المجتمع الدولي بإعطاء الحكومة الإسرائيلية المتطرفة غطاء سياسيا لارتكاب مجزرة ضخمة في جنوب قطاع غزة المنكوب، فكان عدم عرقلة هذا القرار بمثابة تلميح غير مشفر لنتنياهو لكبح جماح العمليات العسكرية الإسرائيلية خصوصا في رفح.

هدفه شيطاني

يأتي مشروع الميناء، الأمريكي ليخدم الأهداف الإسرائيلية بطريقة أخرى، وفق رأي الدكتور خالد ابوبكر وهي تهجيرهم عن طريق البحر إلى مراكز إيواء وتجميع في قبرص، ثم القيام تحت مختلف الحجج والذرائع الإنسانية بإرسالهم إلى دول مستقبلة للاجئين والمهاجرين، مثل كندا وأستراليا ودول أوروبية متنوعة، بحيث يتم تدريجيا إخلاء القطاع من سكانه. ولم يخف نتنياهو تلك الحقيقة حين أعلن أمام الكنيست أن من يريد مغادرة قطاع غزة من الفلسطينيين يمكنه استخدام ذلك الميناء البحري، وهذا هو المتوقع حدوثه مع توالي الهجمات الإسرائيلية الوحشية على غزة، ووقتها لن يجد البعض أمامهم مفرا من الفرار بأرواحهم وأسرهم من الجحيم، إلا ذلك الميناء حيث يتم ترحيلهم. وبتدمير قطاع غزة وتهجير سكانه ستكون إسرائيل قد قطعت نصف الطريق أمام تصفية القضية الفلسطينية، عندئذ لن يكون متبقيا لها سوى الضفة الغربية المحتلة، وهذه أمرها أسهل نسبيا فهي بالفعل في قبضة إسرائيل، فضلا عن وجود مئات المستعمرات الصهيونية فيها شاغلة أكثر من نصف مساحتها، ومع استمرار البناء الاستيطاني يوميا، ستكون القضية الفلسطينية خلال عدة سنوات قد تلاشت من الوجود. ولا يمكن فصل ذلك المشروع عن أغراض خفية أخرى تتعلق بالاقتصاد، إذ أن البحر الإقليمي أمام ساحل غزة يعد منطقة مؤكدة لاحتياطيات كبرى من الغاز الطبيعي، وهي مطمع لإسرائيل وللشركات العالمية، لاسيما أن كمياتها في حقل غزة مارين تقدر بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب. ويؤكد ذلك قيام وزارة الطاقة الإسرائيلية منذ فترة بمنح تراخيص لست شركات إسرائيلية وعدة شركات دولية كبرى للتنقيب الاستكشافي عن الغاز الطبيعي في المناطق أمام ساحل غزة، التي تعتبر بموجب القانون الدولي مناطق بحرية فلسطينية، كما سبق أن عرضت وزارة الخارجية الإسرائيلية على الاتحاد الأوروبي مخططا لميناء لتصدير الغاز من غزة. البعد الآخر لإنشاء ذلك الميناء البحري يرتبط بالطموحات الإسرائيلية في مجال النقل الدولي واللوجستيات، التي تقوم على تقديم نفسها للعالم كحجر زاوية لمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والخليج وأوروبا، حيث يعتبر إحكام قبضتها على غزة وإقامة تسهيلات بحرية فيها بمثابة جزء من ذلك المشروع لنقل البضائع والنفط والغاز إلى أوروبا. يبدو إذن أن المسألة ليست إنسانية كما هو ظاهر، بل هي خطة متكاملة يدفع ثمنها الفلسطينيون الأبرياء.

براءة لإسرائيل

يقدم مشروع الميناء البحري الأمريكي من وجهة نظر الدكتور أيمن النحراوي في “الشروق”، إبراء ذمة لإسرائيل في مواجهة القانون الدولي الإنساني الذي يلزم إسرائيل كقوة احتلال بتأمين حاجات السكان المدنيين من الغذاء والدواء، على اعتبار أن استمرار فرض الحصار الإسرائيلي على غزة يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. فحرمان سكان غزة بشكل ممنهج من الحصول على الاحتياجات الأساسية للبقاء يشكل جريمة ضد الإنسانية وفق المادة 7 من النظام الأساسي، كما أن استمرار منع دخول الحاجات الأساسية للمدنيين وتقييد حركة الأفراد والمرضى يمثل انتهاكا جسيما للمادة 8 التي تجرم التسبب عمدا في معاناة السكان المدنيين. ورغم الدعاية الأمريكية الإسرائيلية التي تضفي على مشروع الميناء البحري في غزة طابعا إنسانيا، فإن حقيقته تتضمن أيضا تشكيل كيان بديل لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لتوزيع المساعدات بعيدا عنها، ووضع الإمدادات بالكامل في قبضة إسرائيل وحلفائها، للتحكم في حياة وعيشة سكان القطاع. ويأتي ما سبق في إطار واحد مع مخطط وقف تمويل وكالة الأونروا إذ أن وجودها كان يؤمن لقطاع غزة الحد الأدنى من الخدمات الطبية والتعليمية والغذائية، دون تدخل إسرائيلي مباشر. العالم أجمع يعلم أن المنافذ البرية إلى قطاع غزة موجودة، وإدخال المساعدات منها هو أسهل الخيارات وأكثرها عملية، وهو ما قامت به مصر منذ بدء الحرب الوحشية الإسرائيلية على القطاع عبر معبر رفح، بشهادة المفوض العام لوكالة الأونروا، بأن مصر لم تغلق معبر رفح في أي يوم منذ بدء الحرب في غزة، متهما إسرائيل بتعويق دخول المساعدات إلى القطاع، وهو ما يحدث بالفعل مع وجود آلاف الشاحنات على الجانب المصري، تمنعها إسرائيل من دخول غزة. بذلك يحقق مشروع ذلك الميناء تهميشا للجانب المصري ودوره في القضية الفلسطينية، بإخراج معبر رفح البري على الحدود مع مصر عن الخدمة، وهو المنفذ الوحيد لغزة مع العالم الخارجي، والوصول لإغلاقه تماما هو وغيره من المنافذ وإخراج مصر من المعادلة، بحيث يصبح الميناء هو المنفذ والشريان الوحيد لغزة تحت سيطرة إسرائيل وحلفائها، الذين سيتحكمون بذلك في حياة سكان القطاع.
ملزم ولكن

كل دول العالم (ماعدا إسرائيل بالطبع) رحبت بقرار مجلس الأمن الذي يطلب الوقف الفوري لإطلاق النار في غزة. القرار- الذي جاء بعد 170 يوما من المذابح الإسرائيلية، وبعد أكثر من مئة ألف شهيد ومصاب فلسطيني – صدر وفق ما أوضح جلال عارف في “الأخبار” بعد تعديلاتٍ عديدة لضمان ألا تكرر الولايات المتحدة استخدام «الفيتو» ضده.. ولهذا رأينا قدرا من «عدم التوازن»، سواء من حيث محدودية فترة إيقاف النار (ما تبقى من شهر رمضان)، أو من حيث الالتزامات الواردة في القرار. ومع ذلك فهو يمثل بداية مهمة لوضع حدٍ لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل. ويكشف عن إرادة دولية ترفض استمرار الكارثة في غزة، كما يكشف عن حقيقة موقف إسرائيل التي تقف وحدها في مواجهة كل العالم. تنفيذ القرار هو المهم.. والضغط على إسرائيل من أجل ذلك هو مسؤولية الجميع وفي المقدمة الحليف الأكبر والداعم الأهم لها وهي الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا لم يكن مفهوما أن تسارع أمريكا بإعطاء إسرائيل الفرصة للإفلات من القرار بإعلانها أن قرار المجلس غير ملزمٍ، وهي أول من يعرف أن كل قرارات مجلس الأمن ملزمة للأعضاء وفقا للمادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة.. لكن يبدو أن أمريكا مررت القرار لأسبابٍ أخرى «داخلية وخارجية» ليس من بينها: إيقاف الحرب وإنهاء الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، مفهوم أن الإدارة الأمريكية تريد تهدئة الغاضبين داخل أمريكا من الانحياز الكامل لإسرائيل، وتريد تحسين صورتها في المنطقة والعالم، بعد أن أصبحت شريكة في حرب الإبادة، وتريد أن يفهم نتنياهو أن الحرب ينبغي أن تُدار برؤيتها وليس خارجها.. لكن هذا لا يعني مطلقا الاستخفاف بالإرادة الدولية التي وقفت وراء قرار إيقاف القتال في غزة فورا، ولا أن يقف المتحدث الأبرز في البيت الأبيض كيربي ليقول: إنه لا يفهم سر غضب نتنياهو.. فالقرار غير ملزم ولا يعوق العمليات الإسرائيلية.. هذا ليس فقط استهزاء بقرار دولي يمثل إرادة العالم، بل نسف لما تبقى من مصداقية السياسة الأمريكية لدى شعوب وحكومات العالم كله قرار مجلس الأمن يعني أن تتحمل كل الدول مسؤولياتها لتنفيذ القرار وإيقاف الحرب. الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأكبر لأنها شريك إسرائيل في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين.

اللغز الأمريكي

ما الذي حدث لكي تبدل الولايات المتحدة موقفها من إسرائيل بهذه السرعة؟ من الواضح حسب جيهان فوزي في “الوطن” اتساع فجوة الخلافات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس الأمريكي بايدن مؤخرا وبدأت تتدحرج مثل كرة الثلج على خلفية رؤية كل منهما لسير العمليات العسكرية في غزة، وصولا إلى الاحتكاك المباشر بين تل أبيب وواشنطن. وقد تراكمت جملة من المؤشرات التي تدلل على أن تصاعد الخلاف نحو صدام سياسي هادئ أصبح أمرا محتمل الوقوع، ومن هذه المؤشرات الموقف الأمريكي الذي انتقل من وضع الاشتراطات على اجتياح رفح، إلى رفض فكرة الاجتياح أصلا، سواء بشروط أو دون شروط، ومنها أيضا إعلان وزيرة الخارجية الكندية إمتناع بلادها عن تصدير الأسلحة الفتاكة إلى إسرائيل بناء، على قرار من مجلس العموم الكندي، ثم لحقتها التهديدات البريطانية واليابانية، باتخاذ موقف مشابه للإجراء الكندي. ومن المفهوم حتما أن هذه الأطراف الثلاثة هي أقرب العواصم الحديثة لواشنطن، وأكثرها انصياعا للسياسة الأمريكية على المستوى الدولي، وبالتالي فإنه من غير المقنع أن تكون هذه العواصم قد تجرأت على اتخاذ مثل هذه المواقف دون توجيه من واشنطن، وهذا يعني أن الولايات المتحدة باتت تبدي حزما أكثر وضوحا تجاه الحكومة الإسرائيلية، بهدف ثنيها عن السياسة المتهورة التي يقودها نتنياهو، وبالتالى إرغامه على النزول من فوق الشجرة.

لن ينفذ

صدور قرار مجلس الأمن بمثابة صفعة على وجه حكومة الحرب الإسرائيلية، لأنه يشير أولا حسب جيهان فوزي إلى تحول أمريكي جاد وللمرة الأولى منذ بدء الحرب تجاه سياسات إسرائيل، وثانيا لأنه يشجع العالم كله على توجيه أصبع الاتهام إلى إسرائيل، ما ينذر بإجراءات عقابية في المستقبل، وثالثا لأنه يحفز الانقسامات الداخلية، ويشجع المعارضة على اتهام نتنياهو بعزل إسرائيل عن العالم، وحتى عن أقرب حلفائها وهذا ما حدث بالفعل عندما هاجم يائير لابيد رئيس الوزراء السابق، نتنياهو واتهمه بالمسؤولية عن اتساع فجوة الخلاف بين إسرائيل والولايات المتحدة. وفي هذا السياق فإن استقالة الوزير جدعون ساعر من الحكومة تمثل حلقة في سلسلة إضعاف موقف نتنياهو، واستمراره في الحكم بعد قرار مجلس الأمن، كما سنجد أيضا تصاعدا في حراك الشارع الإسرائيلي واحتجاجاته ضد نتنياهو، خاصة بعد توجه ذوي الأسرى إلى مطالبة بايدن بالضغط على نتنياهو لمنح الأولوية للإفراج عن أبنائهم، بعد تأكدهم من تجاهل نتنياهو لهذا الملف المهم والأساسي بالنسبة لهم. كان متوقعا أن تسارع الحكومة الإسرائيلية إلى الإعلان الصريح برفض هذا القرار جملة وتفصيلا، ولم يضيع نتنياهو الوقت فأصدر أمرا بمنع الوفد الإسرائيلي الذي يقوده مجلس الأمن القومي من التوجه إلى واشنطن تعبيرا عن غضبه من الموقف الأمريكي، رغم أن هذا القرار بصفته الإلزامية، لن يجبر الحكومة الإسرائيلية على وقف الحرب، أو الانصياع لتنفيذه، لكنه في المقابل سيكون واحدا من عوامل الضغط المهمة، التي ستؤدي إلى وقف الحرب في وقت قريب، فسماح الولايات المتحدة الأمريكية بتمرير قرار في مجلس الأمن الدولي يقضي بوقف القتال في قطاع غزة، يمثل خطوة مهمة على طريق تحول موقف واشنطن إزاء الحرب الإسرائيلية، ويؤكد ضجرها من مواقف نتنياهو المتعنتة، رغم أنه لن ينفذ، كما لا يعني إنتهاء الدعم الأمريكي لإسرائيل أو تحولا في سياستها نحوها بصفة عامة.

ليس وحده

تتصاعد أصوات كثيرة، من مصادر إقليمية ودولية، تلقى على نتنياهو مسؤولية كل الجرائم التي يقترفها الجيش الإسرائيلي، وأن الخلاص منه واستبداله هو السبيل لتسوية الأزمة ولإنقاذ الفلسطينيين المدنيين العزل وتشارك بعض وسائل الإعلام العربية، حسب أحمد عبد التواب في “الأهرام” في هذا الاتجاه، وتركز على تصريحاته التي يُهدِّد ويَتوَّعد فيها، مصحوبة بصورته وهو منفعل ومتجهم. يتغاضى هؤلاء عن حقائق واضحة، منها أن مجلس الحرب المصغر، الذي هو عمليا السلطة التنفيذية العليا في إسرائيل، يشارك نتنياهو في كل القرارات المهمة في هذه المرحلة، كما أن جميع وزراء حكومته منسجمون معه في القرارات المتعلقة بالحرب، خاصة في التصعيد ضد المدنيين العزل في غزة، وفي الدفاع، أو الصمت، عن جرائم المستوطنين في الضفة، ولم يتخذ أحدهم موقفا معارضا، أو حتى متحفظا على اقتحام رفح، بل إنهم يتصدّون جميعا للمواقف العالمية ضد اقتحام رفح من كل دول العالم حتى من أمريكا أقوى المؤيدين لإسرائيل، وهم يشجبون أي انتقاد لجرائم إسرائيل ضد المدنيين حتى لو كان مصدرها أقرب أصدقاء إسرائيل وداعميها كما أنهم ثابتون أمام كل التظاهرات حول العالم، التي تشتعل ضد جرائمهم وتطالب، لأول مرة، بمحاكمة المسؤولين دوليا عن جرائم الحرب، وتنادي بحقوق الفلسطينيين وتأسيس دولتهم. خطورةُ هذا النزوع، نحو تجسيد المسؤولية عن جرائم الحرب الإسرائيلية في شخص واحد، نتنياهو أو غيره، أنه يُدارِي زيادة التطرف العام في المجتمع الإسرائيلي، الذي صار معاديا لأي مسعى لتأسيس سلام مستقر مع الفلسطينيين ودول الجوار، ولم يعد الإسرائيليون يرضون إلا بحكومة متطرفة، وإن كان هنالك أفراد معتدلون، فلم تبق كتلة سياسية فاعلة تستطيع أن تنافس على الحكم، وتملك رؤى مرنة في القضايا الأساسية المهمة المتعلقة بحق الفلسطينيين في تأسيس دولتهم، وفي وقف الاستيطان الذي يبتلع أرض فلسطين التي حددتها الأمم المتحدة، والتى أقرَّتها اتفاقيات أبرمتها حكومات إسرائيلية سابقة، واعتمدها الكنيست لذلك، فليس من المتوقع أن تأتي الانتخابات المبكرة بمن هو أقل تطرفا من نتنياهو، بل لن يكون غريبا أن يُعاد انتخابُه مجددا.

توقيت خاطئ

بعد ارتفاع أسعار المحروقات دفعة واحدة، بدأ الكل يتساءل عن سبب ارتفاعها في هذا التوقيت الذي يموج بالمشكلات والأزمات، حسب عبد العظيم الباسل في “الوفد”: إذا كانت زيادة أسعار الوقود ضرورة لارتفاع سعر البترول عالميا وزيادة أسعار النقل والشحن عبر الموانئ المضطربة في البحر الأحمر، ما حمل الفاتورة الاستيرادية للوقود، أعباء جديدة ضغطت بدورها على الموازنة العامة، فصار دعم الوقود على الأقل 127 مليار جنيه، في وقت باتت معظم الدول تتخفف من هذا الدعم. لذلك فالخبراء يؤكدون أن تحريك أسعار البنزين سيخفف بعض أعباء الموازنة، ويوفر قدرا من الدعم وهذا صحيح، لكن هذا التحريك سيؤثر على معظم السلع المتداولة في الأسواق، تأسيسا على زيادة سعر الوقود، أيضا سترتفع تعريفة المواصلات الداخلية وسيارات الأجرة بين المحافظات، وسيبالغ (السرفيس) في أجرته، رغم وجود تعريفة رسمية من جانب إدارات المواقف بكل محافظة، مهما كانت الرقابة مشددة على كل سيارة. وهنا يتساءل المواطنون قد يكون القرار صحيحا، ولكن لماذا الآن ونحن على أبواب عيد الفطر، وما يتطلبه من نفقات إضافية، والتزامات ضرورية لكل أسرة، الأمر الذي جعل توقيته خاطئا، في ظل أسواق مضطربة ورقابة ما زالت ترتب أوراقها، الأمر الذي كان يجب أن يسبقه تمهيد بدلا من الارتفاع المفاجئ الذي سرق فرحة الموظفين بزيادة المرتبات، والحال هكذا فإن الأمر يتطلب فرض رقابة صارمة على الأسواق، لعدم المغالاة في الأسعار. كنا نأمل على الأقل الإبقاء على سعر السولار، كما هو لارتباطه باحتياجات المزارعين من ناحية، وصغار التجار من ناحية أخرى، لذلك لم يعد أمامنا الآن سوى تشديد الرقابة، ومخاطبة ضمائر التجار في محاولة لإيقاظها، خاصة ونحن في ظل شهر كريم يحرم الطمع والمبالغة في استغلال البسطاء، باختصار ارتفاع أسعار الوقود قرار صائب في توقيت خاطئ.

خوفنا مشروع

الخوف إحساس مشروع، لأجل ذلك تطالب حنان فكري في “درب” السلطة وأعوانها بألا يحاسبونا على مخاوفنا، وألا ينعتونا بأننا أغبياء يائسون، فقط نحن خائفون، كان هذا أول شعور أصابني حينما علمت بخبر التعويم قبل أيام، ووجدت الجنيه قافزا في بحر التسعير العادل، غاب عني كل ما تعلمته في كتب الاقتصاد للحظات، ثم اختلطت طمأنينة الفهم النظري بالخوف من التطبيق العملي. نعم علمونا في كتب الاقتصاد، أن أسعار الصرف المعوّمة تُصحح الاختلالات في الميزان التجاري، وتدريجيا تتم استعادة التوازن وامتصاص الصدمات الاقتصادية، هذا هو الفهم النظري، لكنني أستطيع وضع مئة خط تحت كلمة تدريجيا، التي تضع النظريات الاقتصادية على المحك عند التطبيق العملي في أرض الواقع، فالناس لا تريد شيئا تدريجيا، المواطن يريد أن يرى نتائج سريعة للتعويم، الذي حدث قبل أيام، يساوره الشك بموجة غلاء جديدة، الخوف من المستقبل في ظل محدودية الدخول يقصم ظهور الناس، وتستفزهم التصريحات المتخصصة. الناس لن تعد رسائل ماجستير في التعويم، حتى يخرج عليها الخبراء الاقتصاديون، والمسؤولون الحكوميون يهللون بمصطلحات متخصصة، ولسنا الآن في صدد مناقشة أزمة الثقة بين المواطن والحكومة في مسألة غلاء الأسعار- لكننا نحاول طرح أسئلة المواطن البسيط، وتبصير كل من تقع عيناه على هذه السطور من المسؤولين، ليبذل جهدا مضاعفا حتى تصل الرسالة أوضح للمواطن الذي يخشى موجة جديدة من الغلاء. علي المعنيين بالأمر توضيح كيف سينسحب قرار التعويم بالإيجاب على أسعار الطعام مثلا، وبالطبع توضيح الوقت الذي يستغرقه السوق حتى يشعر المواطن بالأثر الإيجابي للتعويم أو كما يقولون التسعير العادل للجنيه.

جشع يعقبه ذعر

التسعير العادل للجنيه، حسب حنان فكري هو اتخاذ حزمة من الإجراءات تضمن وضع سعر صرف مرن للجنيه، وتركه لقوى العرض والطلب، وهو الضمانة الوحيدة للقضاء على تراكم الطلب على النقد الأجنبي، لأن زيادة الطلب على الدولار في الفترة الأخيرة، لم تكن بسبب ما يلزم الاستيراد أو ما شابه ذلك، ولكن لتكالب الناس على شراء الدولار، باعتباره مخزن للقيمة بسبب تراجع قيمة الجنيه. التسعير العادل للدولار قد يمكنه ضبط سوق الُعملة، لكنه لن يستطيع ضبط مخاوف الناس، ولن يستطيع ضبط جشع التجار، فإن لم يصاحب التسعير العادل للجنيه، تسعير عادل للسلع والخدمات الأساسية، يتم وضعه تحت رقابة صارمة، ستؤول الأمور إلى موجة جديدة من التضخم في أقرب فرصة. المواطن البسيط لا يريد كلاما متخصصا، إنه يريد طمأنة على مصيره ومصير أسرته، هل سيكفيه الراتب الشهري، هل سيستطيع إطعام بنيه، وإلى أي مدى يمكنه الوثوق في نتيجة التسعير العادل، دون أن تقفز في وجهه موجة غلاء جديدة مثلما حدث خلال العامين الماضيين بعد كل تعويم تم؟ التسعير العادل للجنيه قد يكون ظالما في نظر المواطن، إذا لم يشعر سريعا بأن النتائج انسحبت على ممارسات الحياة اليومية من شراء وبيع وتوفير متطلبات المأكل والمشرب. التفاصيل الاقتصادية على مدار عامين تقريبا، كانت مخيبة لآمال البسطاء الذين لا حيلة لهم في دهاليز الاقتصاد، فحينما ارتفع سعر البصل إلى 25 جنيها للكيلو، حينها قررت الحكومة إيقاف تصديره لخفض السعر، لم يتورع التجار بعد قرار الحكومة عن رفع السعر إلى 30 جنيها للكيلو، وما زال الآن يتراوح بين 30 إلى 35 جنيه، فخبرة المواطن بالأسعار خبرة تصاعدية ما لا يتوقف سعره عند حدود سيظل في تزايد، هنا يكمن الخوف.

الفيل مرّ من هنا

منذ بدء الخليقة اتخذ النيل مساره الطبيعي مقبلا من وسط افريقيا متجها لمصر في طريقه لمصبه في البحر الأبيض المتوسط، مخترقا الهضاب والوديان والصخور، ومشكلا العديد من الجزر ذات الأهمية، ومن بينها جزيرة الفنتين في أسوان التي ضمت عددا من المعابد ولوحة المجاعة الشهيرة حين نقص النهر، وكانت حسب طاهر قابيل في “الأخبار”، من أقوى الحصون في مصر القديمة. يقال إن كلمة الفنتين اشتقت أيام جدودنا قدماء المصريين من الاسم المصري «أبو-أي» أو “أرض الفيل” لأنها كانت ميناء لاستقبال العاج الافريقي المستخرج من ناب الأفيال، وأطلق عليها اليونانيون كلمة الفنتين، التي تعني في اليونانية “عاج أو سن الفيل” ويقول البعض إنها تعود لطبوغرافية الجزيرة فهي على شكل قرن كبش أو ناب الفيل، وكانت في الماضي البعيد جزيرة محورية على الطرق التجارية إلى عمق القارة السمراء، ومقرا أساسيا للبعثات الحكومية والعسكرية والتجارية المتجهة إلى قلب افريقيا، ومنها انطلقت رحلات المستكشفين لأعالي نهر النيل. في نهر النيل جزر عرفت بعصور أخرى منها الروضة والزمالك في القاهرة وبربر في أسوان والموز في الأقصر والطوابية ومطيرة في قنا فعدد الجزر في نهر النيل 391 جزيرة وظهر الكثير منها بعد بناء السد العالي وتنتشر في 16 محافظة وإعلان 144منها محميات طبيعية وتتميز الجزر بالتنوع الاقتصادي والنباتي، ما يجعلها موقعا تجاريا مهما بطول نهر النيل. عدد الجزر من أسوان حتى نجع حمادي في سوهاج 67 جزيرة ومن أسيوط حتى القاهرة الكبرى 51. وفي محافظة الجيزة واحدة من أكبر الجزر وهي جزيرة الوراق ذات الموقع المتميز كمحطة التقاء بين محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية وتبلغ مساحتها 1516 فدانا وعدد سكانها حوالي 100 ألف نسمة وفيها 6 آلاف منزل وتفتقد لأي خدمات إنسانية مثل المياه النقية والصرف الصحي والتخطيط العمراني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية