كلنا يذكر مأساة طفل البئر «ريان» في ضواحي مدينة شفشاون الجبلية المغربية، شهر شباط/ فبراير 2022، حين سقط الطفل ذو السنوات الخمس في جبّ بعمق أكثر من 30 مترا، وظل عالقا فيه زهاء خمسة أيام، وسط محاولات حثيثة لإنقاذه، وإخراجه حيا، لكن دون جدوى في النهاية. وقد خلف الحدث رجة إعلامية كونية، وتعاطفا إنسانيا قويا غير محدود.
وتفاعلا مع الحدث المأساوي، تأتي رواية الكاتب المسرحي سعيد غزالة «ريان أيقونة ألم» التي صدرت في طبعتها الأولى عن دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر في الرباط سنة 2023 من الحجم الصغير في 130 صفحة، والمشكلّة من 40 فصلا. بعد اطلاعي على الرواية مهداة، وقراءة لمضامينها، حاولت التفاعل معها إبداعيا، فكانت الملاحظات والخلاصات والنقاط الواردة بعده، مؤكدا أنها دافع فقط لمحاورة ثانية للنص، ومحفز على مد الجسور مرة أخرى.
أول ما يثير الانتباه في الرواية هو التقنية السردية المعتمدة؛ إذ أن عرض الوقائع، جاء بصوت واحد، يحكي ويعيد إنتاج الأحداث، مثلما هي بعض الحوارات المبثوثة، على قلتها. فالمونولوج، كصيغة حاملة لكل الأصوات الأخرى، كان موفقا لاعتبار بؤرة الحدث كله، قائمة على شخصية (ريان) الوحيد، القابع في غيابة جُب، وحوله تستمر الحياة عبر دينامية شخوص آخرين متفاعلين. على أن استرسال القراءة، يكشف لنا عناصر معينة، ظل ريان مرتبطا بها طيلة فصول الرواية، وجميعها يحتمل التأويل. أذكر: الجَدي، حَصَيَاتِ اللعب، الكلب الأسود الوفي، فتاة زهرة الأقحوان، ثم طيف الأم. لا يمكننا حقا القفز على هذه العناصر دون استنطاقها، فتوظيفها جاء بمنطق سليم وذكي. إذ أن الطفل ريان الصغير، ذا السنوات الخمس، الذي سيمضي خمسة أيام في حفرته، كان يحمل لحظة سقوطه في البئر، حسب الرواية، في جيبه حصيات؛ هي كما نعلم خمس حجيرات دقيقة من الصوان، يلعبها الصغار بينهم، مفترشين الأرض. وهي لَعبة مشهورة، كونية، تختلف تسمياتها حسب ثقافات الشعوب، وقد تسمى: الصَّقْلة أو الزَّقْطة أو القْيُوش. ورمزية العدد خمسة تحيل حسب مجموعة آراء، إلى تحولات سلبية وتغييرات مفاجئة في حياة الفرد، كما هو الحال عندنا مع واقعة ريان في الرواية. ثم إن العدد خمسة مرتبط بالخوف؛ وصاحبه يفضل الانعزال ويدع للآخرين فرصة البدء في التواصل معه، إذ يخفي عنهم عواطفه ومشاعره مخافة أن يكون موضع انتقاد.
أما الجدي، وإن كان دليلا على أصول ريان الجبلية، ما دام سكان الجبل يعتمدون في تربية المواشي بشكل كبير على هذا الصنف ويفضلونه على الغنم، فإن دَلالاته تبقى سلبيةً في علم التنجيم، إضافة إلى كونه علامة أرضية. وفي ذلك إشارة إلى المصير الأليم لريان، وارتباطه بالأرض بشكل عام. أما الكلب الأسود الوفي الذي سيظل قاعيا وماكثا بالقرب من الجب لا يراوحه، فتوظيفه جاء حمَّالا لرمزية الحزن والموت، حيث إن تفسيره، حسب جل الميثولوجيات يغلب عليه الشؤم وسوء القدر. وتوظيف زهرة الأقحوان، لم يكن اعتباطيا كذلك، حيث إن لها معاني كثيرة حسب الشعوب والثقافات المختلفة. فنجد أنها تحيل على الولادة الجديدة والبعث، كما ترمز إلى الموت، فيتم تقديمها خلال طقوس العزاء.
ويبقى طيف الأم الذي شكل حضوره القوي خلال كل فصول الرواية جسرا، عبره يمتد السرد، فقد تغَيَّاه سعيد غزالة لاعتبار دور الأم في حياة الطفل ريان، مثلما هو في حياة باقي الكائنات، دورا محوريا أساسيا. فمن رحم الأم المظلم إلى دنيا الحياة المضيئة، تتم عملية الولادة. وفي حالة الصغير ريان، فإن سقوطه في رحم الأرض عبر ثقب الجب، سيكون الولادة من جديد، والحضور في عالم آخر، وهذا ما ستدعمه وقائع الرواية تباعا.
جاء في الرواية على لسان ريان:» سأخرج لا محاله من هذا المكان، سأخرج وأكون طفلكم الذي كان أو يكون.» أو أيضا:» كنت أشعر بأن انهياراً عما قريب، سينهي حكاية، لتبدأ أخرى». يبدو أن الكاتب كان مصرا على تضمين روايته كل أصناف المأساة والحزن، في تفاعل جلي مع واقعة ريان الأليمة، وتأثيثا كذلك لسوداوية اللحظة، وتأزيما لها. مَدعاةُ القول هنا، تقسيم الكاتب لروايته إلى 40 فصلا. ولا أظن أن الفعل كان دون قصد. إن إطلالة مسرعة على استعمال رمزية العدد 40 في يوميِّاتنا، ستجعلنا متأكدين مما نرمي إليه. فهذا العدد وعبر تاريخ البشرية، ارتبط بالأسطورة، حيث رمز دائما إلى المآسي. فالعنقود النجمي، رمز الوميض والاشعاع، اختفى 40 يوما عن الشمس في معتقد البابليين. والفراعنة الذين ابتدعوا أربعينية الميت، اعتقدوا أن الروح تظل في جسد الميت 40 يوما، وبعدها يشرعون في طقس تحنيطه. كما أن الخراب سيحل بشعب نَينوى 40 يوما بعد أن حذرهم النبي يونس، إنْ هُم لم يعودوا عن غيهم. ثم إن النبي يعقوب سيصاب بالعمى بعد 40 يوما من البكاء، حرقة على فراق واختفاء ابنه يوسف في قصته المعروفة. وأيضا ورد في الأثر، أن الوحي قد غاب عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم 40 يوما… وغير ذلك كثير.
وفي خضم المأساة، لا بد أن تبرز أدوات الدفاع ومحاولة الفهم والادراك، كفعلين طبيعيين من أحد الأطراف، رغم قتامة اللحظة. يقول صوت ريان في الرواية: «لم يعد مُهِما الوقوف على حافة الأمل». وفي مكان آخر يقول: «أغمضت عيني فسكت العالم وأظلم كل شيء».
مثل هذه التساؤلات يمكنها أن تغدو، عبر تسلسلها، منطقا لاستفهامٍ وُجودِيٍّ، يحاول تفكيك سؤال الموت. وسيخصص لذلك سعيد غزالة الفصل 39 وقبله في مواضع متعددة من روايته. يقول صوت ريان في بعض منها:
– لماذا يا أمي لم تمنعيني يومها من اللعب مع الجدي؟
– لماذا عجز العالم عن إنقاذي؟
– ليس هناك نهايات إلا إعلان عن بدايات.
– الظلام؛ أمي، شيء مخيف رغم هدوئه.
– لأول مرة أعرف أن للخوف طعم التراب، التراب الذي يحاصرني.
وعبر تقنية التذكار المستند إلى طيف الأم باعتباره دعامة ممر صوت ريان إلى الخارج، ستطفو إلى السطح آلام ريان الطفل، القابع في حفرة ضيقه على بعد أكثر من 30 مترا. هناك ستتم حوارات قصيرة تفاعلية مع المكان والزمان، ومع الحاضر من العناصر. سنجد ريان يهفو إلى اللعب والشغب، لكنه سينجزه مع ديدان الأرض والحشرات المحيطة به. سيجوع ريان، وسيتذكر الخبز مغموسا بكأس شاي. سيتذكر أقرانه، وسيتحسس جيبه، ليعثر على قطع حلوى صغيرة. إلا أنه في كل ذلك، سيكون خائفا بشكل مستمر، وسترافقه رائحة التراب وصوت أعماق الأرض، والبرد، والعجز الكبير عن الصعود إلى فوق. وفكرة تقديمِهِ نَفسَه قربانا لسقوط جَديه الصغير.
سيتأكد لريان، بعد مرور خمسة أيام ولياليها، أن قدَرَه قد حُسم. حينها سيتحول إلى مَلاك مجنح، يرافقه طيف طفلة زهرة الأقحوان. وستدخل الرواية منعطفا جديدا تمهد له مقاطع ذات دلالة قوية بدءاً من الفصلين 17 و18. لكن ما يطبعها هو التماهي إلى حدود قصية مع أحداث رواية: (سيرة المنتهى عشتها كما اشتهتني) للكاتب واسيني الأعرج. وأمثل لذلك بالعناصر الآتية: (كُراتٌ قرمزية، الألوان المتداخلة، الإشارة إلى الأشياء لتتحقق، ملامح تشبه ذوات الأحياء، فكرة تقبل المعراج قبل الاندماج النهائي، الأيادي الممتدة لإزالة الغموض والدهشة، امتطاء الغيم والسباحة عبره…) إلى غير ذلك.. والاشارات هذه، نجد شبيها لها في رواية سعيد غزالة، بل إن بعضها يتقاطع بشكل كبير مع ما ورد في رواية واسيني الأعرج. وفي ذلك دليل على وحدة التفكير وشيوع الموروث الثقافي المشترك.
خلاصةً، استطاعت رواية «ريان أيقونة ألم» للمسرحي الكاتب سعيد غزالة، أن تؤرخ إبداعيا لحدث مأساوي شَدَّ العالم، وإن كان الضحيةَ طفلٌ صغير، ما تعمَّد في مجريات الأحداث أمراً ولا شيئا. القرارُ الأوحد الذي ناب عنَّا في اتخاذه، هو قوله بلسان السارد في موضعين:» سأنام … هذا قراري… سامحوني؛ لكني سأرحل».
أديب وناقد من المغرب