الحكومة الفلسطينية الـ19… سؤال التوافق ما زال معلقا

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: كما كان متوقعا أصدر الرئيس الفلسطيني قرارا بقانون بمنح الثقة للحكومة التاسعة عشرة (23 وزيرا) ومرسوما بشأن اعتماد تشكيلتها برئاسة الدكتور محمد مصطفى، وهو ما أصبح متعارفا عليه بعد سنوات من غياب المجلس التشريعي.

وجاء في برنامج الحكومة أنّ مرجعيتها السياسية هي منظمة التحرير الفلسطينية، وبرنامجها السياسي، والتزاماتها الدولية، وكتاب التكليف الموجه من الرئيس محمود عباس للحكومة، فيما تضمن برنامج الحكومة الطويل نسبيا العمل على إيلاء الوضع الإنساني أولوية قصوى بما يشمل وضع خطة شاملة للمساعدات الإنسانية والإغاثة الفورية لقطاع غزة، والتعافي وإعادة الإعمار في كل من القطاع والضفة وتركيز الجهود الهادفة إلى تثبيت واستقرار الوضع المالي وانعكاسه على الاستقرار الاقتصادي، كما شمل خططا للإصلاح المؤسسي، وإعادة الهيكلة وتوحيد المؤسسات، ومحاربة الفساد، ورفع مستوى الخدمات والتحول الرقمي، وتوحيد المؤسسات وإعادة هيكلة المؤسسات بين شطري الوطن.
وشمل برنامج عمل الحكومة بندا حول سيادة القانون، وتعزيز نزاهة القطاع المالي، بما فيه تمكين الجهاز القضائي، وتعزيز الأمن والأمان، وضمان الحريات العامة. وكذلك تضمن تعزيز الصمود في القدس المحتلة والأغوار والمناطق المهمشة، ومواصلة العمل على الحفاظ على المقدسات المسيحية والإسلامية في المدينة، ووضع الخطط والبرامج لإعادة ربط المدينة بالكلّ الفلسطيني.
غير أن السلاسة الظاهرية في تشكيل الحكومة ومنحها الثقة تخفي مجموعة كبيرة من الصعاب والتحديات ولعل أبرزها الظرف التاريخي الذي يمر به الشعب الفلسطيني وتحديدا قطاع غزة، وهو ما كان يفترض مراقبون ومهتمون والرأي العام الفلسطيني توافقا فلسطينيا فصائليا على هذه الحكومة، وهو ما لم يتم، ما يجعلها تعكس حالة ضبابية في مستقبل عملها.
وحسب المحلل والخبير الاقتصادي الأكاديمي نصر عبد الكريم فإن تشكيلة وزراء حكومة محمد مصطفى تضم توليفة حكومية «لا تعبر عن التوجهات التي أعلن عنها محمد مصطفى نفسه، وجاءت على عكس التوقعات وعكس التوجهات المعلنة».
وشدد على أنه من غير الصحيح القول إن الحكومة غير حزبية وتقترب من التكنوقراط، «فأغلب الوزراء محسوبين على حركة فتح».
وتابع: «لا أظن ولا أعتقد انها حكومة تكنوقراط، قد يكون بعض الوزراء مرتبطين بالتكنوقراط أي أنهم خبراء وأسندت لهم وزارات تناسب حقول تخصصاتهم، لكن في المقابل نرى أن بعض الوزراء لم يعمل قط في المجال الذي نال منصبا وزاريا، فكيف يمكن أن نطلق عليه كلمة خبير في مجال وزارته؟ فغياب الخبرة في مجال الوزارة التي أسندت لهم لا يشفع لهؤلاء خبرتهم الأكاديمية».
ويرى عبد الكريم أن المشكل هو في المنهج المتبع في تعيين الوزراء، وهو منهج يحمل مؤشرات تقول إن من يؤثر في قرار التعيين ليس رئيس الوزراء فقط.
وشدد أنه يمكن الجزم أن رئيس الوزراء منح مساحة ما في الاختيار، لكن هذه المساحة ضاقت كلما اقتربنا من موعد إعلان تشكيلة الحكومة وهو ما يدلل على أن هناك أطرافا أخرى مختلفة تؤثر على صناعة القرار.
غير أن الجديد الذي يحسب لرئيس الوزراء، والحديث للأكاديمي عبد الكريم، هو أنه استطاع تغيير مجموعة من الوزراء الذين بقوا طوال سنوات طويلة في ذات المناصب، «هذه إشارة إيجابية تعكس فكرة مهمة».
ويرى أن أبرز المعيقات في طريق الحكومة الجديد هو انها جاءت من دون توافق وطني فلسطيني، ففي حال لم يكن للحكومة فئة سياسية داعمة تقوم على وفاق داخلي في الوطن، وحد أعلى من الدعم والإسناد العربي، وتعمل ضمن حالة من التفهم للمواقف الدولية (بعيدا عن الإذعان لهذه المواقف) فإنه لن يكتب لها النجاح.
وأكمل أن هذه الحكومة جاءت بعيدة عن التوافق الوطني حيث أبدت فصائل كثيرة عدم رضاها على طريقة التكليف ولم تكن في جوهرها مواقف ضد رئيس الوزراء بذاته إنما إلى الطريقة التي سار فيها مشوار تشكيلها، فالفصائل المعارضة رفعت صوتها «ضد فكرة الانفراد بالتكليف، وكان يمكن ان يتحقق التوافق ولو مجاملة بين الفصائل».
والمؤسف حسب عبد الكريم أن المنهجية تبدو ذاتها، فهي «لم تختلف عن النهج في إدارة الشأن العام سابقا، وبدى الأمر وكأن غزة لا تمر بحالة من العدوان الصارخ والحرب المستمرة من أكثر من 6 أشهر».
وحول أكبر المعيقات يقول عبد الكريم: «إذا لم تحظ الحكومة بدعم وتأييد المقاومة في غزة، والتي حتى لو كانت مقاومة ضعيفة فإن السؤال الأهم هو: كيف ستعمل في قطاع غزة وكيف ستتحمل مسؤولية إدارة القطاع بعد الحرب؟ التوافق مع المقاومة ضمن التوافق الفلسطيني الداخلي كان يمكن أن يمنح الحكومة الغطاء للذهاب إلى القطاع، ومن دون ذلك ستطالها الاتهامات تحت كل الظروف».
ويتمنى الخبير الاقتصادي عبد الكريم التوفيق للحكومة الجديدة، لكنه لا يخفي أن الأسماء التي أسندت للوزارات تعكس استعجالا في عملية الاختيار، ويفسر ذلك بوجود حالة من تضارب المصالح ووجود تعارضات داخل الحزب الحاكم نفسه وداخل جهات تقع على أطراف هذا الحزب، إلى جانب وجود تأثيرات لدول عربية على تشكيلة الحكومة. ونقلت مصادر محسوبة على فصائل منظوية تحت لواء منظمة التحرير في حديث لـ«القدس العربي» أنه لم تتم أي عملية استشارة لهم في عملية تشكيل الحكومة، ووصفت المصادر الحزبية دورها في هذه المسألة بمثابة «شهادة زور».
وحول قدرة الحكومة على إدارة ملف إعمار (بناء) قطاع غزة يختم الخبير الاقتصادي بإنه لن يكتب لها النجاح في هذا الملف، وهو يوصي بضرورة تشكيل لجنة أو هيئة إعمار مستقلة عن الحكومة، وتتشاور معها، وقد تكون الهيئة مطعمة بوزراء لهم علاقة بجهود الإعمار، مع منح دور للقطاع الخاص والمجتمع المدني في هذه الهيئة، بحيث تقوم بتولي مهمة الإعمار والبناء من جديد، وهو أمر يضمن أن تتجنب الحكومة الإغراق في التفاصيل كي تتفرغ لأعمالها ودورها السياسي.
يعلق الباحث في التحولات السياسية الدكتور إبراهيم ربايعة على تشكيل الحكومة الجديدة معتبرا أن قائمة الوزراء جاءت في محاولة للانسجام مع البرنامج الحكومي القائم على فكرة الإصلاح والاستجابة لمتطلبات غزة، ووفق ما جاء في بيان الحكومة وفي رد رئيس الوزراء على كتاب التكليف نرى أن هناك محاولة للإصلاح ومحاولة للدمج الوطني الوظيفي على مستوى الكادر وعلى مستوى البنية بين الوزارات في الضفة وقطاع غزّة. ونرى أيضا محاولة ليتولى وزارات هذه الحكومة وزراء من الكفآءات.
ويضيف ربايعة، وهو باحث وأكاديمي في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي، ومدير تحرير دورية «شؤون فلسطينية» لكن بالمقابل، هناك حالة من الاستغراب لدى معظم الفصائل الفلسطينية وأطياف من حركة فتح، ولدى الشارع الفلسطيني من هذه الأسماء، «هناك تخوف من أن هذه الأسماء غريبة عن السياق الفلسطيني بحكم أن معظم الخبرات كانت خارجية وفي مؤسسات دولية» إلى جانب أن بعض الوزراء هم منقطعون عن السياق العام الفلسطيني لسنوات طويلة، بالإضافة إلى أن التحدي المتصل بإعادة الإعمار والحاجة الهائلة في قطاع غزّة للإغاثة في المرحلة الآنية والراهنة، تتطلب وزراء بمستويات أكثر عمقا في المجال السياسي.
وحول أبرز التحديات يقول ربايعة: «أول التحديات: التجاذب الذي طال تشكيل هذه الحكومة، الحديث عن أن هذه الحكومة لم تشكل بوفاق وطني، هذه الحكومة لم تأت بالتشاور مع الفصائل الفلسطينية ولذلك كان هناك ردود فعل رافضة من هذه الفصائل».
أما المعيق الثاني الذي عبر عنه رئيس الوزراء في إعلانه الأول يوم الخميس فهو يرتبط بالمديونية العامة، نحن نتحدث عن 9 مليارات، وإذا أضفنا إليها الدين الخارجي، نكون إزاء مبلغ ضخم جدا يعادل تقريبا ضعف الموازنة العامة، كما يترافق مع ضخامة هذا المبلغ غياب إمكانيات السداد وغياب إمكانية الإيفاء بالالتزامات، في ظل التقييدات الإسرائيلية المتصاعدة سواء من قرصنة أموال المقاصة، أو من التقييدات التي فرضتها الحرب على التنقل والحركة عبر تقطيع أوصال الضفة الغربية، ومنع العمال من الوصول إلى الداخل، وبالتالي تجفيف موارد الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، فكل ذلك قلص من الإيرادات وبالتالي فإن الملاءة المالية لهذه الحكومة ميتة.
يمكن القول والحديث لربايعة: «لقد ولدت الملاءة المالية لهذه الحكومة ميتة منذ البداية».
ويكمل ربايعة حديثه عن المعيقات: «يضاف إلى ذلك أن الإصلاح، في حال قررت الحكومة الجديدة الذهاب به بعيدا، يتضمن تغييرا في شكل وفلسفة العمل العام، عندها يكون السؤال: هل هناك جهوزية لتقبل ذلك على مستوى الحقل السياسي، وعلى مستوى الفواعل السياسيين، وعلى مستوى فواعل القوى، على مستوى القطاع الخاص؟ هل هذه الحكومة ستكون منحازة للقطاع الخاص، بحكم أنها جاءت بمزاج عام أقرب إلى القطاع الخاص؟ وعندها سنكون أمام سؤال: هل تعيد هذه الحكومة تجارب حكومات سابقة مثل حكومة سلام فياض فيما يتصل بالسياسات العامة؟ أم أنها لن تستطيع فعل ذلك لغيات أيضا الملاءة المالية؟».
ويشدد أن هذه أسئلة مهمة وتعكس تحديات كبيرة ليس فقط على مستوى الموقع والعلاقة والانخراط في الفعل الإغاثي ومن ثم إعادة الإعمار والتنمية في قطاع غزّة، لكن على مستوى الضفة الغربية التي تعاني من تراجع على مستوى الخدمات والموارد المخصصة للمنافع العامة.
وحول طرق تغلب الحكومة على المعيقات التي تقف في طريقها يرى الأكاديمي ربايعة أنه يمكن التغلب على هذه التحديات أولًا في حال أعيد ربما فتح النقاش حول هذه الحكومة مع الأطراف الإقليمية والفواعل السياسية المحلية، وبالتالي لا نتحدث عن إعادة تشكيلها بقدر ما هو توافق حول البرامج التي تعمل عليها هذه الحكومة. «فربما الخلاف ليس على الأسماء في هذه المرحلة، أيّ ليست المشكلة بالأسماء إنما بالقدرة على العمل».
ويرى أن هذا النقاش الداخلي والخارجي مهم جدا في هذه المرحلة الحالية، حيث تواجه القضية الفلسطينية تحديات مصيرية، «نتحدث عن أن النكبة في قطاع غزة أكبر بكثير من قدرة حكومة على فعل أي شيء، نحن نحتاج إلى «مشروع مارشال فلسطيني» بالمعنى الحرفي، وهذا سيفرض العديد من التدخلات الإقليمية والدولية في حال لم تكن هناك توافقات وطنية شاملة سواء على الحكومة من جهة أو على البرنامج الذي ينبثق عن هذه الحكومة من جهة أخرى.
ويختم ربايعة قائلا: «أعتقد أن هذا ليس صعبا في حال استمر الحوار الوطني الفلسطيني بشكل حثيث وبشكل أكثر استجابة للتحديات، لكن هذا يتطلب إرادة سياسية من كل الأطراف وأعتقد أنها مشكلة ومعضلة غير متوفرة اليوم».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية