الحروب بطبيعتها مجالات تطلق فيها المشاعر. مسموح أن يتم فيها فعل كل ما هو محظور في الأوقات العادية: القتل، التدمير، السرقة، النهب، التنكيل، الإهانة، الحيونة والمشاغبة. لذا فإنه من أجل تطهير أفعال الجنود يمارس الطرفان المتقاتلان منظومات دعاية لتبرير وإخفاء أي تدمير زائد أو قتل لا حاجة إليه أو قمع وحشي.
هكذا أيضاً في حرب غزة. تسعى منظومة الدعاية في إسرائيل إلى اختراع مبررات وحجج لكل الأفعال التي تم القيام بها. نجاح ذلك ضئيل جداً في أرجاء العالم. والزبائن لا يشترون. لكنه نجاح كبير في إسرائيل، وهذا ليس غريباً. فالجمهور الإسرائيلي يتمتع بميزات تسهل الأمر على رجل الدعاية: انعدام مطلق للوعي الذاتي، وغياب بقايا الذاكرة التاريخية.
هاكم مثالاً: رجل العلاقات العامة في الجيش الإسرائيلي مسرور دائماً بالإبلاغ عن اكتشاف الجيش “مخزن سلاح” في مدرسة أو مستشفى أو مسجد أو حي سكني. هذا دليل قاطع على وحشية العدو الحماسي، الذي يدنس المقدسات ويستغل المستشفيات ويخفي أدوات تدمير في بيوت المدنيين. فليخجل! لم يكن ليحدث. لذلك، من الجيد أننا قصفنا المدارس والمستشفيات والمساجد والأحياء السكنية.
نعم، لم يكن لدينا شيء كهذا. كان لدينا “مخابئ سلاح” هناك. المخبأ هذا ليس “مخزن سلاح”. “المخبأ” جزء من تراث بطولي لحركاتنا السرية. لقد تم هناك إخفاء سلاح طاهر كي نحارب به المحتل الأجنبي ومن يكرهوننا.
كان لدينا تقريباً 1500 مخبأ يهودي. لقد أخفيت في المدارس والكنس والمستشفيات (من بينها مستشفى هداسا) من تحت الخزانة المقدسة في بيت للأيتام وفي مئات بيوت المدنيين وفي عشرات المنشآت والأماكن العامة. ولكن كيف يمكن المقارنة؟ هذا “مخزن سلاح” دنس لهم. وهذا “مخبأ” طاهر ونقي لنا. يا للخزي ويا للعار!
مثال آخر، الخدعة الأكثر نجاحاً لمجموعة الدعاية في إسرائيل تبرر وحشية الجيش بذريعة أن حماس “تختبئ وراء السكان المدنيين”. هذا فظيع حقاً. لا يقدرون إلا على مثل هذا العمل الدنيء.
مرة أخرى، الجهل التاريخي يساعد في تسويق هذه الباستا الملونة. إسرائيل اليوم أيضاً قريبة من أن تكون بطلة العالم في إرسال مواطنيها إلى جبهات كي تختفي وراءهم. كل أسطورة “الاستيطان” بنيت على ذلك. كل قداسة “المحراث والعنزة” كمحددة للحدود تستند إلى الاختفاء وراء المدنيين. هؤلاء يرسلون مع النساء والأطفال لتنفيذ مهمات احتلال وتهجير. وعندما يصابون، لا سمح الله، يتم خلق ذريعة مدهشة لإرسال جيش محتل كي يبعد الحدود ويوسع المملكة. يصعب العثور على كولونيالي واحد لم يستعمل هذه الخدعة السيئة: الأوروبيون في أمريكا الجنوبية والشمالية، الإنجليز في أستراليا، الهولنديون والفرنسيون في إفريقيا… وبنفس الطريقة دائماً: احتلال سريع، إحضار مدنيين من قبل المحتل، وتدمير وطرد أو استعباد السكان الأصليين. “مشروع الاستيطان” الخبيث يعلن بشكل صريح أن هذا هو هدف وجوده.
لذلك، أخاف أن تكون إسرائيل مخطئة تماماً في اتهام الآخرين بالاختباء وراء المدنيين. وللعودة والحصول على إذن للتلويح بهذه الحجة، بات من المناسب أولاً إخلاء جميع المستوطنات التي تختبئ إسرائيل وراء سكانها
وتخفي نواياها.
كل هذا ولم نتحدث بعد عن كذبة “عدد المخربين الذين قتلوا” و”لم نتعمد المس” و”حذرناهم كي يبتعدوا” قبل أن نقصفهم، ربما يكون هذا في الحلقة القادمة.
ب. ميخائيل
هآرتس 2/4/2024