سلع غذائية مخفضة للسيطرة على سخط الجماهير… والدعوة للعودة للصناعة البيتية لمقاومة جشع التجار

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يكاد نتنياهو ومن قبله حليف الشيطان الحاكم الثمانيني بايدن وثالثهما الوزير الذي يتباهى بصهيونيته بلينكن، أن يفقدوا عقولهم، إذ لم تسفر المجاعة الأشد إيلاما على مدار التاريخ الإنساني، ولا القنابل الغبية فئة ألفي رطل ويزيد، أن تنال من عزيمة الشعب المبتلى بخذلان أشقائه والمكتوي بالغبن الدولي وتواطؤ الكبار من أجل الانقضاض على فلسطين أرضا وبحرا.. يزداد أفراد المقاومة بسالة وتبتكر نساء غزة وسائل مبهرة لبقاء أسرهن على قيد الحياة، والأطفال والشيوخ يقاومون الجوع بصبر لا مثيل له منذ فجر الإسلام، وعلى مدار التاريخ الإنساني، بينما تسعى الإدارة الأمريكية لتجميل صورتها بعد أن بدت الحقيقة جلية للعالم، بأنها الأكثر إجراما وإبداعا في ابتكار قتل الاطفال والتخطيط لفناء شعب بأكمله، لا ذنب له سوى إصراره على عدم التفريط بوطنه وأرضه.
وبينما عيد الفطر يقترب يواصل الشعب الفلسطيني نضاله لا فرق لديه بين الصوم أو الفطر، فالبطون خاوية ولا أمل يرجى إلا من السماء، فيما بدت المؤسسات العربية والإسلامية وفي القلب منها جامعة الدول العربية كيانات ميتة لا أمل يرجى منها.. وقبيل موعد إجازة العيد، وفي محاولة لمواجهة السخط الواسع بسبب استمرار ارتفاع أسعار العديد من السلع، تواصل وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي تقديم عروض يومية للمواطنين في منافذها ومعرضها المقام تحت شعار “من خير مزارعنا لأهالينا”، الذي يشهد إقبالا كبيرا من المواطنين لشراء احتياجاتهم من السلع الغذائية، للتيسير عليهم خلال شهر رمضان، وبعد عيد الفطر. ويتضمن المعروض عروضا على جميع السلع، حيث يتم طرح دجاجتين بسعر 190 جنيها من إنتاج قطاع الإنتاج في وزارة الزراعة “مبردة” وليست “مجمدة”، وهي إنتاج يومي من المزرعة للمواطن، والارز بسعر 27 جنيها وانخفض سعر اللحمة من 280 جنيها إلى 265، والدجاجة الواحدة من 110 جنيهات إلى 100 جنيه والبانيه من 150 إلى 145 جنيها ونصف كيلو الكبد والقوانص لـ40 جنيها بدلا من 50 جنيها، والكبدة الشرائح والعصافيري لـ55 جنيها بدلا من 65 والبفتيك بـ135 جنيها بدلا من 150.
بينما واصل قطاع الأمن العام، بمشاركة مديريات الأمن، ملاحقة وضبط العناصر القائمة على جرائم الاتجار في الألعاب النارية، وترويجها على نطاق واسع، تنفيذا لتوجيهات اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، باستهداف الخارجين على القانون. وقبيل إجازة العيد أسفرت الجهود بإشراف اللواء محمود أبو عمرة مساعد وزير الداخلية لقطاع الأمن العام، ضبط شخصين في محافظة الشرقية، وبحوزتهما أكثر من مليون قطعة ألعاب نارية مختلفة الأشكال والأنواع والأحجام، وضبط شخص في محافظة أسيوط، وبحوزته أكثر من 300 ألف قطعة ألعاب نارية مختلفة الأشكال والأنواع والأحجام.
أمان مزيف

منحت نتائج حرب 67 إسرائيل شعورا بالأمن لم تعرفه منذ تأسيسها عام 1948، ومنحت الأراضي الفلسطينية والسورية والمصرية والأردنية التي احتلتها القوات الإسرائيلية مناطق عازلة، تبعد حدودها وخطوط التقسيم التي حددتها الأمم المتحدة عن المخاطر المباشرة من تهديدات الجيوش المجاورة. ومن ثم، أصبحت إسرائيل حسب محمد المنشاوي في “الشروق” تتغنى بأن أراضيها مؤمنة، وأنها تستطيع توفير أمن لليهود لم يعرفوه في أي من المجتمعات والدول التي عاشوا فيها، على مدى القرون السابقة. لكن لم تنزعج إسرائيل بشدة أمام هزيمتها الكبيرة في الأيام الأولى لحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 على يد الجيشين المصري والسوري، لأنها خسرت أراضي محتلة غير إسرائيلية. ومنحت تطورات ـ ما بعد حرب أكتوبر ـ إسرائيل المزيد من الشعور بالأمن، خاصة بعد توقيعها معاهدتي سلام مع مصر والأردن، وانهيار الدولة وضعف الجيش في كل من سوريا ولبنان. خلال السنوات الأخيرة، تبلورت عقيدة إسرائيل العسكرية لتشكل ثلاثة محاور أساسية اعتبرتها كافية لضمان تفوقها الكاسح على جيرانها العرب، وبما لا يشكل أي تهديد مستقبلي لها ولحدودها ولسيطرتها على ما تحتله من أراض. المحور الأول يقوم على الردع بمفهومه الكامل، الذي يفشل أي تفكير عربى في إمكانية التفكير في شن هجمات عسكرية على إسرائيل، ناهيك عن هزيمتها أو إلحاق خسائر ضخمة بها. وتصورت إسرائيل أن تسليحها بأحدث ما تمتلكه الترسانة الأمريكية والأوروبية، إضافة إلى رادعها النووي، كفيل بتحقيق هذا الهدف. المحور الثاني يتمثل في تمتعها بآليات متقدمة وحديثة للإنذار المبكر، بحيث تعلم في وقت مبكر بنية أو استعداد، أو حتى تفكير، أحد أعدائها للتحرك عسكريا ضدها. وفي هذا الإطار تباهت تل أبيب باستخدامها أحدث التكنولوجيات المتاحة للتجسس ولتأمين شبكاتها المتطورة والمنتشرة حولها للإنذار المبكر. كذلك تشير تقارير لتمتع إسرائيل بشبكة ضخمة من الجواسيس والعملاء داخل أراضي خصومها، يمدونها بكل المعلومات الممكنة. المحور الثالث تمثل في تبني إسرائيل مفهوم الحرب الخاطفة.

مشلولة الردع

نجحت هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول في هز ثوابت العقيدة العسكرية الإسرائيلية، ما دفع العديد من المحللين الأمريكيين والإسرائيليين، حسب محمد المنشاوي للإقرار بهزيمة إسرائيل بالفعل، على الرغم من اقتراب سيطرتها العسكرية شبه الكاملة على قطاع غزة، وعلى الرغم من سقوط أكثر من 33 ألف شهيد وشهيدة وإصابة عشرات الآلاف الآخرين، وتشرد ونزوح مليونين من سكانه، وتدمير كل مظاهر الحياة فيه. إن ما قامت به حركة حماس ما هو إلا تفجير نفسها في قوة الاحتلال، آخذة في حسبانها تدمير ثوابت العقيدة العسكرية الإسرائيلية بأي ثمن حتى إن كان القضاء عليها كمنظمة مقاومة مسلحة. ما نشهده الآن من ارتفاع شعبية حركة حماس بين صفوف الشعب الفلسطيني، وجموع الشعوب العربية الإسلامية، قد لا يوفر حلولا سريعة لمعاناة أهل قطاع غزة، ولن يعوضهم عن خسائرهم الضخمة المباشرة وغير المباشرة، إلا أن ما قامت به حماس قد ألحق هزيمة بالفعل للمجتمع الإسرائيلي الذي تسيد فيه أنصار التيارات اليمينية المتطرفة منظومة الحكم، ما تسبب في خلافات داخلية وانقسامات لم تعرفها إسرائيل من قبل، بما لذلك من تبعات اقتصادية وسكانية وعسكرية سلبية. ما تقوم به إسرائيل منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول ما هو إلا محاولة لن يكتب لها النجاح لإعادة المصداقية لثوابت العقيدة القتالية الإسرائيلية. تسعى الحكومة الإسرائيلية لطمأنة الشعب الإسرائيلي بأنهم في مأمن داخل دولة إسرائيل. كما تسعى لدفع الشعوب والجيوش العربية إلى إعادة الاعتقاد بأن إسرائيل هي القوة التي لا تقهر، وأنه لا يوجد خيار عسكري ضدها، بعدما أثبتت 7 أكتوبر أنها قد لا تكون قوية كما كنا نعتقد. تحاول إسرائيل اليوم، وبكل قوة، استعادة قدرتها على الردع، كي يستمر العالم العربي في الخوف منها، حتى لو كان ذلك عن طريق اقترافها إبادة جماعية ستكلفها الكثير اليوم وغدا.

سقط الوهم

حتى وقت قريب كانت إسرائيل تتصور أنها قادرة على سحق الجيوش العربية مجتمعة، ولهذا كانت تضع خططها العسكرية على مبدأ الضربات السريعة الخاطفة، وقد شجعها على ذلك، حسبما يرى فاروق جويدة في “الأهرام” ما حدث في نكسة 1967 حين تمكنت من إسكات ثلاث جبهات في ستة أيام، واحتلت سيناء والجولان والقدس. ومنذ هذا التاريخ كانت إسرائيل تتصور أنها قادرة على حسم المعارك مع الدول العربية خلال ساعات، حتى جاءت حرب أكتوبر/تشرين الأول التي غيرت كل الحسابات وألحقت هزيمة ضارية بالجيش الإسرائيلي ما تطلب دخول أمريكا الحرب إنقاذا للكيان الصهيوني، حتى جاءت حرب غزة وتغيرت كل الحسابات واستمرت المعارك شهورا ولم تحسم إسرائيل المعركة في ساعات، كما تصورت يوما.. كانت إسرائيل على ثقة في حرب غزة أن الدول العربية لن تتدخل أمام اتفاقات السلام ومواكب التطبيع وبرامج التعاون الاقتصادي والوفود الإسرائيلية التي تتدفق على العواصم العربية من المحيط الهادر إلى الخليج الغابر.. أخطر ما حدث في حرب غزة أنها كانت مفاجأة للجميع بما في ذلك الدول العربية.. كان اجتياح المقاومة الفلسطينية للأراضي المحتلة أكبر هجوم على إسرائيل منذ إنشائها، خاصة أن إسرائيل كانت قد رتبت أحوالها على حالة سكون عربي في ظل سلام بدأت بشائره تطل في عدد من العواصم العربية، حرب غزة حملت عددا من المفاجآت لإسرائيل وربما غيرت هذه المفاجآت مواقف عدد من الدول العربية، بل إنها غيرت حسابات أمريكا ودول أوروبا..

عبقرية التوقيت

أولى هذه المفاجآت التي يهتم بها فاروق جويدة كان توقيت هجوم حماس على الكيان الصهيوني يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، ما أربك أجهزة الأمن والمخابرات ليس في إسرائيل وحدها، ولكن على مستوى العالم بما في ذلك أمريكا وأوروبا والدول العربية والسلطة الفلسطينية بكل أجهزتها التي تتعاون مع إسرائيل في ظل ما يسمى التنسيق الأمني.. كانت مفاجأة 7 أكتوبر أخطر ما تعرضت له إسرائيل، خاصة أمام فشل أجهزتها الأمنية التي خضعت للتحقيق والإدانة.. كانت الأنفاق التي امتدت لـ700 كيلومتر في غزة أخطر ما اكتشفته إسرائيل أثناء الحرب، وهي قضية أمنية من الدرجة الأولى كيف أنشئت هذه الأنفاق وأين كانت أجهزة الكيان الصهيوني من ذلك كله، خاصة أن الأنفاق كانت أهم القواعد التي اعتمدت عليها قوات المقاومة في استمرار المعارك.. المفاجأة الأكبر كانت غياب العالم العربي عن حرب غزة، مما أعطى إسرائيل فرصة تدمير كل شيء، وقتل الآلاف من النساء والأطفال، ما أعطى إسرائيل فرصة أن تتمادى في تدمير كل شيء، ورغم الدعم الأمريكي الأوروبي للجيش الإسرائيلي فإنه لم يستطع أن يحسم المعركة، بل إن العالم شهد كيف استطاعت المقاومة أن تلقن الجيش الذي لا يقهر درسا في المواجهة، رغم الطيران والأسلحة المحرمة دوليا والقنابل العنقودية.. كانت جميع الأطراف تشاهد الموقف وتنتظر هزيمة حماس وتعليق قادتها على المشانق، وكان الصمت العاجز أكبر إدانة للجميع.. الشيء المؤكد أن إسرائيل خسرت الحرب، رغم الثمن الرهيب الذي تحمله سكان غزة موتا ودمارا، وكان أكبر دليل على خسارة إسرائيل أنها لجأت إلى أحط وسائل القتل وهي تجويع شعب غزة في واحدة من أسوأ المواقف في الحروب وكانت هذه أكبر دليل على أن إسرائيل خسرت كل شيء.

الشيطان أمريكي

“الشيطان يعظ”.. هذه العبارة كانت تتردد كثيرا، وتستحوذ على ردود الأفعال الغاضبة قبل أيام من حلول شهر رمضان الكريم، حيث كانت نغمة ضرورة إيقاف حرب الإبادة على الفلسطينيين هي الغالبة في تصريحات وأقوال الاستهلاك الإعلامي، وفق ما أشار إليه عصام عبد الحافظ في “الأخبار” وكان القلق يتعاظم من تأجيج مشاعر الغضب واتساعها إلى الضفة الغربية، فالوضع دائما ما يكون على حافة الانفجار في حالة حرمان الفلسطينيين من أداء المناسك والعبادات التي اعتادوا عليها في المسجد الأقصى، والغريب أن هذه التحذيرات وتلك التخوفات كانت تصدر من شركاء حرب الإبادة وداعموها من صقور الإدارة الأمريكية، وخصوصا جو بايدن، وأنتوني بلينكن، وجون كيربي. ولا عجب أن تُصاحب عبارة “الشيطان يعظ” كل مشاعر الدهشة، فالذين كانوا يرددون تلك التحذيرات، هم الرئيس الأمريكي بايدن الذي يتفاخر بصهيونيته، وتُنسب له مقولة «ليس شرطا أن تكون يهوديا لكي تُصبح صهيونيا»، وله تصريح أشهر عندما كان نائبا في الكونغرس، وتتداوله فيديوهات على السوشيال ميديا، وهو يقول: إذا لم تكن إسرائيل موجودة، فيجب علينا أن نوجدها ونخترعها في الشرق الأوسط. وتخيلوا معي أن الذي كان يخطب بحماس هتلري في الكونغرس، ويُشجع النواب على دعم إسرائيل وتلبية احتياجات جيشها، وتوفير الحماية لها في جرائم الاإادة لكل ما هو فلسطيني، هو بايدن نفسه الذي ارتدى ثوب الواعظ وارتدى عباءة كبير المنافقين، قبل أيام من الشهر الكريم، وهو الشخص نفسه الذي هرول إلى إسرائيل بعد عملية المقاومة الباسلة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وحرص على أن يُشارك مجلس حرب الكيان الصهيوني في الإعداد لحرب الإبادة لقطاع غزة. ولم يكن بلينكن وزير الخارجية أقل حماسا وصهيونية من بايدن، فقد خطب أمام نتنياهو وأمام الإسرائيليين على الشاشات، مؤكدا أنه جاء إليهم بصفته يهوديا مات جده في محرقة النازي، واعتاد بلينكن بعدها على عمل جولات مكوكية في المنطقة على مدار ستة أشهر، وتحت ستار إبرام صفقة تبادل للأسرى والرهائن بين الاحتلال والمقاومة، وكان وما زال بكل قوة يقدم الدعم السياسي والدبلوماسي لإسرائيل. وهكذا أيضا كان يفعل جون كيربي مستشار البيت الأبيض، وبدموع التماسيح على الملأ كان يعتذر بمشاهد تمثيلية عن عدم استكمال مؤتمره الصحافي لتدهور مشاعره حُزنا على ضحايا المستوطنين المحتلين لأرض وبيوت الفلسطينيين، أليس من المُضحك أن يكون الواعظ هو الشيطان بعينه..
أملا في كارثة

الأزمة التي يعانيها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو أزمة حقيقية، إن في المستوى السياسي أو العسكري، أو حتى على المستوى الشخصي. تابع أسامة غريب في “الأهرام”: عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين لم يصل بهم نتنياهو لشيء من الأهداف التي أعلنها عقب «طوفان الأقصى»، فبعد ستة شهور من بدء مجزرة غزة، لم يستطع تحرير أسير واحد من أيدي المقاومة. كل ما أنجزه هو دمار غير مسبوق ومجاعة فرضها على الفلسطينيين ومعاناة لم يعرف التاريخ لها مثيلا بين المدنيين. وأغلبهم من النساء والأطفال. من مظاهر أزمة رئيس الوزراء الإسرائيلي المظاهرات العارمة التي تطالب برحيله، وضغط الأهالى الذين أيقنوا أنه تخلى عن أبنائهم المأسورين، ويريد تصفية قضيتهم بموتهم تباعا جراء القصف الإسرائيلي، أو الجوع الذي يشاركون فيه أهل غزة. كذلك يواجه التمرد من جانب اليهود الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكرية. فضلا عن الانقسامات التي تعصف بحزبه وسط اتهامات متبادلة بالتقصير. ليس هذا فقط وإنما يشعر نتنياهو بتزايد ابتعاد الأوروبيين عنه بعد أن كان تأييدهم له مطلقا، وكذلك تباين المواقف مع الداعم الأمريكي الذي يخشى عملية في رفح ستكون عارا أبديا في جبين الإنسانية، كل هذا يواجهه الرجل وسط اقتصاد يتداعى وعمليات تهجير للمستوطنين، الذين ابتعدوا عن نيران حزب الله وانتقلوا لوسط إسرائيل وتركوا الشمال ينعق فيه البوم.

اصطياد إيران

ويمكننا وفق ما أشار إليه أسامة غريب، أن ننظر لجريمة قصف القنصلية الإيرانية في دمشق على أنها محاولة يريد بها نتنياهو جر إيران إلى المعركة مباشرة ليضمن تدخل الجيش الأمريكي لتحقيق الأهداف الإسرائيلية. هي محاولة يسعى إليها بالضربات التي يوجهها كل يوم إلى الوجود الإيراني في سوريا، وهو يأمل أن تستجيب إيران للاستفزاز وتدخل المعركة ليقوم بتوسيع الصراع وخلط الأوراق. تستطيع إيران طبعا أن تتلقى الكف تلو الكف من اليد الإسرائيلية، كما اعتادت، ثم تتذرع بمقولة إن أحدا لن يجرها لصراع لم تقرره، لكن المشكلة أن حجم العدوان والجريمة الإسرائيلية هذه المرة من النوع الذي لا يجوز السكوت عليه، وإلا فقدت إيران مكانتها ورصيدها، ليس فقط لدى الميليشيات الحليفة في سوريا والعراق ولبنان واليمن. وإنما لدى الجمهور الواسع الذي يقرأ ويشاهد على مدى سنوات إنجازات عسكرية جديدة يزيح الإيرانيون عنها الستار طوال الوقت ما بين صواريخ وطائرات وسفن حربية وأقمار صناعية ويورانيوم يوشك أن يصير قنابل نووية. لا تستطيع إيران هذه المرة أن تصم الآذان عن صوت الجمهور المطالب بالثأر، ولا ينفعها أن ترد ردا محدودا من خلال أحد أذرعها في المنطقة. لكن الإشكال الإيراني يكمن في أن إسرائيل تنتظر على أحر من الجمر أي رد فعل عنيف، لترسل طائرات الشبح لقصف العمق الإيراني، ولا ننسى أن إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول تقوم بتمثيل دور من أصيب بالجنون، وبالتالي لا يمكن معاتبته أو مناقشته. الرد الإيراني المتماثل الذي يحفظ سمعة طهران لا بد من أن يكون في إطار الجنون أيضا، والإيرانيون لديهم القوة والقدرة.. لكن تُرى هل يقدرون على تبعات الجنون؟

جحيم لا يطاق

ارتفاع الأسعار أصبح أمراً لا يطاق، خاصة من قبل المنتمين للطبقتين الوسطى والدنيا. فمعدلات التضخم في ارتفاع متواصل، وجشع المحتكرين من وجهة نظر عمرو هاشم ربيع في “الشروق” فاق كل تصور، في ظل الرغبة المحمومة في ابتكار كل جديد للإفلات من القانون. الكسب والربح السريع هو ديدن عديمي القيم والأخلاق، هؤلاء الناس لا يعنيهم على الإطلاق أي مواعظ أو نصائح حول ما ينتظرهم يوم الدين بسبب نهب أموال الناس، واستغلال الفرص. كل ما يهم هؤلاء تجميع المال، وتركه لأبناء لن يكونوا مسؤولين عن سبل جمعه، يتمتعون به في الدنيا، أما من استحوذ وجمع الثروة بحيل ودهاء فيتمتع بنار جهنم. واحد من أهم سبل مواجهة هؤلاء هي المقاطعة، والبحث عن بدلاء. سبيل آخر هو جهد الدولة في تعديل التشريعات الخاصة بمنع الاحتكار وحماية المنافسة. أفضل التعديلات على القوانين الخاصة بذلك يتحتم أن تشتمل على غلق النشاط والسجن، ومضاعفة الغرامات. الدكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني ووزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، يطرح مسألة مهمة وهي تحويل الجرم الخاص بالمحتكر إلى جرم مخل بالأمانة الشرف، ما يمنع صاحبه من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية، إلى جانب كل ما سبق من تصعيد في الغرامة وسنوات السجن وغلق النشاط. أمر آخر متصل بالمواجهة وهو الابتكار نفسه. بمعنى أن المستهلك بالنسبة لشراء السلع المصنعة، من المهم أن يعرف كيفية صناعتها إن أمكن، بحيث يقوم المستهلك بتركيب السلعة المرادة في المنزل بأقل التكاليف الممكنة. هذا الأمر يحد من الاستهلاك بداية، ويعطي المستهلك الفرصة لادخار قوت يومه بأقل التكاليف. بالطبع وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المختلفة حبلى بالعديد من الوسائل الخاصة بكيفية تركيب المنتج وصناعته بعد إرشاد القارئ على المحتوى والمكونات.
الصناعة المنزلية

يقوم البعض بتصنيع الجبن والصابون وأدوات الزينة، ويتبعون طرائق عديدة لعدم استهلاك المزيد من الزيوت، ناهيك عن صناعة الدواجن والأشجار المثمرة في حدائق المنازل، خاصة في الريف، وكلها وسائل بديلة حسبما يقول عمرو هاشم ربيع، عن انتشار محلات الدليفري والمطاعم مرتفعة الأثمان. أبرز الأمثلة التي يمكن للإنسان أن يحتاجها اليوم على وجه التحديد، هو ما يحتاجه المستهلك في ختام صيام شهر رمضان، وهو كحك العيد، وهو عادة مصرية قديمة، يستحيل أن يستغني عنها المصريون على اختلاف شرائحهم. منذ عقدين أو أكثر اشتهر بين الناس والتجار مسألة صناعة الكحك بالوسائل الحديثة، وبيعه في المحلات بأسعار تصل إلى أربعة أو خمسة أضعاف المصنّع في المنزل. وبسبب التضخم المستمر، ولاعتماد تلك السلعة على سلع أخرى كالدقيق والسكر والسمنة والغاز، فإن أسعار الكحك في ارتفاع متواصل، خاصة أنها سلعة ليست مرنة، بسبب إدراك التجار والمصنعين أنها سلعة يحتاجها الجميع تقريبا بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية. في البحث في أسعار الكحك هذا العام، يظهر أن الكيلو الواحد من تلك المخبوزات قد يصل إلى ما فوق 400 جنيه في بعض الأحيان. واحد من أهم وسائل مواجهة ذلك العودة لتصنيع تلك المخبوزات في المنزل، وكما يقول المثل الشعبي الشاطرة تغزل برجل حمار، فالعادة التي اعتادها الناس تمت، وتم التحايل على الغلاء والمستغلين. فكما كان يحدث في السابق كانت السيدة المصرية وبأقل التكاليف تقوم بإعداد «صاجات الكحك» بالاعتماد على الفرن المنزلي بالتأكيد الأسعار أرخص ومستوى النظافة أفضل والمذاق مختلف.

ما بعد خطاب التنصيب

يترقب المصريون تفاصيل ما بعد خطاب التنصيب، ويتمنى كل واحد فيهم لو أن فكرة المراجعة تصبح التفصيلة الأهم في المشهد.. تابع سليمان جودة في “المصري اليوم” شيء من هذا أقصده عندما أتحدث عن مراجعة أترقبها بقدر ما يترقبها غيرى اقتصاديّا بالذات، وربما يكون علينا أن ننتبه هنا إلى أن المراجعة في حد ذاتها فكرة شجاعة، وهي لا تنال ممن يمارسها، ولكنها تضيف إليه على الدوام. ولأننا على باب ولاية رئاسية ثالثة مدتها ست سنوات، ولأن هذه الولاية الثالثة سبقتها ولايتان مدتهما معا عشر سنوات، فالمتصور أن تأخذ الثالثة مما سبقها، وأن تبنى عليه، وهي لن تفعل ذلك إلا إذا كانت المراجعة حاضرة بمعناها الصحيح. وإذا كنا نعيش هذه الأيام فترة من التقاط الأنفاس، وخصوصا بعد صفقة رأس الحكمة، واتفاق صندوق النقد الدولي، واتفاقية الاتحاد الأوروبي، فعلينا ألا ننسى أن هذه فترة سبقتها فترة صعبة للغاية، وقد كان المصريون وقتها يضعون أيديهم على قلوبهم، وكانوا يدعون الله أن تمر الدنيا على خير.. وقد كانت السماء على موجة واحدة معهم في الإرسال والاستقبال، فاستجابت، ووجدنا أنفسنا وجها لوجه مع الصفقة والاتفاق والاتفاقية في وقت واحد تقريبا. هذا كله أدعى إلى أن تكون المراجعة حاضرة، وهذا كله أدعى إلى ألا نخشى من الاعتراف بأن الممارسة الاقتصادية في السنوات العشر قد شابتها بعض الأخطاء في السياسات وفي تطبيقها.. وهذا بالمناسبة ليس عيبا لأن الذي يخطئ هو الذي يعمل.. ولكن في المقابل هو مَن أخذ مما مضى ليضيف إلى ما هو مقبل. إن المستثمرين على سبيل المثال كانت لهم مطالب في ما مضى، وهي مطالب أخذت الحكومة ببعضها، ولم تأخذ بالبعض الآخر، وهذا ما سوف يكون علينا أن نتداركه، لأن قضية الاستثمار تؤخذ كلها أو تُترك كلها، ولا يُجدي فيها التجزئة أو التقسيط.. وعندما أقول الاستثمار والمستثمرين فإنني أعني المستثمر الوطني في المقام الأول، لا المستثمر الأجنبي، ليس بالطبع عن موقف ضد الثاني، ولكن لأن المستثمر الأجنبي يتطلع دائما إلى المستثمر الوطني باعتباره الترمومتر الماثل أمامه.. فإذا ارتفع مؤشر هذا الترمومتر جاء المستثمر الأجنبي وأقبل، المقاصد التي من حولنا، غير أن إقباله لا يتم تلقائيّا ولا بالمجان.

الحقيقة جلية

هناك من يسعون إلى طمس الحقائق أو تشويهها أو إنكارها، لأنهم كما وصفهم علاء ثابت في “الأهرام” اعتادوا على الأكاذيب والأوهام والخداع، والحقيقة تكشف تشوهاتهم وضعفهم، وهؤلاء لا يمكنهم التعايش مع الحقيقة، لا يرون الواقع، وينكرون حتى نور الشمس، ولا يجدون فرصة لهم إلا في مكائد الظلام، وإلقاء التهم على الأنوار التي تشع وتجهر بالحقيقة.. لا يرون العاصمة الإدارية الجديدة، لا يريدون حتى مجرد رؤيتها، لا يريدون رؤية شبكة الطرق العملاقة، التي ربطت لأول مرة أرض مصر، ووسعت من مساحتها أضعافا مضاعفة، ولا يريدون رؤية التحديث الذي يتمدد إلى كل جوانب حياتنا، لأنه بالنسبة لهم نهاية مؤلمة للظلام الكامن في نفوسهم، والذى لا يمكن أن يتعايش مع الحداثة والتطوير، ويتمسكون بكل قبيح ومتهالك، سواء كان ذلك مباني العشوائيات التي تعكس الأفكار العشوائية التي ظهرت واتسعت وأفسدت الأذواق والأخلاق، والقدرة على الفهم والتفكير والإبداع والتطوير، إنهم لا يريدون سوى الجمود الذي اعتادوه، ولا يستطيعون إلا الاستمرار فيه، ويكرهون الخروج إلى النور. إن حفل تنصيب الرئيس السيسي رغم بساطته أثار أحقادهم، لأنه كان بمثابة الإعلان عن تحول الجمهورية الجديدة إلى واقع وحقيقة لا يمكن إنكارها، وأن قطار التطور والتحديث قد انطلق، ولا سبيل لإيقافه أو حرفه عن مساره، وأن مسيرة التطوير والتحديث سوف تزيل كل الظلام المتراكم، وإرثا من التظليل الذي طال مختلف جوانب الحياة، لكنه لا يستطيع الصمود أمام نور الحقيقة الذي يصدم عيونهم كل يوم، ولن يعجزوا عن إخفاء تلك الحقائق الجلية من مشروعاتنا القومية الكبرى مهما أطلقوا من شائعات أو أغشوا العيون ببقايا أتربتهم المتراكمة في عقولهم.

فراولة نيللي كريم

لأول مرة تتصدى الدراما التلفزيونية لأشكال النصب بما يسمى «الطاقة الحيوية»، تقول سحر جعارة في “الوطن”، وهو ما كتبت ضده كثيراً، وناقشته في برامج تلفزيونية أكثر من مرة، لكن يظل حتى الآن امتصاص دماء الناس من النقود والصحة باسم العلاج بالطاقة مستمراً، سواء بموضة الأشكال الهندسية للشفاء، أو باستخدام الأحجار لجلب الطاقة الإيجابية، أو طاقة الشفاء أو الرزق أو حتى الزواج، أو حل مشكلات الخيانة الزوجية! «فراولة» التى تجسدها النجمة نيللي كريم تعمل مع نصاب صيني يسمي نفسه «خبير العلاج بالطاقة» ويتمكن من إغوائها والسيطرة على عقلها هي وآخرين لخلق شبكة عنكبوتية من المشترين بتحويلهم إلى بائعين، ويجمع أكبر مبلغ ممكن من المكاسب، ويتركها فريسة للمحاكمة باعتبارها مديرة المكتب، العيادة، ما يدفعها إلى البحث عن حلول حتى تلجأ لشراء أحجار جديدة وتقديمها للحاجزين.. ثم تبدأ اللعبة. تدخل على الخط سامية ملكة السوشيال ميديا (شيماء سيف)، لنرى كيف تتشكل نجومية المحتال بواسطة السوشيال ميديا، صفحات متعددة على مواقع السوشيال ميديا وشراء لمتابعين يهللون لفراولة في التعليقات، ثم تدفع بها سامية إلى شاشة التلفزيون -عن طريق الإعلانات- وهكذا تتحول فراولة البنت البسيطة التي كانت والدتها تقرأ الفنجان بأجر، تتحول إلى خبيرة وينادونها بلقب «دكتورة». بينما الطبيب الحقيقي الدكتور إبراهيم (يجسده صدقي صخر)، يعاني من عدم إيمان الأغلبية بالعلاج النفسي، ويحاول أن يواجه الخرافات التى تروج لها فراولة، لدرجة إبلاغ الشرطة عن نشاطها المشبوه.. لكنه يفشل ويجد ابنته الطفلة نفسها تتباهى بصورتها مع فراولة، وتتحول فراولة نفسها إلى مثل أعلى للطفلة.. فيقرر الظهور لايف على إنستغرام لكشف حقيقتها للناس، ويفشل لأنه لا يعرف قواعد اللعبة على السوشيال ميديا. يشعر الدكتور إبراهيم باليأس والإحباط، فيحاول تجربة العلاج بالوهم أو قوة الإيحاء «البلاسيبو»، وهي طريقة علمية تتم بإعطاء المريض مادة بهدف علاجه، ليس لها تأثير حقيقي في علاج المرض بعينه، بل يتم إيهام المريض نفسياً بأن هذا العلاج الذي يتناوله يحمل شفاءً لمرضه، كما يستخدم هذا العلاج في اختبارات الأدوية الجديدة وفي الأبحاث الطبية، من دون معرفة المُتداوي، ما إذا كان هذا الدواء فعّالاً أم لا.. ينجح العلاج بالبلاسيبو، لكن الأمانة العلمية تدفع الدكتور إبراهيم إلى إخبار المريض بالحقيقة.. وتلقائياً ينتقل المريض من عيادة الطبيب إلى مقر «فراولة».
فراولة في عبارة قصيرة اعتاد أن يرددها المحتالون من هذه العينة تقول للمريض «لا تتوقف عن أخذ علاج الدكتور».. وكلنا نعلم أنهم تسببوا في كوارث، مرضى سرطان تركوا العلاج الكيميائي، واكتفوا بالعلاج بالأشكال الهندسية أو أعشاب «عبد الباسط» لعلاج فيروس C، إلخ، آلاف الأنماط من الاحتيال التى يبتكرها الدجالون الجدد. أهم ما في العمل أنه يقدم كيف يتضخم الدجال من خلال الدعاية الممنهجة، ويذيع صيته لدرجة استشارته في أمور اقتصادية، وبعدما يحقق مكاسب بالملايين يتوسع في نشاطه ولا يكتفي بالأحجار، بل تكون هناك أبلكيشن متاحة على الموبايلات الذكية تضم كل أشكال الخرافة مثل قراءة الكف والفنجان بأساليب ذكية. هناك خبيرة طاقة بررت طلاق أحمد العوضي وياسمين عبد العزيز بأنه: «السحر الأسود» وقالت: نعم إهانة صورتك وتدنيسها سحر أسود، حرق صورتك وتشويهها سحر أسود، قطع صورتك والكتابة عليها سحر أسود، وضع صورتك على الثلاجة والباب سحر أسود، هذا سبب أول لطلاق ياسمين وأحمد وضع صورتهما على التورتة وتقطيعها والتهامها. لا تسأل ما دخل الطاقة في السحر الأسود، لأن كل ما يتعلق بالدجل والشعوذة يجذب بعضه بعضا. وكأن «صناعة الخرافة» لم تكن لتكتمل إلا بمتاهة السوشيال ميديا، وامتدت دائرة «الدجل والشعوذة» وتبرير قلة الرزق بالحسد وعدم الزواج بالسحر إلى الشبكة العنكبوتية، حيث لا سيطرة على هؤلاء المدّعين ولا على زبائنهم من مدمني الشكوى والتعلّل بالعجز والأسباب الميتافيزيقية المجهولة لمشكلاتهم.. والبحث عن «الطاقة الإيجابية» و«قانون الجذب». لقد كتبنا كثيرا وطويلا لكنهم أصحاب الصوت الأعلى تماماً، كما في المسلسل، رغبة الناس في حل مشاكلهم الصحية والحياتية بأسهل الطرق وانتشار المحتالين الذين أصبحوا نجوماً جعلا الدجل ينتصر على التنوير في هذا المعركة حتى الآن.. إنه الصراع بين العقل والخرافة يتجسد بشكل كوميدي لذيذ في «فراولة».. أتمنى أن تصل الرسالة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية