تجدد المخاوف من توسع دائرة الحرب الإسرائيلية إقليمياً: قطر متمسكة بإنهاء القتال وإنقاذ سكان غزة من الجرائم المرتكبة

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
2

الدوحة ـ «القدس العربي»: تتجدد المخاوف من اتساع رقعة الأزمة الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على غزة إقليمياً، وتفجير الأوضاع في مناطق مختلفة، على ضوء رفض ساسة تل أبيب الالتزام بالمقترحات الرامية لوقف القتال وإنهاء مأساة سكان يواجهون واحدة من أشرس الفظائع في العصر الحديث، دون الالتزام بجهود الوساطة التي تقودها قطر وعدد من الدول.

وتتعزز المخاوف من تبعات الحرب الإسرائيلية على غزة التي تجاوزت شهرها السادس، مع تأكد محاولات بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي تفجير الأوضاع في المنطقة ونقل حربه من حدود القطاع المحاصر لدول الجوار ثم الإقليم. وتترسخ قناعة محاولة نتنياهو توسيع دائرة الأزمة، لدى الكثير من صناع القرار والسياسيين لتعنت تل أبيب بضغط من «التيار المتشدد» في الحكومة الإسرائيلية ورفضها الاستجابة لكل الجهود التي يقودها الوسطاء على رأسهم قطر والولايات المتحدة الأمريكية ومصر.
ومع نسف جهود إنهاء القتال قبل رمضان مثلما كان الوسطاء يسعون، ظل الأمل قائماً للتوصل لاتفاق خلال الشهر الفضيل، ثم قبيل العيد، لكن المؤشرات الأخيرة توحي أنه حتى مناسبة العيد ستعود لسكان غزة بنفس الحال الصعب والقاسي الذي يواجهونه.

إصرار قطري
على استكمال الوساطة

وتواصل قطر لعب دورها المحوري في إدارة جهود الوساطة للتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإسرائيلية على غزة بعد استفحالها وتدمير حياة ملايين الأشخاص وما تلى ذلك من تبعات قاسية.
وتؤدي الدوحة دورها الداعم لسكان غزة، عبر عديد الخطوات من الدبلوماسي، والإنساني، والإغاثي، والإعلامي، للتخفيف من تلك المعاناة.
فدبلوماسياً إضافة لجهود الوساطة التي تقوم بها بين تل أبيب وحماس، تستقبل قطر المسؤولين الدوليين، وقادة الدول، ويكون ملف الحرب الإسرائيلية على رأس أجندة اللقاءات التي تجرى في قصر لوسيل والديوان الأميري، ووزارة الخارجية، وغيرها.
ومؤخراً التقى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في قصر لوسيل في العاصمة القطرية الدوحة، حيث جرى خلال المقابلة «مناقشة التطورات الإقليمية والدولية خاصة المتعلقة بتطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة».
وأكد الجانبان «ضرورة بذل الجهود لخفض التصعيد وتجنيب المدنيين تبعات القتال، وفتح الممرات الآمنة في غزة للإغاثة والجهود الإنسانية، وضمان عدم اتساع رقعة العنف إقليميا».
وتجدد المطلب خلال لقاء جمع رئيس الوزراء الإسباني مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني.
وأكدت قطر في تصريحات لرئيس وزرائها وزير الخارجية في مؤتمر صحافي عقد في الديوان الأميري مع نظيره الإسباني، على استمرار العمل الدبلوماسي لوضع حد للحرب في غزة والمساعدة في العملية التفاوضية (الجارية بين حماس وإسرائيل). وما تزال الدوحة تأمل أن تمثل قرارات محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن (بشأن إنفاذ إدخال المساعدات لغزة ووقف إطلاق النار خلال شهر رمضان) خطوة لوقف إطلاق النار. وتحمل قطر المجتمع الدولي مسؤولية فرض وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة.
وتعتبر قطر أن العملية العسكرية التي تنوي إسرائيل تنفيذها في رفح، لا تحظى بأي دعم ولا تتبناه سوى قيادات تل أبيب. وقال آل ثاني بصراحة: «ليس من المعقول أن تحشر قرابة 50 في المئة من سكان غزة في الزاوية (10 في المئة من مساحة القطاع) وأن تعتدي عليهم فهذا لن يؤدي إلا إلى إبادة جماعية تضاف للإبادة التي ارتكبت وهذا لن يكون مقبولا لأحد». وتعيب الدوحة على المجتمع الدولي فشله التحرك كما يجب لوقف الحرب، واعتبر رئيس الوزراء القطري «أن ما ارتكب بحق الشعب الفلسطيني يفترض أن يحفز الأسرة الدولية على التحرك حتى تقول كفى هذا غير مقبول». مضيفاً أنه «إذا ارتكبت إسرائيل ذلك دون محاسبة فسوف نشهد استمراراً لدوامة العنف والتصعيد في المنطقة، وهذا ما نسعى جميعا لتلافيه ولا يمكن أن نترك مصير المنطقة بين أيدي بعض السياسيين المغامرين الذين لا يهمهم سوى مصلحتهم».

معيقات الوساطة

تعتبر قطر أن من أسباب عدم الوصول لهدنة أو اتفاق رغم الجولات التفاوضية المتعددة ووسائل الضغط لتحقيق ذلك، وجود عدد من النقاط العالقة وتحديداً، عودة النازحين إلى ديارهم ووقف إطلاق النار وصولاً إلى وقف مطول ثم وقف مستدام، وتقديم الحلول بشأن أي عراقيل يطرحها أي من الأطراف.
وترى الدوحة أن نقطة الخلاف الرئيسية في المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة هي عودة النازحين لمناطق مختلفة من القطاع الفلسطيني.
وأكد الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني ميل قطر الدائم، إلى التفاؤل والأمل، وبذل الدوحة كل ما في وسعها للإبقاء على زخم إيجابي خلال المسار التفاوضي، وتعدد جولاته من أجل التوصل لوقف إطلاق النار رغم أن الأمر استغرق عدة أشهر، وآخر وقف لإطلاق النار كان في تشرين الثاني/نوفمبر.

موقف إسباني متقدم
على نظرائه الغربيين

تلقت إسبانيا إشادة لموقفها الأخير الذي أعلنه بيدرو سانشيز من العاصمة القطرية الدوحة، وتأكيده على مضي مدريد في مسعى لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وحل القضية الفلسطينية والاعتراف بها.
وعبر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني على الهواء مباشرة وفي مؤتمر صحافي عقده في الديوان الأميري مع نظيره الإسباني، نيابة عن قطر والشعوب العربية في المنطقة كافة عن امتنانها للموقف الإسباني وتثمينها لهذا الموقف المبدئي. واعتبرت تحركات بيدرو جريئة مقارنة مما يحدث من انقسام المبادئ وازدواجية المعايير على حسب مكان الأزمة. وتأتي تلك الإشادة بعد إعلان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن التفسيرات الإسرائيلية لمقتل سبعة من العاملين في المجال الإنساني في قطاع غزة «غير كافية» و«غير مقبولة». واستطرد سانشيز أن إسبانيا ستمضي قدما «في أسرع وقت ممكن» في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، من دون تحديد موعد دقيق. واعتبر أن التصريحات الأولى التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول ما حدث في غزة في ما يتعلق بمنظمة كبير الطهاة خوسيه أندريس غير الحكومية لا تبدو كافية، ويتوقع تفسيرات «أكثر تفصيلاً بكثير عن أسباب ومبررات هذه الضربة، مع الأخذ في الاعتبار أن الحكومة الإسرائيلية كانت على علم بنشاط هذه المنظمة غير الحكومية وخط سيرها في غزة». ويأتي الوقوف عند تصريحات سانشيز مع أنها تدخل في نطاق «العادية» عند مقارنتها بصمت المجتمع الدولي، رغم فظاعة الحرب في قطاع غزة وما أفرزته من واقع إنساني مأساوي، حيث حصدت أكثر من 32 ألف روح وخلفت أكثر من 75 ألف جريح ومصاب معظمهم من النساء والأطفال، مع صور صادمة ومروعة تظهر حجم الدمار الذي خلفه الجيش الإسرائيلي بعد اقتحام مجمع الشفاء الطبي بالقطاع بما في ذلك تدمير وإحراق جميع مباني المجمع وخروجه بالكامل عن الخدمة بالإضافة إلى حرق وتدمير الآلاف من المنازل والبنايات السكنية في محيط المشفى، ناهيك عن مئات الشهداء والجرحى والمعتقلين والمختفين.

تصريحات استفزازية

تواجه قطر سيلاً من التصريحات الاستفزازية من أطراف إسرائيلية، تسعى في جوهرها للنيل من جهد الدوحة في التوصل لاتفاق. ومؤخرا اعتبر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أنه هناك بعض التصريحات التي تخرج ضد دولة قطر والدور الذي تلعبه للتوصل إلى هدنة ووقف إطلاق النار في قطاع غزة، معتبراً أن الدوحة تلعب دور الوسيط، وليست طرفاً في هذا النزاع، كما أنها لا تدخر وسعا من أجل التيسير ومد الجسور وتوفير الحلول المبتكرة بهدف التوصل لاتفاق.
رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية «أحيانا نرى بعض الأطراف تلعب لعبة تدمير ذاتي» منبها إلى أن المشاركة بطريقة بناءة وتوفير الحلول بدلا من العراقيل أمر أساسي، لكن هناك دائما من يلقي اللوم على غيره، وهذه ليست المرة الأولى التي يقال فيها هذا الكلام لكن دولة قطر تحاول أن تبقى فوق هذه التصريحات وتشارك دائما في مسار التفاوض وتحاول التوصل إلى حل وتسوية. كما استنكر المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري تصريحات لوزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات ضد بلاده، معتبراً أن الأخير يسعى إلى «الظهور سياسيا» عبر هذا النهج. وقال الأنصاري، إن بركات «يهاجم الوسطاء بدلاً من دعم جهود التوصل إلى اتفاق» حول الحرب على قطاع غزة. ووصف المتحدث القطري الوزير الإسرائيلي، وهو عضو في حزب الليكود الحاكم الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بأنه «سياسي آخر بإسرائيل يسعى للظهور عبر مهاجمة قطر لتعزيز مستقبله السياسي». واعتبر أن «نشر الأكاذيب بشأن قطر التي ساعدت في إطلاق الرهائن علامة على تهور سياسي وأنانية». وتقول قطر إن المكتب السياسي لـ«حماس» في الدوحة افتتح عام 2012 «بعد طلب من واشنطن لإقامة خطوط اتصال غير مباشرة مع حماس». وســـبق أن انتقد نتنــياهو قطر، وقال إن «دورها في الوساطة يمثل إشكالية» في وقت استنكرت فيه الدوحة تلك التصريحات، واعتبرتها «غير مسؤولة لكنها غير مفاجئة».
وتدرك تل أبيب أن وساطة قطر إلى جانب بعض الشركاء الإقليميين، تسعى إلى التوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى وهدنة ثانية بين إسرائيل و«حماس» بعد الأولى التي استمرت أسبوعا حتى مطلع كانون الأول/ديسمبر الماضي، وأسفرت عن تبادل أسرى وإدخال مساعدات محدودة إلى القطاع.

عزلة إسرائيلية
وفضح الجرائم المرتكبة

وتواجه إسرائيل بسبب مواقفها وقراراتها وعملياتها وحربها على غزة، عزلة دولية واسعة، مع انقلاب الرأي العام الدولي ضدها، بسبب فداحة الجرائم المرتكبة.
فمثلاً لأول مرة منذ بدء الحرب على غزة قبل 6 أشهر صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تفرد غلافها الرئيسي بالكامل للمطالبة بوقف الحرب فوراً. «كفى.. لقد حان الوقت للقيام بكل ما يلزم لإجبار إسرائيل على إنهاء حربها.. يجب أن تتوقف الآن وفورًا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية