غزة-«القدس العربي»: «نخرج الخوف والقلق الذي نعيشه بسبب الحرب على شكل رسومات وأشعار ونصوص مكتوبة وأيضا نقوم بالتمثيل»… تلخص النازحة هناء أبو عمرة، 41 عاما، فكرة مبادرة العلاج بالفن «Art therapy» التي أطلقها التونسي عز الدين شلح في مراكز الإيواء في مدينة رفح، لعلاج الصدمات النفسية القوية التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية في نفوس أطفال ونساء قطاع غزة.
رسومات لتبديد الخوف
هناء التي نزحت مرتين داخل قطاع غزة، الأولى من بيت حانون إلى جامعة الأقصى في مدينة خان يونس ومنها إلى خيمة في مخيم تل السلطان في رفح، تحلم بانتهاء الحرب الإسرائيلية على القطاع والتي باتت على مشارف الشهر السابع، كي يتمكن أطفالها من العودة إلى منزلهم الذي دمره الاحتلال في بيت حانون، من أجل أن يعيشوا طفولتهم المسروقة.
أبناء هناء ثلاثة ولدان وبنت، تتراوح أعمارهم بين 7 سنوات و15 عامًا رسمتهم وهم يلعبون كرة القدم في فناء مدرسة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، فهي تأمل في عودة أطفالها إلى مدرستهم بعدما ضاع عليهم العام الدراسي 2023 – 2024.
وتقول لـ»القدس العربي» خلال حديثها: «نفسي نرجع إلى حياتنا الطبيعية. يوميًا أموت من الخوف على مستقبل أولادي. لكن هذه الرسومات تُفرج همي الكبير».
ليست لوحة المدرسة المجاورة للتلال من ناحيتها الشمالية هي ما رسمتها ربة المنزل الفلسطينية فقط بل عبرت في لوحة أخرى عن جرائم الاحتلال بحق أطفال قطاع غزة، عن طريق استخدام ألوان المياه أظهرت طبيبًا يحاول إنقاذ أحد الأطفال الذين قتلتهم الحرب، بينما لم توضح ما إذا كان الطبيب قد نجح في مهمته أم لا، تبقى النهاية مفتوحة تشير إلى عدم الاستقرار النفسي الذي تعانيه. أمل أبو عمرة، ابنة هناء، رسمت سماءً زرقاء وسحبًا وطيورًا وشمسًا وأشجارًا، لوحة توحي بالأمل في غزة بلا حروب أو دمار، تجسد الطفلة البالغة من العمر 15 عامًا، من خلالها، حال القطاع المحاصر قبل عدوان السابع من أكتوبر الماضي، في مشهد اعتادت رؤيته أثناء الذهاب إلى مدرستها في بيت حانون، تتمسك به ذاكرتها ولن تتراجع عنه أبدًا.
أما زياد وعلي، إخوة أمل، فقد صنعوا أشكالًا مبهجة باستخدام الصلصال، فهم ما زالوا يتذكرون كرتون المفضل «بطوط» ويحاكونه وأصدقاءه على شكل مجسمات صغيرة رغم أن الاحتلال أجبرهم على الجلوس في خيمة، وحرمهم من مشاهدة التلفاز.
يحلم زياد، 7 سنوات، أن يدخل كلية الفنون، ويتخصص في مجال النحت، فهو يحب تجسيد الأشخاص والحيوانات على هيئة تماثيل، وقدوته في ذلك النحات الفلسطيني الذي يعيش في الجزائر، زكي سلام.
ويريد علي، 9 سنوات أن يصبح طبيبًا يداوي أوجاع سكان غزة الذين أنهكتهم الحروب، وخطت جراحها على أجسادهم، يقول لـ»القدس العربي» ببراءة: «رأيت أطفالًا كُثر يموتون برصاص الاحتلال، أتمنى أن أنقذهم عندما أكبر، فإن أصاب الاحتلال أجسادنا فإنه لن يستطيع اغتيال أحلامنا في مستقبل أفضل».
العلاج بالفن
وعن فكرة مبادرة العلاج بالفن، يوضح عز الدين شلح، الحاصل على درجة الدكتوراه في السينما، وأستاذ دولي للعلاج بالفن من الأكاديمية الدولية للتنمية في تونس والمعترف بها دوليا: «إننا نعمل بين الخيم في مراكز النزوح ضمن منهج علمي ونستخدم في العلاج بالفن طرق عديدة منها: الكتابة، الحكاية، الرسم، المسرح، السينما، الطين، الصلصال».
يشير شلح إلى أنه يؤدي مهامه في قطاع غزة باستشارة ومتابعة الطبيب التونسي المحاضر الدولي في العلاج بالفن محمد الماجري، والحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة هارفرد ورئيس الأكاديمية الدولية للتنمية، والأستاذة التونسية نرجس عياد، الخبيرة الدولية في العلاج بالفن ومهندسة الديكور المقيمة في فرنسا، والتي تعمل على درجة الدكتوراة في العلاج بالفن.
ويرجع الأستاذ الدولي للعلاج بالفن السبب وراء عملهم في قطاع غزة إلى أعمال الإبادة الجماعية في القطاع، والتي طالت الغالبية العظمى من الأسر الفلسطينية، سواء بفقد أحد أفراد الأسرة أو عدد منهم، مشيرًا إلى أن ذلك خلق لدى المواطنين بشكل عام صدمات قوية وحالة من عدم الاستقرار والأمان في الحياة.
ويضيف: «كما أن هناك عددا كبيرا من المواطنين ممن بقي تحت الركام، وهناك ممن دمرت بيوتهم ونزحوا إلى خيام لا تصلح للحياة الإنسانية».
ويواصل «ناهيك عن الموت جوعاً، وتوقف النظام الصحي، ولا زال المواطنون يعيشون حالة الخطر المنتظر سواء بالفقد أو الدمار أو النزوح تستلزم إعادة تأهيلهم نفسيًا لمواجهة الحياة من جديد من خلال ممارسة الفنون المختلفة».
ويؤكد أن هذه المبادرة التطوعية تستهدف المرأة والطفل؛ لأنهما الأكثر تأثراً بالصدمات نتيجة الأحداث التي تعيشها غزة «بدأنا من مدينة رفح التي يقدر عدد السكان فيها مع النازحين الذين لجأوا اليها بمليون ونصف المليون، منهم مليون ومئتين ألف يعيشون في خيم النزوح»، منوهًا إلى أن هذه المبادرة تحتاج الى دعم الجميع لتستمر في انجاز أهدافها.
ويوضح أن المبادرة التي تقوم على مجهود المتطوعين تهدف إلى العمل على العلاج بالفن للمرأة والطفل، وإعادة التوازن النفسي للمرأة والطفل، بالإضافة إلى الحفاظ على البناء الأسري من خلال عقد لقاءات فنية ترفيهية لمراكز النزوح.